حين حرضت خديجة بن قنة على المس بالسلم الاجتماعي للجزائر!

حجم الخط
11

■ نشرت مؤخرا الإعلامية خديجة بن قنة على الفيسبوك، موضوعا للنقاش، لمحت في مضمونه إلى قرب تقلص قدرة السلطة القائمة في البلد على شراء السلم الاجتماعي بالريع النفطي، كما اعتادت أن تفعله في السابق، في ظل الانهيار السريع والمتتالي لسعر برميل البترول في السوق العالمية.
منشور فجّر الكثير من ردود الفعل المتباينة لدى رواد «النت» في الجزائر، في العديد من شبكات التواصل الاجتماعي، منهم من أيد ما ذكرته، ومنهم من اعتبره حقا من حقوق التعبير، ومنهم رفضه بحجة أنه يحرض على المس بالسلم الاجتماعي، وبصرف النظر عن جدية المدافعين عن رأي بن قنة، وأحقية الرافضين له، يظل حري بنا طرح تساؤلات حول المسألة موضوع الجدل، من جعل السلم الاجتماعي عُرضة للتحريض والتهديد؟ من استعمل المال العام للتبريد الاجتماعي وليس للتسخين، من أجل الإقلاع الاقتصادي الصحيح؟ أليس من فعل ذلك كله إنما فعله ليستمر في الحكم ويرفض التغيير؟
أسئلة تدفع بنا مرة أخرى لاستنطاق المشهد السياسي الوطني في ظل حكم بوتفليقة، على اعتبار أنه شمل في هيمنته منذ عشرية ونصف العشرية، كل جوانب الحياة الاجتماعية والاقتصادية والرياضية، مستندا في ذلك إلى الحالة الريعية غير المسبوقة في تاريخ الجزائر من أيام ماسينسا إلى يوم انكسرت السوق النفطية الدولية قبل نحو عام، بتهاو خيالي لأسعار براميها، تماما كخيال صعودها الصاروخي المطرد لمدة عشرية كاملة.
فحكم بوتفليقة لم تشهد له الجزائر مثيلا بالمرة، وقد لا تشهده مرة أخرى، حيث فيه تم وبشكل متعمد ومتقصد تكسير كل معاني الحكم الجمهوري بخصوصياته المؤسساتية الفعلية، وأرسي طابع صوره له، وصارت الولاءات تشترى وتباع بشكل مفضوح وبائن وتحولت المجاهرة بالردة الحزبية والعصيان المؤسساتي، وبيع المراكز في القوائم الترشيحية الانتخابية لشتى المجالس النيابية في مزايدات علنية، أمرا مستباحا ومباحا، ولا حرج فيه طالما كان مبررها الاستفادة من أرباح السوق السياسية، أحزابا وأفرادا، كل ذلك حول السياسة في الجزائر إلى بزنس، فسقطت هي بمفهومها ومفهوم السياسي المجردين، معا من تقدير المواطن الذي بات شغله الشاغل جبهته الاجتماعية.
استمر تردي السياسة بإيقاع متسارع، وتجلت بداية سقوطها العلني والنهائي في يد أصحاب المال الجدد، الذين أسسوا ثرواتهم أيام كان الشعب يواجه آلة الإرهاب المروعة والمرعبة في القرى والمداشر المعزولة والمناطق الساخنة، وقتها كانت البنوك مستباحة لبعض المسؤولين والمديرين القطاعيين كي يستفيدوا من قروض بأرقام ومبالغ خيالية، ليؤسسوا بها شركات ستتحول في طرفة عين إلى شركات عملاقة لخدمات تستنزف الخزينة العمومية! فتعددت وحداتها ومناطق اشتغالها، مع أن العديد من أصحابها كانوا فقراء، وكانوا في أحسن الأحوال، أناسا عاديين في تسعينيات القرن الماضي. هؤلاء واصلوا النفاذ عاما بعد عام إلى ظلمة بيت صناعة القرار، حتى بلغوا حد القدرة على الإسقاط من الساحة السياسية والحكومية من يشاءون (كما حدث مثلا مع وزيرة الثقافة نادية لعبيدي، وبعدها مع وزير التجارة عمارة بن يونس) ويعلون من يشاؤون! أي من يخدم مصالحهم، وتراجع سهم رجل الدولة في الجزائر أمام تنامي حضور سهم رجل المال.
أمام هكذا تحول زلزالي متواصل في التضاريس السياسية للبلد، راحت جوانب الحياة الأخرى فيه، تتداعى له بشكل دراماتيكي، فكانت الجبهة الاجتماعية الساحة الأعنف لتلكم التداعيات، وكثيرا ما أكدت الإحصاءات هاته الحالة حين أشارت في غير ما مرة إلى أن نسبة الاحتجاجات والانتفاضات الاجتماعية والمطلبية في الجزائر في عهد حكم بوتفليقة، فاقت فترات حكم الرؤساء الستة الذين سبقوه مجتمعة، مرة لغلاء المعيشة وارتفاع أسعار المواد ذات الاستهلاك الواسع، مرة من أجل السكن، مرة للممارسات البيروقراطية القائمة على المحاباة والجهوية، وذلك حتى في ذروة تصاعد أسعار النفط في السوق العالمية.
ولئن نجح بوتفليقة في تحييد السياسي من المشهد الوطني عبر مستويات عدة، منها خنق المعارضة، التضييق على العمل الحزبي ونشاطه الخطابي والمهرجاني التعبوي، شراء ذمم نخب فاعلة سواء كأحزاب مثل حمس وبعض الكيانات الحزبية المجهرية من ذوات مهمة ترسخ تعددية الواجهة، أو كأفراد عبر تفجير أحزاب من الداخل والاستحواذ على وجوهها القيادية بآلية الاستوزارات الانشقاقية أي منح حقائب للمنشقين، فإنه لم ينجح في الاستحواذ على الجبهة المطلبية الاجتماعية التي ثارت في كل مرة وهي اليوم مرشحة أكثر من ذي قبل للانفجار، لأن دواء التسكين الذي كان يوفره الريع البترولي آيل إلى الزوال، مثلما يتوقعه عديد الخبراء، بفعل الإغراق المتعمد لسوق الإنتاج من قبل الجهات المتصارعة إقليميا ودوليا، والأخطر هو رفع العقوبات على إيران بعد الاتفاق النووي واستعدادها للعودة بحصتها الهائلة إلى السوق، ما يعني أن الأسعار مرشحة للنزول أكثر وأكثر.
من هنا يتضح أن رهن السلم الاجتماعي بتقلبات السوق الدولية هو جريمة في حق الوطن، يُعرض بموجبها أمنه وسلم جبهته الداخلية لخطر الانكسار في أي لحظة تنقلب فيها المعادلة الدولية من خلال سوقها النفطية ذات التقلبات المفاجئة والمتعددة، والسلطة التي تفعل ذلك، إذا لم تُعامل معاملة الممارس للخيانة العظمى فلا أقل منه أن تعامل بمعاملة الفاشل، الذي يتوجب عزله والمسارعة إلى بناء نظام وطني جديد يشمل في ما يشمل التأسيس لسلطة جديدة وقواعد لعبة سياسية جدية وجديدة يتضمنها دستور تقدس روحه في الوعي السياسي للجماعة الوطنية بحيث يغدو غير قابل للعبث والتعديل المصلحي.
لكن الملاحظ هو أن جل النخب التي تتوفر على أداة النقد على صعد المعرفة كلها، أو على الأقل هكذا يفترض أن تكون، تهاوت في ردود فعلها على منشور خديجة بن قنة على الفيسبوك، وراحت توسم الصحافية القديرة بشتى أسماء ومسميات ونعوت الخيانة والتخوين، في انزلاق مريب وغير مبرر بالمرة نحو خطاب شعبوي أربأ شخصيا بالنخب أن تقع فيه، خطاب (مشروع الرئيس) أسست له أوهام سلطة أعيد أنتاجها سنة 1999 والتي تأتى لها ما لم يتأتى لسلاطين التاريخ وأساطين الحكم من ثروة مالية كان يمكن من خلالها بناء بلد جديد بأكمله من الحضيض، وليس من على حديد، كان موجودا كقاعدة انطلاق صناعي واعد.

٭ كاتب صحافي جزائري

بشير عمري

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية