حين كانت شادية سر طفولتي

حجم الخط
0

أذكر شادية كسر خفي، كان عليّ اتمام إخفائه جيداً عنهم. أنا الذي حرمت في منزلنا من سماع الموسيقى علناً، واكتفيت بعيش حياة موازية، لا تشبههم. كان سر شادية، متأتياً في الأصل من جلسات «الدلال» التي تخصني بها جارات أمي في منازلهن، مع «تبسات» المهلبية و»الرز بحليب».
جلسات لطفل في عمري، لم تبهره الأطعمة والبسملات المغدقة عليها على وفرة ما أراه من شاشاتهن. كان «الساتلايت» قد جاء في بدايته الى بنايتنا، فاتحاً شهوتي لاكتشاف عالم لا أطاله بيدي، ولا أجده في منزلنا، الذي تصدح منه خطب الشيخ الضرير، عبدالحميد كشك. فكانت شادية أول اكتشافاتي الآسرة للغنج.
أجلس مركزاً ناظري في الشاشة الصغيرة، إلى رشاقة الممثلين والممثلات بالأبيض والأسود، محتارا برشاقتهم وابتساماتهم الغائبة في شققنا المكتظة بنا، ومعيداً في رأسي، حوار فريد الأطرش وشادية في أغنيتهما: «يا سلام على حبي وحبك. وعد ومكتوبلي أحبك»، أردد الأغنية متهجياً كلماتها كغارق في غيمة بيضاء.
وبقيت الأحلام، كحبل سري يصلني بشقة أم طلال، التي يفصلنا عنها جدار واحد. جدار كان وهمياً بالنسبة لي. فيطيب لي تجاوزه بخفة مثل أبطال أفلام الكرتون. وأجدني مستمتعاً بأفيشات صباح وشادية وميمي شكيب، التي كانت جارتنا تحتفظ بها، مع مجلات «الموعد» و»أهل الفن». عالمي الأول إلى الصحافة والمجلات. وطبعاً إلى عالم الموضة والثياب القصيرة وصور الحفلات السعيدة.
كانت لعينيّ شادية رقة تسعفني على الهروب من «أبو العيون السود»، من سلسلة «المغامرون الخمسة»، في ليالي النوم المؤرقة، ولا تزال هذه الرقة، مستعادة بخفة في يوميات غربتي الفرنسية، حيث يحتفظ «لابتوبي» بأغنياتها، مع نهاوند ونجاح سلام وهدى سلطان. أنا الذي ربما ولدت في بناية لنسائها ذوق رفيع، رغم الفقر الذي تربى برشاقة هناك. في بناية «المصري» في قبة النصر (طرابلس). فعاشت طروب أيضاً، معنا. للحقيقة كان عليّ أن انفصل عن مدينتي وأقطع حبل السرة هذا، لكني كلما وجدتني مع أغنياتهن، أعود إلى مكاني الأول، مبتسماً كمن ولد لتوه.
موت شادية، لا يعني أن قسماً مات من طفولتي، ربما صارت لي حجة دامغة أن أعيد، أغنية «إن راح منك يا عين»، كشفاء يومي من البعد والحب المستحيل.
كاتب لبناني/ باريس

حين كانت شادية سر طفولتي

صهيب أيوب

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية