حين نرسم صورة الوطن… بالكلمات

حجم الخط
1

بغداد ـ «القدس العربي» من صفاء ذياب: «وتسأل: ما معنى كلمة وطن؟
سيقولون: هو البيت، وشجرة التوت، وقن الدجاج، وقفير النحل، ورائحة الخبز والسماء الأولى.
وتسأل: هل تتسع كلمة واحدة من ثلاثة أحرف لكل هذه المحتويات، وتضيق بنا؟» رؤية الشاعر الفلسطيني محمود درويش للوطن تختلف عن رؤية غيره من الشعراء والكتاب، فضلاً عن الباحثين عن وطن لم يعثروا عليه حتى الآن.. فما الوطن؟ وما الطرائق التي نعبر بها عنه؟
المديات التي تفتحها الكتابة لصناعة الوطن والهوية من الصعب إحصاؤها، فلكل كاتب صورة وطن لا يمكن أن تتطابق مع صورة كاتب آخر، مثلما يكون الأسلوب هوية الكاتب وشخصيته.. ربما يمكننا طرح السؤال بشكل مغاير: كيف ترسم اللغة صورة الوطن؟ وكيف يتم بناء الأوطان بالكلمات؟

تحريض الوعي

من وجهة نظر الشاعر مهند يعقوب، فإن علاقة اللغة بالأشياء؛ أياً كانت، تخضع لمعايير تطور اللغة نفسها لإعطاء صورة ما. وسؤال الوطن هنا كموضوع داخل الأدب، هو سؤال متعلق بفنيات اللغة وقدرتها على الخلق، أكثر من أهميته ودرجة حساسيته كموضوع لذاته.
لذا فالوطن عبر هذه اللغة أو تلك هو موضوع متباين وفضفاض، مرّة يتمظهر بشكل مباشر ومرّات يعيش في الظلال، أي عبر جزئيات أخرى. لكن في الحالات التي يبدو فيها موضوع الوطن مباشراً، فإن الحماسة والتعبئة تكون من خواص تلك اللغة، خاصة عندما يكون موضوع كهذا تتجاذبه الروح النمطية والأيديولوجية، إذ يبقى كموضوع رومانسي داخل هذه اللغة تحديداً. بينما في اللغة المغايرة التي لا تكف عن الخلق والإضافة، هو موضوع خالٍ من الغنائية ومنطقة تخضع لإعادة البناء والفهم ضمن حدود هذه اللغة المختلفة واشتراطتها.
وهي اشتراطات عادة ما تتعلق بمفهوم اللغة وفقهها وفلسفتها، أي بالإسلوب وطريقة التفكير لا بالبلاغة.ويبين يعقوب أن اللغة لا تخلق مقابلاً مادياً لموضوعاتها ولا تؤمن بالحدود، لكنّها تحرّض على إعادة الفهم والتفكير على نحو مختلف. وإذا أردنا أن نقرأ على سبيل المثال والتقريب هذا المقطع للشاعر محمد الماغوط ضمن مجموعته «سأخون وطني» الصادرة عن دار رياض الريس 1994:
قولوا لوطني الصغير والجارح كالنمر
بأنني أرفع سبابتي كتلميذ
طالباً الموت أو الرحيل
ولكن لي بذمته بضعة أناشيد عتيقة
من أيام الطفولة
وأريدها الآن..
فسنكون إزاء حالة شعرية فوق العاطفة الخالصة ومن دون التفكير العقلي، تعيد هذه الحالة الشعرية للوعي الإنساني طاقته على التفكير مجدداً بالموضوعات ورفضه لوجودها النمطي. إن الوطن لا تبنيه الكلمات، بل تحرض الوعي على وجوده بطريقة تلائم الإنسان بالمعنى الحقيقي للكلمة، والوطن كموضوع داخل الأدب عموماً يحضر بأجزائه المعبرة، الطبيعة والعمران والإنسان، والأحداث كيوميات وزمن وذاكرة. وهذا كله خارج الجغرافيا المحددة لبقعة معينة، لأن حضور أي من هذه الاجزاء يدفع بالموضوع ذاته إلى الشمولية في النظرة والخصوصية في الوقت ذاته. وفي النهاية فإن طرق التفكير داخل أي لغة، هي ما تمنح موضوعها ندرة وسعة حضور، بغض النظر عن أهمية هذا الموضوع من عدمه ضمن التفكير العام بالأشياء والمحيط.

ثورة لغوية

يقترح الشاعر جبار الكواز قبل الإجابة على السؤالين أن نقف أمام مصطلح اللغة ومستويات فهمه ودوره في حياة الناس والأمم، ولا شك أن هذا المفهوم في أبسط، تداولياته غير واضح لدى كثير من العراقيين، لأنهم ببساطة يفهمون اللغة كوسيلة اتصال… فهل تستطيع اللغة؛ أيما لغة، أن تسهم في صناعة صورة الوطن ونحن نعيش موقفاً متزمتاً وجامداً إزاء لغة تزدهي بماضيها وتشكيلها وضعاً جعلها قرينة القداسة لأنها ارتبطت بالخطاب المقدس، منذ أول آية استوعبها النبي العربي محمد بـ(اقرأ). ومن هنا فإن هذا الموقع الأثير والمبجل تاريخياً للغتنا جعلها قاصرة عن أداء دورها الحداثي في تشكيل صورة وطننا، خاصة ونحن نعيش مشكلة شفعية لغة الخطاب بما خلق بوناً شاسعاً بين ما يُكتب وما يُتكلم به في الحياة اليومية. هذا العجز جاء تشظياً من موقف القداسة التي احتكرت حرمة اللغة ولم تعطها مجالاً للانطلاق في أداء الدور الواجب عليها.

لغات الوطن

غير أن الوطن لدى الشاعر ناجي رحيم صورة مشبّعة بمضامين طفل، أنا وهو وأنت وأبي وجدّي، الوطن لغات وتجارب وتواريخ، كثيرون حاولوا، أغانٍ حاولت، جدّات على مواقد، يغنين الوطن، «أتذكّرني طفلاً في غرفة طينية، جدّتي تتحدّث عن هجرة، هجرتها من أهوار العمارة، من عمق الهور إلى الناصرية.. حكاية طويلة.. كانت وهي تتحدّث تبكي، في دموعها لمست معنى وطن، الأرض الأولى، الأحبّة، ملمس الذكرى، الدموع لغة تكتبنا، بها كتبت جدّتي معنى أصالة لا يعرفها سوى من يفتقد، للأسف لا نثمّن أشياء كثيرة إلا حين غيابها». ويضيف رحيم: لا شيء يمكن أن يحدّد شعوره في لحظة، قد تبكي، قد تنظر إلى خريطة غابت أو تكرّست، قد تخرج من غرفة مشبّعة بالتدخين وتجلس وسط شعوب لا تعرفك ومعـــك هاجــس، هواجس وطن، الوطن لغة والكلمات وطن، أنت من دون كلمات لا شيء، حتّى إن عاندت لا بدّ منها، قد تصرخ أو تبكي وهذي لغة أيضاً. «أدّعي أنني عراقي في الصميم، الناصرية لا تغيب، محلّة الشرقية، أفقر حيّ ولدت فيه وأحبّه، حيّ أور في بغداد، مدينة الثورة وحتّى معسكر أبو غريب، حيث سقت للعسكرية، وطن، الوطن هو الحبيبة التي سهرت معها ليالي على التليفون، حين لا إنــترنـــت ولا ماسنجر ولا فيسبوك، الحبيبة التي غادرت إلى كرش ضابط وكنت هــــارباً، هاربا من حرب الثمانينيات، (الوطن) لا تكتبه كلمات خلاصتي، عجــــين الروح ربّما هــو من يكتب وطن، عجين الحسّ، الوطن لغات ولغات».

وطن بالألوان

ربما يختلف الأمر حين يكون الشاعر رساماً، يدرك ما معنى الرسم، بالألوان وبالكلمات، مثل الشاعر والفنان عمار بن حاتم، الذي يشير إلى أن الإنسان يستطيع أن يرسم بلاده كما يشاء، ويستطيع تصويره مثلما يريد، فقد يرسمه سجنا مرعبا، أو جنة عظيمة، اللغة هي الريشة واللون اللذان نستخدمهما لرسم صورة الوطن بالكلمات. ويرى بن حاتم أننا نستطيع أن ننتقي من هذه اللغة ما نشاء من اللون، فتصل الصورة زاهية ناعمة مشرقة، لمن أراد النظر إلى الوطن بعيوننا، أو قد ننتقي صوراً أخرى للوطن عالقة في الذاكرة فنرسمها بكلام له وقع مخيف في دواخل الآخرين فتصل الصورة مشوهة مرعبة على الرغم من كونها صادقة.
وقد ترتبط جمالية الصورة بعمق الانتماء، وقد ترتبط بالحالة لذا فجميعنا قد يرسم الوطن بأشكال وصور مختلفة تتأثر بشكل أو بآخر بالحالة أو عمق الانتماء. ويسرد بن حاتم تفصيلة أخرى، وهي أن الوطن ليس سوى قطعة من الأرض لها مقومات تشترك، لتكّون وطناً بالمعنى وبالشكل الذي نعرفه نحن بني البشر، لذا فنحن من يصنع صور الوطن ونحن من يرسمه، سواءً كان جنة أو أطلالاً نبكي عليها… فاللغة التي نستخدمها في وصف الوطن هي التي ترسمه (لغة القصيدة، الأغنية، اللوحة، القصة، الرواية)، فجميع لغات الجمال تُرسم بها الأوطان.
أما عن بناء الأوطان بالكلمات، فيقول بن حاتم إن هذه مسؤولية عظيمة تقع على عاتق صناع الجمال وواجبهم هو رسم الوطن بأبهى صورة، والإشارة اليه كمقدس أو كأب يجتمع تحت خيمته الجميع كأخوة، وليس هنالك أعظم من رسالة كهذه تُبنى بها أسس المواطنة وحب الوطن في قلوب الأجيال، فكم من شعراء وكُتاب درسنا نصوصهم وقصائدهم في الطفولة وتعلمنا منهم أن الوطن هو الانتماء، وأن حب الوطن هو الرابط المقدس الذي يجعل لكل إنسان معنى ووجود في هذه الحياة… وعندما نقول الوطن (فإننا نعني الوطن الواحد) بعيداً عن التجزئة والمكونات والمذاهب والأعراق والطوائف والقوميات، الوطن الذي تتماهى فيه جميع الهويات والمكونات الجانبية والفرعية لتكون بالمحصلة النهائية هوية واحدة تنتمي إلى الوطن ذاته… فصُنَّاع الجمال هم بُناة الوطن، وهم صناع الحياة فيه، لأن تجزئة الوطن وتقسيمه والدعوة إلى تقطيع أوصاله هي دعوة إلى موته.. هنا تكون الكتابة مسؤولية فكل كلمة نبني بها لبنة فإننا سنؤسس بذلك للغة حب وثقافة تسامح وإخوة وبناء مجتمعات مبنية على حب الوطن والمواطنة.

الأرض اليباب العراقيَّة

من جهته، يرى الشاعر علي تاج الدين أنَّ العراق في أغلب النصوص الأدبيَّة العراقية (شعراً ونثراً) يتموضع تحت صورتين هما: الأرضِ الخَرِبةِ المهدَّمةِ نتيجة هيمنة السياقات السياسية ومن ثمَّ العسكرية مما قد خلَّف الحروب المتعاقبة والحصار، ثُمَّ عودة الخراب والحرب للأسباب ذاتها مع تغيير وجه السياسة، وهذه الصورة تنضوي تحت المذهب الواقعي على الأغلب، والثانيَة هي صورة الأرض اليوتوبيَّة (الموعودة) وهي ذات منحى خيالي ينضوي تحت المذهب الرومانسي على الأغلب، وهنا يرسم الأدباءُ وطنَهم العراق حسب آمالهم وطموحاتهم لكن في عالم اللغة فقط للأسف، وهذا هو أحد مظاهر البون بين الأدب والشارع، فالكلمات وحدها غير كافية لبناء الوطن من دون مساعدة من الفعل الفلسفي والعلمي والسياسي الناجح، ومن هذا المُنطَلق يظنُّ تاج الدين أنَّ على الأديب أنْ يكونَ مُفكِّراً وعالِماً ليكون من القوَّةِ بمقدارٍ يوازي حجمَ هذا الخراب فيكون فاعِلاً حقيقيَّاً في بناء وطنِهِ.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية