باريس ـ «القدس العربي»: سيكون على الرئيس الروسي فلاديمير بوتين خلال زيارته المرتقبة إلى باريس في الثاني من شهر تشرين الاول/أكتوبر المقبل للاجتماع بالرئيس الفرنسي فرانسوا أولاند والمستشارة الألمانية أنغيلا ميركل في إطار قمة أوروبية روسية مصغرة تعقد في قصر الإيليزي أن يقدم للأوروبيين شرحا مستفيضا بشأن الأسباب التي جعلت موسكو تقرر إرسال قوات وطائرات حربية إلى سوريا، بالتزامن مع بدء فرنسا لغاراتها الجوية ضد مواقع تنظيم الدولة داخل الأراضي السورية لأول مرة.
وسيطلب كل من أولاند وميركل من الضيف الروسي فلاديمير بوتين أن يوضح لهم كيف سيساهم الوجود العسكري لبلاده في سوريا في هزيمة تنظيم «الدولة الإسلامية» خاصة وأن المهمة قائمة بالفعل من خلال الحلف الدولي.
دخول القوات الروسية مستنقع الحرب في سوريا إلى جانب نظامها حظي بامتعاض فرنسي ألماني مشترك خاصة وأن باريس وبرلين هما أكثر الدول الأوروبية إصرارا على ضرورة تنحي الرئيس السوري بشار الأسد، واعتبار ذلك المفتاح الرئيسي لأي حل سياسي في سوريا.
وانضمت بريطانيا إلى ذات الموقف حين أعلن كل من وزير الدفاع البريطاني مايكل فالون ونظيره الفرنسي جان إيف لودريان في باريس أن فرنسا وبريطانيا قلقتان بشأن زيادة «كبيرة للغاية» في الوجود العسكري الروسي في سوريا، و»أن الحشد الروسي داخل الأراضي السورية لا يسهم سوى في تعقيد وضع معقد وصعب بالفعل».
و قال الوزير الفرنسي خلال محادثاته مع نظيره البريطاني أن روسيا عززت بشكل كبير من وجودها في ميناء طرطوس وفي مطار عسكري جنوبي مدينة اللاذقية بطائرات مقاتلة وطائرات هليكوبتر قتالية، مطالبا موسكو شرح أسباب هذا الحشد.
وتساءل لودريان «كيف نفسر ذلك؟ هل هو رغبة من روسيا في حماية مواقعها التاريخية حول هذا القسم من سوريا؟ هل هو رغبة من روسيا في حماية بشار الأسد؟ هل لمحاربة تنظيم الدولة؟ هل هو تحرك عسكري من أجل المشاركة في المفاوضات المقبلة؟ هذا ما يتعين على روسيا ان توضحه».
وصبت تصريحات الوزيرين الفرنسي والبريطاني في مجرى ذات المخاوف التي عبرت عنها الإدارة الأمريكية عندما أعلنت أنها تشعر بالقلق من دعم روسيا للرئيس السوري بشار الأسد الذي ما فتئت تدعوه إلى الرحيل عن منصبه للسماح بالانتقال السياسي في سوريا.
وكانت موسكو قد بررت دعمها للأسد في الصراع بأوضح العبارات خلال الأيام القليلة الماضية، حين قالت في أكثر من مناسبة إن النهج الغربي في التعامل مع سوريا يشبه الاخفاقات في العراق وليبيا.
وتابعت القيادات الأوروبية بقلق كبير معلومات أجهزة استخبارات بلادها عن التحركات العسكرية الروسية داخل الأراضي السورية، خاصة وأن روسيا نقلت عشرات الطائرات الحربية الحديثة إلى سوريا من نوع سوخوي وميغ، إضافة إلى سرب من الطائرات المروحية المقاتلة، التي تم نشرها في عدة مطارات عسكرية وتسلم الجيش السوري عدداً منها.
وتحدثت الأجهزة الاستخباراتية الأوروبية عن وصول عدد كبير من القطع الحربية البرية الروسية من بينها مدافع ودبابات ودفاعات جوية متنقلة، إضافة إلى ضباط وجنود روس مكلفين بتنفيذ عمليات برية نوعية، إضافة إلى ضباط مدفعية وطيارين.
وبالتوازي مع السباق الروسي لنشر دبابات وعتاد عسكري ثقيل وإرسال جنود ومقاتلات حربية إلى عدة مناطق داخل سوريا، تنافست وسائل الإعلام الأوروبية خاصة في كل من فرنسا والمانيا وبريطانيا على نشر ما قيل إنها قصص وأخبار عن ما قيل إنه عصيان لعدد كبير من الجنود الروس الذين رفضوا أوامر الذهاب إلى سوريا للمشاركة في الحرب الدائرة فيها.
ونقلت عدة صحف فرنسية عن وسائل إعلام روسية شهادات ومقابلات أجريت مع مجموعة من الجنود الروس يعبرون فيها عن رفضهم الذهاب إلى سوريا، وعن مخاوفهم من دخول الحرب ضد تنظيم الدولة بقولهم «لا نريد أن نموت هناك».
وبحسب ما نقلته الصحف الفرنسية والألمانية فإن الجنود الروس اعتقدوا للوهلة الأولى بأنهم ذاهبون في مهمة حربية إلى شرق أوكرانيا، قبل أن تصلهم الأوامر بالاستعداد للسفر إلى مدينة اللاذقية في سوريا للقتال إلى جانب الجنود السوريين، وقبل أن يطلب منهم توقيع التزام عسكري بعدم إفشاء الأمر، تحت طائلة مواجهة عقوبات من بينها حرمان ذويهم من أي تعويضات مالية في حال تـعـــرضــهم لإصابة أو مقتلهم في الحرب، مع معاقبة كل من يرفض توقيع الالتزام العسكري بالسجن لمدة عشرين عاما.
ولم تقف الصحف الأوروبية عند هذا الحد، بل عملت أيضا على إجراء مقابلات صحافية مع أمهات وزوجات بعض الجنود الروس الذين جرى إرسالهم إلى سوريا، أعلن فيها أن أبناءهن أرسلوا ضدا على إرادتهم للقتال في حرب لا علاقة لهم بها، وأنهم «اقتيدوا» كالمواشي نحو المذبح للقيام بدور «مرتزقة» في حرب لا ناقة لروسيا فيها ولا جمل.
وبحسب صحف فرنسية ـ فإن الجيش الروسي أخفى عن جنوده وجهة المهمة العسكرية ولم يخبرهم حتى اللحظة الأخـيـرة بأنهم في طريقهم إلى سوريا، ما يعكس في رأيها خـوف القـيــادة العــسكرية من عصيان في صفوف جنودها.
وتبرر روسيا تدخلها العسكري في سوريا بضرورة قصوى للقضاء على التنظيمات المتطرفة كتنظيم الدولة وجبهة النصرة لتفادي ما تسميه المس باستقرار منطقة الشرق الأوسط، خاصة وأن موسكو تعتقد أن الغارات الجوية التي ينفذها التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة ضد تنظيم الدولة في العراق وسوريا أثبتت فشلها ولم تنجح في مهمتها.
وخلال مؤتمر صحافي في قصر الإيليزي تفادى الرئيس الفرنسي فرانسوا أولاند الرد على سؤال محرج من صحافية عربية استفسرته إن كانت الطائرات الفرنسية التي تقصف تنظيم الدولة في سوريا ستدخل في مواجهة عسكرية ضد القوات الروسية في حال تعرضت لإطلاق نار منها،وسألته قائلة «هل ستخوضون حربا ضد روسيا؟».
غير أن الرئيس أولاند تفادى الرد المباشر على السؤال، لكنه أعلن أن قرار فرنسا بدء غارات جوية ضد مواقع تنظيم الدولة داخل الأراضي السورية جاء تحت قيادة الحلف الدولي ضد التنظيم في إشارة إلى أن أي تعرض روسي للطائرات الفرنسية خلال عملياتها العسكرية داخل سوريا هو تعرض للحلف الدولي باكمله.
وفيما سلكت واشنطن مسلك طلب الحوار مع روسيا بشأن حل الأزمة السورية، لا يزال الرئيس الفرنسي يأمل بالتوصل إلى مخرج سياسي لها عبر طاولة مفاوضات الأمم المتحدة، وهو ما تجلى في دعوته إلى تنظيم مؤتمر دولي جديد حول سوريا تحت رعاية الأمم المتحدة، كتكملة لمؤتمري جنيف واحد وجنيف اثنين.
ويثير التوسع الروسي في سوريا مخاوف أوروبية واسعة، بينما بقيت الانقسامات الأوروبية بشأن الحل السياسي لسوريا ومستقبل الرئيس بشار الأسد فيها غير واضحة، ففيما قال الرئيس الفرنسي إن مستقبل سوريا لا يمكن أن يمر عبر بشار الأسد ولن تكون هناك أي عملية انتقال سياسي دون رحيله عن السلطة مسبقا، خالفت المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل الطرح الفرنسي بالدعوة إلى حوار مع الرئيس السوري واعتباره طرفا في أي حوار سياسي لحل الأزمة، مؤكدة أن بلادها وبلدانا أخرى في غرب أوروبا بحاجة للعمل مع روسيا لحل الأزمة السورية.
ويأتي موقف المانيا، أكبر قوة اقتصادية وسياسية في أوروبا، مع بداية تغير في مقاربة الغرب تجاه النظام السوري خصوصا في ظل اسوأ أزمة هجرة تواجهها أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية مع تدفق مئات آلاف الهاربين من الحرب إلى أراضيها.
ولا تخفي الدول الأوروبية قلقها إزاء تعدد المؤشرات على تعزيز التواجد العسكري الروسي في شمال غرب سوريا، كإقامة منازل جاهزة الصنع يمكنها استقبال مئات الجنود الروس، وبناء برج مراقبة، وتكرار رحلات طائرات النقل العسكرية الضخمة، كما مارست ضغوطا على كل من اليونان وبلغاريا حتى ترفض استخدام روسيا مجالها الجوي في الرحلات المتجهة إلى سوريا.
وفي انتظار القمة الأوروبية المصغرة مع بوتين في باريس سيكون على القادة الاوروبيين التوصل أولا إلى توافق مشترك بشأن الاستراتيجية الواجب اتباعها حول سوريا وخصوصا بعد التعزيزات العسكرية الروسية الأخيرة، بعد أن بات إشراك رئيس النظام السوري بشار الأسد في الحوار احتمالا مطروحا.