حين يكسر الأدب قيود الديكتاتوريات: نخبة من أدباء الكويت في ضيافة مدينة البصرة

حجم الخط
1

بغداد ـ «القدس العربي»: أكمل الروائي الكويتي إسماعيل فهد إسماعيل ثلاثة أرباع القرن، قضى الثلث الأول من عمره، أي ما يقارب الربع قرن في مدينة البصرة، مكان طفولته وعمله معلماً في إحدى مدارسها، ومكان روايته الأولى في الوقت نفسه.
هذا ما أكده إسماعيل في الجلستين الاحتفاليتين التي أقامها له اتحاد أدباء البصرة؛ جنوب العراق، بالتعاون مع كلية التربية للبنات في جامعة البصرة، حين جاءها زائراً مع وفد أدبي كويتي لقضاء بضعة أيام ثقافية بين ربوع مدينته الأولى.
الاحتفاء كان أولاً بمناسبة صدور رواية إسماعيل الأخيرة «طيور التاجي»، ومن ثمَّ بالروائية الكويتية ميس خالد العثمان، والباحث عقيل عيدان، والناقد المسرحي محمد جواد عبد الجاسم، فقد أقيمت احتفاليتان، الأولى في كلية التربية للبنات، والثانية في مقر اتحاد الأدباء وسط المدينة.
تحدث إسماعيل عن روايته التي قال إنها كانت هما لا بد أن يتخلص منه، لأن أحد أخوته؛ وهو قاضٍ، أُسر يوم 15/11/1990 ولم يعد حتى الآن، فهو موجود في الرواية واسمه بدر. مؤكداً أنه كتب هذه الرواية بالأساس لتجسير العلاقة بين الكويت والعراق. فالكويت فقدت بحدود 600 مواطن، في حين أن العراق فقد أكثر من 600 ألف ضحية للنظام البعثي نفسه، الذي لم يزل العالم يدفع ثمنه، وولد عنه «القاعدة» و»داعش» وغيرهما، ولو لم يكن نظام البعث لما تمكنت هذه المنظمات الإرهابية أن تستمر في وجودها، وكل العقول المفكرة والمدبرة لكل ما يحدث في العراق عقول بعثية، فهذه الرواية أرادت أن تقول إن الكويت ليست هي الضحية، بل إن الضحية الأكبر هو العراق والكويت هامش الضحية، وبالتالي على الجميع أن يكون معاً، على حدِّ قوله.

الجلسة الأولى

كانت الجلسة الأولى حافلة بالدراسات النقدية التي شاركت فيها الناقدة المصرية أماني فؤاد التي جاءت مع الوفد من الكويت للاحتفاء بالرواية الكويتية.
تحدثت فؤاد عن رواية إسماعيل الأخيرة، فضلاً عن أعمال الروائية ميس خالد العثمان. قائلة إن هذه الرواية تحكي عن كاتب روائي يطلب منه أن يشترك في ملف للقصة في المشهد الكويتي لمجلة «العربي»، وهنا تبدأ مأساة هذا الكاتب، فهو يريد أن يقدم رغبته للكتابة، لكن في الوقت نفسه تشتغل ذاكرته على استرجاع مجموعة من المواقف والمآسي التي عاشها في حياته، تتوزع بين أمرين: حلم يشبه الكابوس، وقصة أخيه الأسير في حرب العراق على الكويت، ومن ثمَّ تستدعي هذه القصة مجموعة من النماذج البشرية وكيف يتعامل الناس في هذه المحنة القاسية على البلدين.
وتضيف فؤاد أن الروائي يشكل هذه المأساة التي بدت شديدة التعقيد، فاشتغل في نصه على مجموعة من الآليات التي كان أهمها خاصية تقنية المونتاج المأخوذة من فن السينما وتقطيع المشاهد وترتيبها على نسق معين يرتضيها الروائي، وهو ليس بترتيب الأحداث التي حدثت في الزمن الحقيقي، لو أننا تصورنا هذا النص كأنه استوديو كامل للتصوير، قسّمه الروائي إلى عدد من المواقع التي يتميز كل موقع منها بوجود خاص، وأن قلم الروائي يشبه الكاميرا التي تنتقل بين زوايا الديكور، تصور بعض حياة الناس وتسلط أشعتها على نفوسهم.
إن الواقع العبثي وغير المنطقي الذي تناولته الرواية (الحرب)، بكل مشاهد العنف والقسوة التي فيها، كانت هي الدافع وراء الكاتب لاختيار هذه التقنية ليعبر عن هذه الأجواء العبثية وغير المنطقية على الإطلاق، كما أن طبيعة قصته ذاتها تتضمن خمسة أنواع من الأزمنة، وأمكنة متعددة في الغالب.
أما عن أعمال العثمان، فأشارت فؤاد إلى أن تقنية السرد تعتمد على أنثى تبوح بأوجاعها وهذياناتها، لذا كان المجاز والإشارة والرمز طبيعة تستدعي هذه اللغة المجازية، ومن ثمَّ طبيعة رؤية الكاتبة نفسها للغة، فتشتغل على شاعرية السرد، فترى أن بإمكان اللغة أن توقف الزمن للحظات، فهو إذن اختيار فني وفكري لطبيعة هذه اللغة.
لكنني يجب أن أشير إلى قدرة الروائية في اختيار هذه اللغة الشعرية، ففي كل رواية هناك نوع من الشاعرية الخاصة. «النماذج النسائية التي تقدمها العثمان كانت ضحايا للرجال في رواياتها جميعاً، غير أن الملاحظ أيضاً أن الرجال جميعاً كانوا ضحايا لسلطات قمعية، فالجميع هنا ضحايا بشكل أو بآخر».

ثقب محمد خضير الأسود

من جانبه تحدث القاص والروائي المعروف محمد خضير عن رواية إسماعيل «طيور التاجي»، مبيناً أن الرواية تؤكد على ثنائية الذات والهوية إزاء الآخر، والآخر هنا يتعدد ويتنوع في كونه محتلاً ومعتدياً وآسراً ومدمراً، فالآخر هنا يشمل كل ما يسبب معاناة الكاتب. ومثل هذا الوعي الروائي العالي قد يدفعنا إلى أن نعكس المقولة التي افتتح بها إسماعيل روايته، إن إسماعيل من القلة الشامخة التي كتبت رواية، بصفته قارئاً ضمنياً متواطئاً وملتبساً بموضوعته التي تحتمل قبول الآخر ورفضه.
ويرى خضير أن هذه الرواية درس كتابي شأنها شأن الروايات العظيمة التي نقرؤها حالياً، ليست رواية أحداث وأخيلة، بل رواية بيان، بمعنى أنها تموضع نفسها في موقع الأحداث الكبرى للعصر، لأن أي رواية تصل إلى مثل هذا النموذج العالي الذي وصلته رواية «دكتور زيفاكو» لا تستحق أن تحتل مكانها في القرن الواحد والعشرين. مبيناً أنها تتفرع من ثنائية الهوية والآخر، هويات أصغر مثل هوية السجن الوطن، وثنائية الشرف والضمير، وربما إذا كنا نريد الاستفاضة، فإننا نجد مفتاحاً لها بشخصيات الأسرى الأربعة التي تستعمل مثل هذا المفتاح في فك ثنائية السجن الوطن.

الجلسة المسائية

كانت للناقد جميل الشبيب مشاركتان في هذه الفعالية، الأولى في الجلسة الصباحية، والثانية في الجلسة المسائية التي عقدت في مبنى اتحاد أدباء البصرة. الشبيبي تحدث عن أعمال الروائية ميس العثمان، بورقة عن روايتها «لم يستدل عليه»، مشيراً إلى أن العثمان تستثمر تقنية الجنون لتضع على لسان بطلتها الساردة الرئيسة فيها أسئلة الأنثى وهي تعيش اغترابها في عالم رجولي قاسٍ، يضعها خلف بوابات موصدة ويجعل «أيامنا باردة ككفن جديد… أياما لم تستخدم بعد» أياما «لا تلونها المعجزات الصغيرة، ولا يذبذبها حدث طارئ، فلا يغير طعمها جرس الباب الخارجي، ولا تعطرها باقة ورد مبهجة». وخلال ذلك تكشف أمامنا حياة الأنثى تعصف بها أهواء الرجال وتضيق عليها عالمها بالشكل الذي يجعله محكوماً بوحدة قاتلة مسورة بالممنوعات، حتى يبدو الانتحار حلاً معقولاً لإنهاء هذه الحياة الشائكة.
أما لؤي حمزة عباس فقد قدم ورقة بعنوان «إسماعيل فهد إسماعيل.. وعي الذات ووعي العالم»، أشار فيها إلى أن إسماعيل قدم على امتداد أكثر من أربعة عقود منذ عام 1970 وحتى عام 2014 حقلاً سردياً مرناً، وهي المرونة التي أمنت لهذا الحقل حضوراً استثنائياً، فليس ثمة نظرة واحدة تتحكم بإنتاج العالم على الورق، وليس ثمة عين فريدة متسلطة. لكل رواية عين بها ترى العالم، تدركه وتحياه وتعمل على إعادة إنتاجه، ولكل رواية نظرة، إلى الداخل مرة وإلى الخارج أخرى، في اتساق شبه منتظم. مضيفاً: ثمة داخل حميم مع كل رواية يكشف الخوارج البعيدة، وثمة بالمقابل، خارج بعيد يكشف الدواخل الحميمة، وهي الفكرة التي أراها مناسبة لفهم حقل الروائي بتعدد طبقاته.

صفاء ذياب

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية