في هذه السطور المستعجلة لاندّعي الإجابة عن قضية ما بقدر ما نثير تساؤلات حول مسألة وقفت القراءة النّحويّة قديما وحديثاً موقف المضطرب في حضرتها، إنّها جملة «مات فلانٌ»، ويكمن الاضطراب في صعوبة تفسير عمل الفاعل في هذا السياق، نظرا لأنّ الرجل هنا لم يقم بالفعل وإنّما قام عليه الفعل من قبل اللّه الذي يعدّ الفاعل الحقيقي في هذا السياق. وهذا ما يطرح جملة من الإشكاليات جعلت النحاة – في نظرنا – يحتمون خلف تعليلات نحويّة مقنعة بلبوس ديني حول قضايا الموت في الثقافة العربية الإسلامية، ولاسيما القراءة الجبريّة المرتكزة في أساسيات تفكيرها إلى فكرة الجبر في الأفعال حيث يتحوّل كلّ شيء إلى قدر محتوم.
ولئن كان أغلب النحاة ينحدرون من البيئة الاعتزالية التي هيأت المناخ للبحث اللغوي في تاريخ الثقافة العربية والمنفتحة على التصورات الفلسفية الإغريقية فإنّهم في هذه مسألة يكاد يتفقون اتفاقا تاما يعكس نظرتهم للموت ويقرون من وراء ذلك أنّ فاعله هو ملك الموت من ورائه الله عزّ وجلّ، وهذا سيحكم تصوّرهم للفاعل ضمن جمل من قبيل «مات فلان».
ولسنا بهذا المقال موضع تحامل تجاه التعليل النحويّ ولا ندّعي وجود إجابة واضحة في هذا الإطار وإنّما نستفز مخيلة القارئ حتى يشارك معنا في دفع البحث ضمن قضايا تتراءى لنا أنّها محسومة في حين قد تكون من باب الجبر التاريخي المحتمي تحت أبعاد ثقافية معينة ورثنا فلسفتها دون أن نعيد النّظر فيها ولو من باب التساؤل كما تسعى هذا السطور المتواضعة. وسيلاحظ القارئ كثرة السؤال في ثنايا هذا المقال لأنّنا على إيمان بأنّ السؤال يبقى أهم من الجواب.
يعود أصل الإشكال إلى قضية الفاعل في اللّغة العربية الذي يعرّف بكونه القائم بالفعل ويأتي مسندا إليه فعل وحكمه الرفع، وإذا ما طبقنا هذا على جملة «مات فلانٌ» ستطرح أمامنا جملة من الإشكاليات الشكلية والدّلالية. وهذا ليس بجديد باعتبار أنّ النحاة خاضوا فيه وقلّبوا النّظر جيدا في هذه المسائل. ومن بين التعليلات التي نجد لها حضورا مكثّفا في المتون النحويّة اعتبارهم الفاعل هنا «فلانٌ» فاعلا نحويّا لا أكثر من دون أن يكون فاعلا حقيقيّا، وتبعا لذلك فقد نزعوا عنه الفاعلية بما هو الذات القائمة بالحدث.
وعلى هذا فماذا نحن قائلون عن رجل انتحر وقام بفعل الموت بنفسه، وماذا نحن قائلون عن شخص يستشهد ويضع حدّا لحياته من أجل الثواب، أليس ذلك فعلا إراديا؟ وقد يعترضك البعض بكون الجملتين هنا يمكن أن يصاغا بــ «انتحر الرجل» و «استشهد الرجل»، فنجيب أنّ هذا وإن كان مستعملا في حدود ما فإنّ غالبية الاستعمال ترتكز على الجمل من قبيل «مات فلان» وهذا في نظرنا عائد إلى اللاوعي عند المستعملين الذين ورثوا دلالة الموت بكون فاعلها دائما هو الله، – وهذا ما أسلّم به معهم – غير أنّ السؤال ممكن. أليس فعل الموت إرادة من الفاعل نفسه حيث يتحوّل إلى اختيار وملاذ يذهب إليه الإنسان دون انتظار مجيئه؟ أتكون سطوة الموت وفداحته حطت بثقلها على تفكير النحاة فسلبوا الفاعل حقّه أمام فعل مات كما سلب الموت حقهم من فعل الحياة؟
إنّ حيرة النحاة أمام هذا الضرب من الأفعال من قبيل «مات الرجل» أو «انكسر الزجاج» قد يخفي وراءه حيرة وقلق أكبر، إنّه قلق الإنسان المسلم من قانون الموت الذي صورته الثقافة تصويرا دراميا يعبّر عن نهايات مقننة ولها قوانينها الخاصة. أليس النحوي وهو يعلّل جملة من قبيل «مات فلان» على كون الرجل مجرّد فاعل نحوي لا أكثر، ينطلق من ثقافة جبرية، ترى الموت قدرا محسوما في الزمان والمكان، وترى الإنسان خاضعا لنواميس غيبيّة؟
أظنّ أن ركون النحاة إلى تفسير فاعل الموت في جملة من قبيل «مات فلان» على كونه مجرّد اسم نملأ به موضع الفاعل ونهدي له علامة الرفع دون أن نكسبه قيمة الفعل دلاليا، يـــــدلّ على جـــــبريّة وتسليم تام أمام سطوة الموت ويعكس لنا انسياق النحويّ ضمن أبجديات الفهم المتداول في تلك الفترة. لقد كان من الممكن فسح المجال للفاعل ضمن هذه الجملة أن يتمرّد ويقوم بفعل الموت بنفسه نحويا ودلاليا.
صحيح أننا لا نملك بديلا، وقد يكون كلامنا ضربا من الترف الفكري ولكننا مصريّن على أنّ شيئا ما في تعليل النحوي في متون اللغة أو تفسير المفسّر لنصوص القرآن يوجّه فعلهم، ونظن أنّ هذا الشيء تحكمه خلفيات عقائدية وتصورات سياسية تجعله غير بريء في تقويم الأشياء. إنّ ما أخطّه ضمن هذا المقال ليس إلاّ محض افتراض وتوقّع قد أكون حركت مياهه الراكدة بما يفسد متعة اليقين، ولكنّي أرى أنّ ذلك مفيدا في إعادة بلورة أفكارنا تجاه هذه القضايا.
في نهاية هذه السطور ليس لنا إلاّ أنّ نقول إنّ هذه الحيرة من فعل الموت كامنة في قصور تفكيرنا على فهم كنهه، فهذا المنعرج الأبدي من حياة إلى حياة يظلّ لغزا مشفّرا يأبى الحلّ أو لعله تسليم الإنسان أمام قدرة الإله أو كقول الشاعر «للموت فينا سهام وهي صائبة من فاته اليوم سهم لم يفته غدا».
٭ باحث تونسي
يوسف رحايمي