في حوار بين بروفيسورين تم طرح امكانية أن جامعتهما تفضل أن تدفع لسلطات التعليم العالي غرامة تبلغ الملايين بسبب العلاقة بين عدد المحاضرين (القليل جدا) وبين عدد الطلاب: الغرامة أقل من تكلفة الاستجابة للاجراء المطلوب. هذا أمر محتمل. في جميع الاحوال الصفوف مكتظة وعدد المعلمين من الخارج ـ كبير. الجميع يعرفون ذلك ويصمتون.
إن الغرامات التي تدفعها المصانع بسبب تلويث البيئة أقل من النفقات التي تتطلبها الاستجابة لقانون البيئة، لكن الانهار تموت وهي لا تصرخ والاسماك صامتة دائما. شواطيء البحر تزداد اتساعا. في المقابل، في استطاعة الطلاب والمحاضرين أن يصرخوا. البروفيسورات معنيون بتدريس فصول صغيرة وتعليم 50 طالبا وليس 150. لماذا يصمتون؟ لماذا يصمت الطلاب؟
لماذا يصمت الناس عن اطالة الطوابير في صندوق المرضى؟ لماذا يستلقي المرضى في الرواق والجميع يصمتون؟ لماذا لا يحتج مؤيدو حزب العمل على قادتهم؟ لماذا لا توجد حركة سلام على الأقل بعد الحروب «التي تكلفنا الدماء»؟ كيف يكثر بعد كل حرب مؤيدو الحرب التالية ويزداد التوجه نحو اليمين كلما زاد قمع الجيش الإسرائيلي؟.
في السؤال الاخير يوجد جواب جزئي على هذه الاسئلة. الخروف يعرف الذهاب في أعقاب الراعي. واحيانا يرتفع إلى مستوى كلب الرعي. السلبية الإسرائيلية تختفي فقط عند امكانية القيام بالفتك. أعطوا القطيع عدو ضعيف فيتحول الخروف إلى كلب يعض. فكروا بالطابور في صندوق المرضى. من يتحمل المسؤولية؟ الموظف الذي خرج إلى الحمام، الطبيبة التي أطالت عملية فحص المريض الذي قبلك. عندها يتم تحويل التفاصيل إلى حركة احتجاج، مع «نذل» ضعيف على مرأى العين، وخوف من القوة الحقيقية وتأييدها.
كانت هناك لحظة استثنائية ـ حرب لبنان الاولى. عمل اليسار الراديكالي، ورفض الخدمة اتسع، وعندها أمسك حزب العمل براية الاحتجاج ومن اجل ذلك تحول رابين من مستشار لشارون لشؤون حصار بيروت إلى زعيم حمائمي، ومن اجل ذلك تحولت حركة «سلام الآن» من مشاركة في الحرب إلى «مطالبة بلجنة تحقيق». هذا الأمر نجح وانقسم الشعب وانتصر للحظة. الثمن: نقل القوة من الشارع إلى الجزء الاكثر يسارية في الخارطة السياسية. في المقابل حصلنا في 1985 على بداية تفكيك دولة الرفاه. في احتجاج 2011 انتهى الأمر بصورة اسوأ حيث انضوى المتمردون تحت لواء يئير لبيد.
تاريخ: جميع الدول الديمقراطية نشأت من داخل مجتمعات مدنية سبقتها واستمرت في البقاء بالتوازي مع المجتمع السياسي. فقط دولة إسرائيل ولدت على يد مجتمع سياسي وبقيت بدون مجتمع مدني. تجميد الشعب اليهودي للجهد الصهيوني تطلب كثرة الاحزاب التي انقضت جميعها، بتمويل من الهستدروت الصهيونية، من اجل احضار اليهود. الطلائعيون كانوا دائما يرتبطون بالمجتمع السياسي الذي يستوطن ويوزع. كل موجة من موجات الهجرة ترتبط أكثر فأكثر بالمجتمع السياسي.
حينما تتقلص أو تزداد غنى وتزداد قوة، يبقى المواطنون بدون أي منظمات بينية سياسية لتتوسط وتدافع (حركات شبابية مثلا) باستثناء كلاب القطيع: في جهاز التعليم، الجيش ومحطات التلفاز. خراف وكلاب. القليل من الرعاة الذين يستمدون قوتهم واموالهم من الحروب. نباح «نخب قديمة» تُسمعه كلاب الرعاة التي تنضم إلى القطيع وهو يتجه يمينا، مع الانهيار النهائي لليسار. الأسياد لن يتغيروا، فلنلعقهم.
من يعلق الآمال على احتجاج الغاز يفترض أن النشطاء سيبقون في الشوارع دون تنظيم ودون قيادة. من الموصى به حرق مجسمات الطغمة المالية. من الافضل حرق الفلسطينيين..
هآرتس 10/11/2015
اسحق ليئور