وقتها، لم يكن الأديب والفيلسوف العربي أبو حيان التوحيدي قد نال حظه من التقدير، الذي لم يعش حتى يراه، ولذلك قرر في لحظة يأس من انصلاح أحواله، أن يحرق كتبه كلها، قائلاً في لحظة نقد ذاتي موجعة: «إني جمعت أكثرها للناس ولطلب المثالة منهم، ولعقد الرياسة بينهم، ولِمَدِّ الجاه عندهم، فحُرِمتُ ذلك كله… ولقد اضطررت بينهم بعد العشرة والمعرفة في أوقات كثيرة، إلى أكل الخُضَر في الصحراء، وإلى التكفف الفاضح عند الخاصة والعامة، وإلى بيع الدين والمروءة، وإلى تعاطي الرياء بالسمعة والنفاق، وإلى ما لا يحسن الحر أن يرسمه بالقلم، ويطرح في قلب صاحبه الألم».
لحسن الحظ، لم يكن كتابه الجميل «الإمتاع والمؤانسة» بين ما احترق من كتبه، كان قد استخدم في كتابته أسلوباً روائياً فريداً، حيث ابتدع شخصيتين، الأولى لصديق اسمه أبو الوفاء المهندس، كان بدوره صديقاً للوزير أبي عبد الله العارض، وقام المهندس بتعريف التوحيدي على الوزير، فسامره سبعاً وثلاثين ليلة، مجيباً في كل ليلة على أسئلة الوزير في مواضيع شتّى، وحين طلب أبو الوفاء منه أن يقص عليه ما دار بينه وبين الوزير، تمنّع التوحيدي، فذكّره المهندس بأنه صاحب الفضل في تعرفه بالوزير مع أنه «ليس أهلا لمصاحبة الوزراء لقبح هيئته وسوء عادته وقلة مرانته وحقارة لبسته، وهدده إن هو لم يفعل أن يغض عنه، ويستوحش منه، ويوقع به عقوبته، وينزل الأذى به»، فقرر أبو حيان تلبية طلب صديقه بكتابة كتابه الذي يروي تفاصيل إمتاعه ومؤانسته للوزير، ومع أن أحمد أمين وأحمد زكي، حاولا تتبع جذور شخصيتي المهندس والوزير، وأثبتا استنادها إلى شخصيات تاريخية، إلا أن براعة اللعبة الأدبية التي ابتدعها التوحيدي، تقلل من أهمية كون ما جرى حقيقياً بالفعل، وتجعل القارئ يحل محل المهندس والوزير معاً في حظوته بإمتاع أبي حيان ومؤانسته، فيتسامح مع ما يرويه من مبالغات وشطحات.
ليس في الكتاب، بأجزائه الثلاثة، فصل شحيح الإمتاع أو ليلة قليلة المؤانسة، بما فيه الجزء الثالث الذي كان أبو حيان متشككاً في قيمته، حيث أنهاه قائلاً: «والله ألقيت فيه كل ما في نفسي من جد وهزل وغث وسمين وشاحب ونضير، وفكاهة وأدب، واحتجاج واعتذار». لكن أمتع ما فيه عندي، تلك الليالي التي خصصها للحديث عن أصناف الحيوان، والتي استفاد فيها من سلفه الجاحظ وكتابه «الحيوان»، الذي أورد في مقدمة كتابه أنه سبق له تدارسه مع الوزير، وهي ليالٍ تشعر حين تقرأها، أنك تشاهد حلقات من برنامج (عالم الحيوان) أنتجت وعُرضت قبل ألف عام، لتستمتع بتصورات أهل ذلك الزمان البعيد عن الحيوانات، بغض النظر عما ثبت الآن من مدى دقتها أو خطئها.
من حكايات أبي حيان نعرف أن جميع أجناس الحيوان إناثها أقل جرأة وأجزع، ما عدا الذئبة التي هي أصعب خُلُقاً وأجرأ من الذكور، وأن الدولفين «محب لخرئه يأكله»، وأن الكروان حين يُستثار، تقف أنثاه قبالة الذكر، وحين تهب الريح من ناحية الذكر مقبلة ناحيتها تحمل من ساعتها من دون اتصال مباشر، والشاة إن مُطِرت بعد الجماع انتقض حَملها، والغنم إذا جومعت والريح جنوب تضع أولادها إناثاً، وإذا هاجت المسنّة منها أولاً فالسنة ذات خِصب، وإن هاجت الفتيّة أولاً فالسنة رديئة على الغنم. وعصفور الشوك يقاتل الحمار، لأن الحمار حين يمر بعشه ينهق فيقع بيضه ويفسد العش، ولذلك يطير العصفور حول الحمار وينقره ليبعد عن عشه، وحين يمرض الأيل يشفيه أكل حية، أما الضبع والأسد فيشفيهما أكل الكلب، والفهد حين يأكل عشبة تسمى خانقة الفهود لا ينجيه منها إلا أكل زبل الإنسان، الذي هو مهم أيضاً للهدهد الذي لا يصنع عشه إلا منه، ولذلك تكون رائحته كريهة.
نعرف من التوحيدي أنه ليس في قلوب جميع الحيوان عظمٌ إلا الخيل وفي جنس من البقر، وكل حيوان له قلب كبير يكون جزوعاً، ومن ربط على بدنه سنّاً من أسنان الذئب ولبسه لم يخف الذئاب، ومن أراد ألا يتأذى بالبراغيث حفر في وسط البيت حفرة، ويملأها دم تيس لتجتمع فيها البراغيث، وإذا قارب الزرع أن يُسنبل، دخل الثعلب فيه وتمسك فرحاً به فيفسده، ولذلك يسمى احتراق الشعر داء الثعلب، والحية إن رأت إنسانا عُريانا استحت منه ولم تقربه، وإن رأته كاسياً حملت عليه بجرأة شديدة، ومن أخذ لسان ضبع ومر به بين الكلاب لم تنبح عليه، ومن تمسّح بشحم كلية الأسد ومشى بين السباع لم يخفها ولم تقربه، وإن أخذ إنسان جرذاً فربطه في بيته فرّت منه الجرذان كلها، والضبع مخالفة لجميع أجناس الحيوان، وذلك أنها تصير مرة ضبعاً ذكراً ومرة أنثى، تُلقّح أحياناً كالذكر، وتقبل اللقاح أحياناً كالأنثى، أما الإناث من بنات عِرسٍ فهي تُلقّح من أفواهها وتلد من آذانها.
يحكي التوحيدي عن أنثى من جنس الطير رآها بعد أن مات زوجها فامتنعت عن الطعام والنوم ليالي كثيرة صارت فيها كالنائحة على زوجها، وعن ماعز بأرض اليونان إذا أصابت قرونها شيئا من فروع شجرة لم ينبت ورقها ولا ثمرها، بل جف وسقط بما عليه، وعن ثيران يونانية لها أربع قرون لا ترضى بمجامعة البقر، بل تجامع إناث الخيل، ليتولد بينهما خيول عجيبة المنظر، وعن تمنُّع السلاحف من ذكورها، حتى يأتيها بعود يحمله في فمه، ويدنو منها، فإذا رأت ذلك العود سكنت له، وعن السلاحف التي تخرج في وقت معلوم من البحر إلى الرمل فتبيض فيه، فإذا بلغ الأوان وخرج أولادها، ما كان ناظراً منهم إلى ناحية البحر كان بحرياً، وما كان وجهه إلى ناحية البرّ كان بريّا، أما اللبؤة فتلد شِبلها ميتاً، فلا تزال تحرسه حتى يأتي أبوه الأسد في اليوم الثالث فينفخ في منخره فيبعثه.
ويعتقد التوحيدي أن الحمار الوحشي ناتج عن تزاوج الفرس والفيل، وأنه لم يُعاين من جنسه أنثى قط، وأن الفيل ليس له شهوة المضاجعة، فإذا أراد الولد ذهب إلى الحدائق هو وإناثه فهيج له اللقاح قوة حرارته وشهوته فتسافد مع إناثه، أما الأفعى فهي إذا جامعها ذكرها الأفعوان تحولت إليه، فإن ظفرت به أكلت رأسه من شدة عشقها له، والتمساح يجامع ستين مرة في حركة واحدة ومحل واحد. لكن أغرب ما يحكيه التوحيدي عن عالم حيوانه قوله إن «الفهد ربما نكح الدبّ، فيتولد بينهما سبع مختلف المنظر، لا يتناول الناس ويصيد الكلاب ويأكلها ويستَخفي في البحر»، ومع أن الكتاب حافلٌ بأسئلة يوجهها الوزير لأبي حيان، لكنه لم يسأله كيف يمكن للفهد عملياً أن ينكح الدب، إما لأنه شهد الواقعة من قبل، أو لأنه انشغل عن السؤال بالاستغراق في الضحك، حين تخيل المشهد الذي ربما رأيناه يوماً على شاشة «أنيمال بلانيت»، التي لا تقل هي ومثيلاتها عن أبي حيان التوحيدي في الإمتاع والمؤانسة.
….
ـ «الإمتاع والمؤانسة» ـ أبو حيان التوحيدي ـ طبعات متعددة من أفضلها الطبعة التي صححها وشرح مفــرداتها أحمد أمين وأحمد الزين.
٭ كاتب مصري
بلال فضل