ديرة ـ دبي ـ «القدس العربي»: اقتربنا من مطار دبي الدولي وبانت معالم المدينة بوضوح، مشكلة مسارات متناسقة، اتسعت طرقاتها، وتباعدت أبنيتها وجدرانها الزجاجية المصقولة، مع انعكاس أشعة الشمس وهي تومض بدلال، بينما كانت أبراجها الشاهقة رابضة مثل آلهة مهيبة عملاقة.
بدت المدينة ونحن نرمق من أعلى شوارعها ونخترق سكونها مع نسمات الصباح الأولى مثل قطعة إلكترونية دقيقة المسارات والأجزاء، صقلت بعناية.
كانت على وشك الاستيقاظ بغنج، وهي تتمختر بدلال في الحد الفاصل بين البحر والصحراء، لتبدع صورة آية في الجمال، والحسن، والبهاء، والنقاء، امتزجت ببديع صنع الخالق، مع لمسة إنسان مثابر، وهبها من روحه التي نحتتها البيداء المحيطة به، قيم رفيعة، وسقاها من عرق جبينه ليستريح ظهراً فيها.
كانت بعض الجمل التي اقتبست كلماتها من رواية (فريج المرر) لصديقي وزميلي السوداني حامد الناظر الذي أبدع في رسم لوحة فنية عن المدينة، دليلي وخريطة الوصول إلى الحي المنشود (ديرة) في رحلة البحث عن عمق البلد، لاستلهام بعض من أسراره والتنقيب عن جذوره المتشبثة بترابه.
سائق سيارة الأجرة الذي أقلني من مخرج المطار انبسطت أسارير وجهه حينما علم بوجهتي، أولاً لأنها آخر رحلة له في مشوار دوامه الموشك على الانتهاء.
وثانياً لأنه يعشق المكان مثلما أخبرني، ليربط بسعادة غمرته، الحزام وينطلق مدندناً بلحن شجي.
كانت المنطقة التي نقصدها وجهته الأولى، حينما قدم إلى دبي قبل ثلاثة عقود كاملة، وعايش معها قصة صعودها، ومراحل نهضتها العمرانية، وتوسعها أفقياً، وارتفاعها عمودياً، ومعانقة مبانيها الضخمة السماء.
لا يزال حتى الآن يحن إلى تلك الشوارع التي تثير مخيلته وتذكره بأحياء مدينة إسلام آباد حيث ترعرع ونشأ، بحميميتها، وبقرب أهلها من بعضهم، وزهد مبانيها. رائحة البهارات والفواكه التي تشدو بأريجها في كل الزوايا والجهات، تسكنه حتى الآن ذاكرته، لشبه أسواقها العامرة التي تسكنها أشباح مواطنيها الأوائل، وهي لا زالت حتى الآن تجول في أزقتها، وتروي لكل وافد قصصهم وكفاحهم، في رحلات الصيد حتى يعودوا بما جادت لهم البحار من ثمراتها يبيعونها في محلاتهم العامرة.
خور ساحر مثل برزخ
وصلت ديرة الواقعة في الجانب الشمالي لدبي، مررنا أولاً بالخور الذي يفصل المدينة مناصفة، مثل برزخ إلى قسمين، وعالمين، على جانبه البر، ومن الناحية الثانية الديرة.
تتنافس الواجهتان فيما بينهما، إحداهما بوجهها الحداثي، وطابعها العصري، والسرعة التي تعتبر عنوان كل شيء يسير في محيطها. على الضفة المقابلة ديرة العتيقة والقديمة، التي تحافظ على سماتها العريقة، الصامدة أمام وجه التحولات، الرافضة لأي تغيير يفقدها رونقها، ومن هذا الإرث تستمد سماتها التي تبهر بها كل من يزورها، ليكون عنوانها العراقة والأصالة.
مركز تجاري نابض بالحياة
استقبلنا مرفأ الخور بجانب مبنى بنك دبي الوطني، حيث يعكس الرصيف المبهر ماضي المدينة، بقوارب «الداو» التي ترسو بجانب بعضها البعض. تقتنص لحظات راحة، من رحلات سفر طويلة جالبة معها البهارات، والأقمشة والحرير الذي تلبسه النسوة، من الدول المجاورة.
لا تعتبر الداو مجرد سفينة، فقد كان البحارة الذين يجوبون الخليج العربي والمحيط الهندي بشجاعة يسكنون هذه القوارب الخشبية الجميلة.
إلى وقت قريب، وحتى مطلع القرن العشرين كانت ديرة المركز التجاري النابض بالحركة لمدينة دبي، ومحل اهتمام أهل البلد، وسوقها هو الأكبر في منطقة الساحل، ويضم أكثر من ثلاثمئة وخمسين محلاً تجارياً، تعج بالبضائع من جميع دول العالم. ولكن الآن أصبحت «لؤلؤة الشرق» مثلما تسمى دبي، بأكملها مركزاً تجارياً هاماً، ويفد إليها كل حالم، أو واهم، أو باحث عن تحقيق مراده، وراغب بالصعود في سلم الأعمال، وتبوؤ مكانة رفيعة في مجتمعه.
ودّعت سائق السيارة المرح والبشوش، ليعرج مباشرة إلى مقهى قديم هناك، للقاء رفقته، والاستمتاع بطعم ومذاق بنها المعتق الذي لا يضاهيه أي طعم في أي مكان.
مقاهٍ من أصقاع الدنيا
اشتهرت ديرة منذ القدم، بمقاهيها وأصنافها المختلفة وتفنن الجميع في استقطاب زبائن بالنكهات المضافة للبن ليغدو طعمه مميزاً.
لكل مقهى في المنطقة خصوصيته وميزته التي تجعله متفرداً، ويتحول لمزار زبائن كثر من شتى الجنسيات، يختلطون بأهل البلد في كراسٍ ومجالس مبثوثة في كل مكان. من الحبشية، إلى اليمنية، فالسودانية، مروراً بالمصرية، فالمغاربية، ثم التركية، والعربية تتزاحم المقاهي في كل ركن وزاوية من ديرة لتمنح الزائر الطعم المناسب لمزاجه، وتتلون بحسب نفسيته لحظتها.
للقهوة هنا رمزية لا تجدها في مكان آخر، فهي تحمل عناوين عدة وترسم أوجهاً مختلفة، تتجمع كلها في لوحة بفسيفساء المكان الوافدة منه.
يتقمص المشهد النهائي لتلك القطع المتناثرة روح المكان، ويصبغه عليه، ويسكن فؤاد الوافد إليها، وهو ما يجعل ديرة تخطف روح كل من يزورها، بوصف أحد المقيمين فيها منذ أربعين سنة.
لم يفارق الرجل المكان منذ حل به قبل نحو نصف قرن، سوى لأشهر معدودة يسرقها في مناسبات متفرقة، يسافر للعمل، أو الراحة لأيام، ويعود والشوق يهزه نحو الخليج الذي عشق.
كورنيش ممتد
كورنيش ديرة الممتد من أمام مرسى اليخوت عند جسر آل مكتوم، وحتى منطقة الراس، تنتشر على رصيفه قوارب «البوم» التقليدية، التي لا تزال حتى الآن وسيلة العبور المفضلة بين جزءي المدينة.
بالرغم من وجود أنفاق تم حفرها وجسور مدت، لكن إثارة ركوبها لا تضاهيها أي متعة، وتسمى «عبرات» وتكلفة استخدامها بخسة وفي متناول يد الجميع.
الاسم في حد ذاته له رمزية، يؤكد أبو خالد، وهو سوداني يحمل أيضاً الجنسية البريطانية، وعاش زمناً هنا. أشار إلى أنه مشتق من العبرة، أي الدمعة وهي صفة لصيقة بعين الإنسان، وكأنه يريد القول إنها تشكل عين دبي التي لا تستغني عنها، للتطلع قدماً نحو مستقبلها وهي تصون حاضرها وتغذيه بإرثها التليد.
عند الوصول إلى مدخل الحي، تبهر الزائر إطلالة المباني التي التحمت مع بعضها، راسمة خطوطاً متعرجة، لتحوِّل تلك الأزقة إلى متاهات، من الصعب تذكر تفاصيلها من الوهلة الأولى. قد يكون ذلك لدواعٍ دفاعية وكذلك لمواجهة الظروف المناخية الصعبة، بكسر سرعة الرياح الموسمية، والتخفيف من سطوة أشعة الشمس الحارقة في فترات القيظ.
حصون وقلاع
الباحث في الأنساب والتاريخ المحلي عبد الله بن محمد المهيري، أشار إلى أن بلدة ديرة يحتضنها سور، ويحميها حصن وأبراج دفاعية تم بناؤها في الفترة التي شهدت استقرار قبيلة السودان الياسية، بزعامة الشيخ سالمين بن ناصر السويدي، في الربع الأول من القرن التاسع عشر الميلادي. ويعتقد أن تحصينات ديرة شُيّدت في العام الذي تلى استقرار قبيلة السودان في منطقة أبو هيل التابعة لديرة عام 1820م.
رفعت قبيلة بني ياس برواية الباحث، الأسوار، والحصون، والأبراج منذ قرون عدة، وهناك العديد من الشواهد والآثار الدالة على اهتمام أمرائها من آل نهيان بتحصين حدود إمارتهم الشرقية والغربية والجنوبية، وكذلك الواجهة البحرية. وأضاف إلى ذلك أنهم قاموا ببناء العديد من الحصون والأبراج والقلاع والأسوار التي تضمن لهم حفظ أمن حدود بلادهم وأمان أفراد قبيلتهم.
مناطق مترابطة ومتناسقة تغمر المدينة بالطمأنينة
تقسيم المناطق مر بعدة مراحل تاريخية ففي عام 1935، برزت الأحياء التي تضمها النواة في ديرة، مثل منطقة نايف الجنوب، وسوق السبخة، وسوق الخيل. حميد الغيث مدير إدارة التعويضات في بلدية دبي يقول، إن ما يميز هذه الاسماء أنها قديمة ولها جذورها التاريخية في الماضي العريق، وقد برز جمالها في الحاضر. ومنطقة نايف التي تضم سوقا يحمل اسمها عامر على مدار شهور السنة، معناها الطويل والعالي، ويقال أنه في الماضي كان يوجد شخص يحرس المنطقة يسمى نايف.
مرافقي حامد في رحلة استكشاف ديرة التي تضم أحد أعرق الأحياء واسمه المرر الذي يحمل عنوان روايته، واقتبس منه مسرح أحداثها، يؤكد أنه كان في الماضي أحد أحياء قبيلة المُرر العريقة في الإمارة الخليجية. ويستطرد أنه تحول لاحقا مع توافد الباحثين عن لقمة العيش من كل مكان في العالم إلى سوق ضخمة تعج بالمقاهي والمطاعم الإفريقية. يقول صديقي أن الناسُ في العادة يعطون الأماكن سَمْتَها، لكنّ فريج المُرر حالة فريدة، هو الذي يصبغ على ناسه شيئاً مثل الهوية الخاصة، ثم لا تنفصلُ عنهم، وهذا اقتباس للمواطن حمد المرّي أحد أبطال الرواية، ومنه يبدأ سيل الحكايات، ثم لا ينتهي بـ «أستير» أو «إيلسا» أو غيرهما، فجميعهم وإن أسهبوا في حكايات ماضيهم فإنهم يدركون بلا وعي أن الزمن قد توقف في لحظةٍ ما، طويلةٍ ولا متناهية، وأن المكان وبالتواطؤ مع أبديتها الممتدة حيّد الزمن تماماً، وجعل من الماضي، ومن المستقبل أشباحاً لا تغري بالتأمل. يقول بتأثر وهو يسترجع تلك القصص التي سمعها، أن هناك قوة خفية غامضة تجذب العشرات كل يوم إلى تلك المقاهي.
يعج سوق فريج المُرر بهذه الأماكن الخالدة، كما يلقي النهر بالخشاش على الشط كل يوم، إما هرباً من واقع بلدانهم للبحث عن لقمة العيش، أو قسوة ظروف العمل لدى كُفلائهم، فيتلقفهم السوق ثم يصنع منهم عالمه الخاص.
جامعة في قلب حي عريق
يقول حامد إن هذا السوق (المرر) في قلب ديرة، هو الجامعة التي يتخرج فيها الجميع، وكل ما قبلها هو مجرد مقدمات. منذ اليوم الأول تستغرق الزائر وجوه رواده من سحنات مختلفة ومن طبقات اجتماعية عدة، ومن أجناس متعددة، قدموا من أصقاع الدنيا لينصهروا في المكان ويرووا عطشه لاستقبال المزيد من الناس ليحتويهم جميعها بما وسعه من عطف وبما يختزنه من إرث يسع الجميع. ويستشف مرافقي وهو يستغرق في استعادة ما حولنا من تفاصيل المشهد وعمق المكان ومن خلال الحكايات التي سمعها من أفواه عدة، وما نقلته عينه، معاني عدة، كما لو أن الجميع هربوا من ماضيهم إلى ذلك السوق، ثم بدا في نظره مثل بقعة تسبح خارج الزمن، تضع شروطاً مسبقة قاسية للانتماء إليها، بل وتنتقم بصورة غامضة من كل من يجتر حكايات ماضيه، كما لو أرادت ألا يبقى الزمن شيئاً متصلاً.
الحكايات المتداخلة لرواد ديرة، تصنع مقاربة جديدة في تفسير ظروف الفقر والمرض والحروب، وما يقابلها من رفاه ورقي وغنى للبعض، وهما عالمان يعيش من ينتمي لهما في دعة وسلام وكل راض بنصيبه، يستند إلى الحنين إلى الماضي، وجذور حضارات ضاربة في القدم، وتقترب بشكل إنساني عميق من حياة الجميع في الأسواق التي تعج بها المنطقة.
معالم أثرية
ديرة لا تقتصر مبانيها على أسواقها العامرة بما ضجت من سلع عدة أصلية ومقلدة يهب إليها الجميع وتلبي حاجاتهم، فعلى جنباتها لا زالت شواهد عدة لمبانٍ تراثية عريقة ترمز إلى أصالة المنطقة وطابعها العمراني الفريد. ومع تتبع الرائحة التي سيلتقطها أنف الزائر بعد جولته في سوق الذهب ليكتشف أزقة صغيرة مليئة بأكياس مليئة بالبهارات الطازجة التي تم إحضارها من جميع أرجاء المنطقة.
واجهتني وأنا أغادر تلك الأماكن القصية في أجزاء ديرة بما تنضح به من قصص أصحابها وأهلها بمن علق فيها، مبانٍ كثيرة خصوصاً المدرسة الأحمدية العريقة، التي تأسست في عام 1912 وهي أول مدرسة في دبي، وقد تم ترميمها وإعادة فتحها كمتحف في عام 1995، ويعرض متحفها الآن أمثلة من حياة المدرسة قبل أن تتحول دبي نتيجة اكتشاف النفط فيها. عمر هذا المبنى أكثر من 100 عام وهو بالتأكيد من المباني التاريخية في المدينة.
وإلى جانب مدرسة الأحمدية، يظهر بوضوح بيت التراث، ذو التصميم الداخلي الذي يعود إلى 1890 وتأخذ شاشات اللمس والمرشدين الزوار في جولة في هذا المتحف ذي الغرفتين الصغيرتين. وهذا المكان هو أحد المنازل الأصلية القليلة التي نجت من عملية بناء دبي الحديثة، وتُعتبر من أفضل الأمثلة التي تُظهر البيت الإماراتي التقليدي.
أما متحف نايف الذي تم تشييده في عام 1939 كحصن لحماية منطقة الأعمال التجارية في ديرة، بعد ذلك أصبح المقر الرئيسي لشرطة دبي، ثم تحول إلى مكاتب حكومية، ويعرض حاليا أسلحة قديمة، وبزّات نظامية وصور توثق تاريخ شرطة دبي.
عدت وأنا أنهي برفقة مرافقي حامد أدراجنا إلى فريج المرر في قلب ديرة ليدعوني إلى ارتشاف قهوة معتقة في أحد المقاهي المفضلة لديه ليسرد علي قصصاً عدة وحكايات لن يستوعبها هذا النص ويستعيد ذكرياته في المدينة التي عاش فيها سنوات ولا يزال يحن إليها وعلق فؤاده في جنباتها. ليختم حديثه بالتأكيد على أن ديرة دبي كأنما أوجدها الله مركز جذب بديع يحج إليه الناس من كل حدب وصوب، أما أهلها فبالرغم من بداوتهم الناعمة فيبدو أنهم اعتادوا على هذه القيامة الدائمة التي تحيط بهم.
سليمان حاج إبراهيم