حَربُ الذِكريات

حجم الخط
2

■ كنت أتجول في موقعي التواصلي حين لفتَ انتباهي قولٌ لأحد الأصدقاء الافتراضيين الذي ودِدتُ أن أنقلهُ كما هو بعدَ إذنٍ من صاحب هذه السطور، التي يَقولُ فيهَا: «وأنا أمر بجانب سُور المعهد الذي درستُ فيه… اجتاحني جيشٌ من الذكريات من الميمنة والميسرة ومن الأمام والخلف… وقفتُ قليلاً أطل على سَاحة الملعب… وقاعة الرياضة… ورفعتُ بَصري إلى المشهد الأعلى، حيث المبيت تزاحمت الذكريات وكِدتُ أن أصيحَ منادياً على أصدقائي وخلاني ورفاق المناضد».
سُطور اجتاحت مُخيلتي وحفّزت على فعل الكتابة، ومن فعل الاجتياح أينَعت فكرة هذا المقَال. وقد يَتساءلُ البعض عن سر علاقة هذه السطور بعنوان المقَال، فنقولُ لهم: السر يَكمنُ في التصور الاستعاري الذي بناهُ المتكلم للذكريات، حيث تحولت في ثنايا توصيفه إلى جَيش فيه مَيمنةٌ ومَيسرةٌ وله أمَام وخَلفٌ، وصَورها صديقُنا أحَسَن تَصوير وهي تَتزاحمُ في مخيلته ولا تَتركُ له مجالاً إلا أن يَصيحَ مُنادياً الأصدقاء والخلان… «خليلي، ما ألقى من الوجدِ باطنٌ، ودمعي بما أخفي الغداة َ شهيدُ». إن جاز لنا أن نَستعيرَ هذا البيت من جميل بثينة. أن تَتقمصَ الذكرياتُ فعل الاجتياح هذا مَا يَهُمنا في المقَال، الذي نحاولُ من خِلاله الوقُوف عند تصور استعاري كثيرا ما يقعُ بناؤهُ في خطابات عدة، لاسيمَا الشعرية منها والروائية، فنعثرُ على هذَا الضرب من الأنسَاق الاستعارية من قبيل «اجتاحتني ذكرياتُ الحب»، «الذكرياتُ تجتاحني في الليل»، «الذكرياتُ الجياشة تغزُو كياني»، «سيلُ الذكريات الجارف يزحفُ»، إلخ. إننا أمَام نَسق استعاري يُبَينُ الذكريات وكأنها حربٌ تجتاح فتغير فتبيد فتخلق دماراً. وأن يَصُوغَ المتكلم الذكريات وكَأنها حَربٌ تجتاحُ كِيانَ الإنسان لَيسَ مُصادفةً وإنما هو سُلوكٌ عِرفَاني ينعكسُ في اللغَة الواصفة، فالمتكلم يُحاول وهو يَبني فِعله اللغوي أن يَستنجدَ بكل ما يُحيط به في الواقع مِن أجل التعبير عن نفسه، ومَا يختلجُ في دَاخلها مِن مَشاعرَ، وفي مُحاولَته تلك يَستعين بمجالات مُعينة لفَهم مَجالات أخرى، كأن يَستعير مَجال الحربِ (المجال المصدر) وتفاصيله والأفعال الموظفة فيه مِن أجل التعبير أو فَهم مَجال الذكريات (المجال الهدف).
تَتحولُ الذكريات في لَحظاتٍ زمنية معينة إلى فعل يُغير الواقِعَ ويُزلزله فيُحدِثُ فيك أشياء جَميلةً وأخرى سيئة، فتأتي أمواجُها عاتيةً تَلطُم كل ما حولها وتكتسِحهُ وتحولهُ حطاماً، وقد تَجتاحُكَ من زاوية أخرى وبنظرة مُغايرة- وهذا ما يمهنا- فَتَشُن عَليك غَارَاتها وتَهز كِيانكَ الثابت هزاً، فتبعثر الأوراق وتحير ما كان خافتاً. كيف ذلك؟
نَجدُ الإجَابة عن هذَا السؤال ضمنَ علم الدلالة العرفاني، خاصة ضِمنَ مَبحث الاستعارة التصورية التي بها نَفهمُ تَجاربنَا ونُوصفها أحسَن تَوصيف، فالاستعارة اليوم أضحَت سبيلاً من سُبل التفكير بعدَ أن كانت مُجرد حلية تَعبيرية نُلبِسُهُا للأقوال، بهَا نَنفذُ إلى عُمق الأشياء ضِمن تجربتنا اليومية، وعلى أسَاسها يَشتغلُ الذهنُ ويطوع التجَارب.
«اجتياحُ الذكريات» أو «حرب الذكريات» تصور استعاري يُمكن أن نَفهمهُ على كون الذكريات حربا بالفعل، تجتاح وتَفرضُ تغييراً على الفرد، حيث تتحول الذكريات إلى حَرب تَغزُو كيَانَ الإنسان وتُربكُ صَمتهُ وسُكونه، وهذَا يَجِدُ لهُ في واقع الأشياء من حولنا ما يَدعمُه، باعتبار أن الإنسَان عادة تجتاحهُ الذكريات فيهمّ إلى استرجاع كَثير من الأشياء، وعَادة ما يكونُ فعل الاجتياح هَذا مُؤلما، لأنهُ يَضعُ صَاحبهُ في مَوقف الضعف لما فَاتَ ولا يَستطيع العودَة إليه، وضِمن هذا تتقاطع أنساق الذكريات مع فلسفة الحرب ومعجمها، ذلكَ الفعل المشِينُ الذي يَصطحبُ مَعه الحُزن والدَمار ويخرب كل ما هو جَميل في لحظة من اللحظات.
والطريفُ في هذَا النسق التصوري أنكَ تجدُ فيه تَناسباً كَبيراً بين مَجال المصدر (الحرب) ومَجال الهدف (الذكريات)، فالذكريات تقتحم عوالم الإنسانَ حين يكونُ في عُزلة ووحدة ولا سَند لهُ، فَتحاصره وتَفعلُ فيه فعلها وتُغير، وهذا يُماثل ما يحدثُ في الاجتياح ضمن مَجال الحروب، حين ينفردُ المجُتَاح والفَاعل بالضحية ويَدُك حصونها، ولَنا في التاريخ عبرةٌ من قبيل «اجتياح بغداد» «اجتياح لبنان»، «اجتياح فلسطين» فهذا المصطلح مُعبر في التوصيف ضمن مجَال الحرب، بحيث نَستعيره في تَوصيف الذكريات وفعلها علينا وقدرتها على زَلزلة الكيان. تجتاحُ الذكريات كِيانَ الإنسان فيحل مَكان الهُدوء صَخبٌ وضوضاء، وهكذا هي الحربُ حين تحط أوزارها وتجتاحُ الأوطاَنَ، فتوطن مَكانَ السِلمِ دماراً وتُوقظ ما كانَ خَافتاً من الفتن، فإن أيقظت الذكرياتُ الحُب والخيانة والكراهية والصُحبة، فكذلك تفعلُ الحرب فَتُصَفَى الحسَابات، وتتداول المفاوضات وتينعُ التفاصيل البسيطة، وتَكثر الفتن والضغائن، فَتلك فتنة الخيانة في مَجال الحرب، وهذه فتنة الخيانة في مجال الذكرى ولكنهما متناسبان.
وتَلتقط آذَاننا كثيراً من الاستعمالات في مَجال الخواطر والشعر مِن قبيل «تجتاحني مشاعر وذكريات جياشة»، فيستعيرُ للذكريات حين تغزُو تفكير الإنسان بعبارات مِن مجال الحرب مِن مثل التَجييش نسبة للجَيش بعَتاده وعدته وتعداده الكبير، ولفظة جَياشة هذه صيغة مُبالغة دليلٌ على المبالغة في تَصوير الذكريات وفعلها على الإنسان حين تحل به، فتراهَا وقد نَزلت مُثقلة بكامل التفاصيل. وقد لا يكفي صَاحب القلم الفياض في مجال الذكرى والخاطرة التعبير عن حِسه ببضع كلمات، فتراه يشحذُ له استعارات أكثر، حيثُ تتحول الذكرى إلى غارة من تفاصيل الماضي تَستهدف نسيان الكاتب، وتَشن عليه فعلها وتغيرُ وتفعلُ، وتسلبه الطمأنينة والراحة كما تسلب الحرب الأوطان. وليس هذا الضرب من التصورات الاستعارية إلا طريقاً من طُرق فَهم الواقع وتوصيفه، فالكاتبُ في مجال الرواية أو الخاطرة يُطوع مجالَ الحرب وأبجدياته في التعبير عن تجربته وتوصيف فعل الذكريات وعسعستها حين تحط الرحال بثقلها على عواطف المتكلم.
وفي سياق آخر يتحول الاجتياحُ إلى نوع من السَيل الجارف الذي يأخذُ معه الحلو والمر، ويستدعي من الماضي ترسانةً من الأحداث يملأ بها حياة الحاضر ولو افتراضاً، وتبقَى الذكرياتُ في كل هذا تمارس الفعل وتجتاح وتغيرُ. وحين يستعملُ المتكلم فعل الاجتياح تعبيراً عن زَخم الذكريات يبني نسقاً تصوريا عادة ما يرتبط بشحنة سلبية في علاقته بمجال الحرب، إننا نستأنس بصور ذهنية من أجل فهم صُور أخرى فهو ضَربٌ من الإسقاط في المجالات على حد اعتبار العرفانيين.
وتسترق أعيننا النظر في كثير من الكتابات والأشعار تُوظف فيها الذكريات كأمواج بحر حين تهم على شيء ما، فتكسر وتحطم وتتركُ وراءها دماراً، وإذا ما أردنا الوقوف عنده من خلال التناسب الحاصل بين المجالين، حيث نرى أن الشاعر أو الكاتب يبني نسقاً تصوريا يوظف فيه مجالاً لفهم مجال آخر، فمجال الأمواج والبحر والسيل الذي يفعلُ فعله حين يجتاحُ السفن أو يمتد فعله للبناءات والمعمار فيُحدث فيها خراباً، يستنجدُ به الشاعر في فهم تجربته الشخصية حين تجتاحه الذكريات، فتحول حاله وتهز سكونه، وتُحدِث فيه ثورة بعد أن كانَ مطمئناً. كيف للذكريات أن تجتاحَ؟ هذا ليس مجرد سُؤال نطرحهُ ونمضي، وإنما أردنَا به استفزاز القارئ الذي يبني أحياناً أنساقاً استعارية قد لا يكونُ واعيا بها، وقد لا يستطيعُ القبض عليها وفهمها، وإنما هو يبنيها من أجل مصلحته في التواصل والتعبير، وإن هو اتخَذ منها مسافة وأعاد لها الاعتبار في القراءة فَهِمَ تجربته وتمكن من صُور اشتغال الذهن في مخاضات الفعل اليومي، إننا أمام شمولية الاستعارة وتغلغلها في اللغة الأدبية واليومية على رأي أمبرتو إيكو.
٭ باحث تونسي

 

حَربُ الذِكريات

يوسف رحايمي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية