تمثل رمزية الدائرة ثروة هائلة من خلال إشهادات صورها الفنية الفلسفية والدينية. وبالإضافة إلى كونها تمثل رمز الكونية فهي أيضا في قلب الرّوح الإنسانية، بمثابة نقطة لهذا الكمال الذي ينشده كلّ إنسان. إنها الوسيلة التي من خلالها يتم تجاوز إطار الفضاء الزماني، الذي يحدّد الإنسان، نحو الامتداد الإلهي اللامتناهي.
وفي إطار تحليل التداعيات الرمزية للدائرة أو علاقتها بالترميز لكينونة الإنسان، يرى علماء السيميوطيقا أن الدائرة المكتملة تمثل مجموع التمظهرات والأجسام الثلاثة، التي تشكلها: الجسم السّببي مع المركز، والجسم الشفيف مع الشّعاع، والجسم الإجمالي مع المحيط. وكذلك يمكننا أن نرى التكوين الثلاثي للإنسان: الجسد والمحيط والرّوح بمعناها النفسي والميتافيزيقي. ولقد أصرّ «يونغ» الذي عرف دائما بعزوفه عن استثمار المظاهر الدينية أو الميتافيزيقية للكائن الإنساني، بأن يرى في الدائرة رمزا لجُماع الرّوح النفسي الذي يسميه «الهُو» ووحدة الحياة.
وعلى هذا المنوال أوّل صورة «براهما» حول «دائرة اللوتس» عاطفا نظره نحو أربع نقاط أساسية: الفكر والشعور والإحساس والحدس. فالإحساس والحدس يمنحان الإنسان إمكانية تأويل الانطباعات التي تتأتى لديه من الداخل والخارج معا. وإنه بفضل هذه الوظائف أمكنه أن يفهم ويتمثل تجربته وأمكنه أيضا أن يتصرّف. وإذا ما اعتبرنا التجربة الشعرية الحقة تنبع أصلا من تضافر وظيفتي الإحساس والحدس، تبيَّن لنا عمقُ المسار الذي قطعه الوعي الشعري لتجربة أحمد الدمناتي الشعرية، من خلال ديوانه الموسوم «طفل مُكفـّن بالقصيدة» الذي يشي بتوظيف هذا الترميز القوي المتمثل في أبعاد الدائرة وتجاذباتها ضمن تقاطع الحركة بين الكينونة والكون. وقوام هذه الحدوسات هو الاستسلام لمنطق الدورة الكونية التي تصلُ خط البداية بخط النهاية. تلك الدورة التي تشي احتمالين، أحدهما موصول بانغلاق الدائرة وتلاقي الخطين، وبالتالي تكريس منطق التوقف الموصول بفكرة الموت. والثاني بتجاوز الانغلاق التام وتلافي الاحتكاك بين الخطين، ما يتيح فرصة تكرار المحاولة ومعاودة انطلاق الحركة الدائرية، فيشكل مسارا حلزونيا بحثا عن فرص ممكنة للانبعاث والولادة والتخلق.
تتكون هذه الأضمومة الشعرية من أربعة وعشرين نصا، بعضها يتقاطع مع العنوان كنصّ طفولة. وغيرها يتواشج بكيفية أو أخرى مع الألق الدلالي الذي يعكسه عبر ملفوظات من قبيل، الحنين والذكريات والوشم والذاكرة. بينما تتخطى نصوص أخرى هذه الحدود الموصولة بترحال العودة والإياب، إلى السفر في المجهول المضمر، والأفق المبهم، وتتوسل بملفوظات العبور من قبيل الممرّ والشرفة والفاكسات والمرفأ الخ. وعلى امتداد هذه اللحظات الثلاث المتراوحة بين الالتفات للخلف، والتطلع للأمام، واجترار سكون اللحظة، تتواكب المشاعر والرؤى، وتتدفق في انسياب وسلاسة، عاكسة لدينامية مفعمة بالحياة والألق والتوهج. والشاعر في ذلك يتلمّس معادله الموضوعي الطبيعي، المتمثل في رمزية الماء المحملة بالدلالة على ينبوع النفس الإنسانية. فحين تلتقي الطفولة الشعرية بالطفولة العمرية تتفجر ينابيع المياه العذبة من ذاكرة الوجدان الشعري، وتتوهج العلاقة بعنفوان الحياة:
يُنضجُ الندى عيونَ امرأة
تؤرخ لتاريخ القصيدة
في شقوق النسيان
يفضَحُ الصَّدى جُفونَ طفلة
تعلم تباريح الغواية
بمجْد العزلة
وُلد الشاعرُ منْ حزن عُزلته
وتَساءل كيْف تشاجَرُ عاشقتان
على طفولة القصيدة
وحين يلتقي الحسّ الطفولي في الرؤيا الشعرية بالطفولة العُمرية الراسخة في كينونة الوجدان الشعري، تحدث هذه الرجّة العنيفة والصدمة المدهشة:
قال ابني هل سمَانا صنابير؟
قلت: الماء أغنية شاعر يفتت العزلة بالغيم
يراوغه الندى من جهة القلب
تقوده الأحجية شريعة الغضب
فالشاعر هاهنا هو جماع الطفلين معا: طفله الذي أنجبه، مع ما يراكم من كم المساءلات، والطفل الذي كانه، مع ما يعكسه من تداعيات الكينونة في تشكلها البدئي قبل أن يقتحمها سيل التحوّلات. وجماع الأمر يعكس الكنه المجسد لمشاعر الدهشة ومواقف الاحتجاج على سوء المآل المقرون بالسكون والمحو وانزياح العنصر الشعري عن نسغ الكينونة:
الحرْبُ بحرٌ
رحْبٌ
والنسيان
ظلٌّ مُسنٌّ
يمرُّ قربَ مَقبرة الكلام
ينضجُ المحْوُ
من طفولة امرأة
تدرِّبُ الشجرَ على الرقص
تصوِّب بندقيَّة القصيدة
بقسوة
إلى جثـَّة اللغة
فالكينونة الشعرية التي تتجشم مسؤولية البوح الشعري في هذا الديوان هي إذن كينونة طفولية تخترق المنطق السائد، وديدنها في توجيه المسار الأحاسيس والحدوس الفطرية المنفلتة من سلطة القيود. والهدف من رحلة البوح هذه هو استغوار الرؤى لبلوغ فضاء المدينة الفاضلة عن طريق الشعر هذه المرّة، وليس عن طريق الحكمة، كما رسمه الفيلسوف أفلاطون، الذي شدّد في الوقت ذاته على إقصاء الشعراء منها، إلا إذا قبلوا بشرط أن يكونوا مربين لحرّاس المدينة «الأجيال الناشئة». وعليهم أن يتقيدوا في ذلك بتوجيهات العقل وأعراف الفضيلة. وتلك رؤية مثالية للفن والواقع من منظور فلسفي أخلاقي. أما إذا نظرنا في هذا الموقف الشعري الذي تشي به الأضمومة، فإننا نجده لا يخلو بدوره من شرط المثالية، ولكن من منظور حدسي داخلي يعتمل في صلب الكينونة، وينقل إفرازاتها إلى الكون الخارجي وليس العكس. ومن ثم فإذا كان أفلاطون يطلب من الشعراء أن يكونوا حراسا ساهرين على الأجيال، فإن منطق الشعر قد يقلب المعادلة ويستبدل منطق العقل بمنطق الحواس ويربطه بطفولة الكينونة، ومن ثم يتم ربط الفضيلة بهذا الجوهر، أي بالانبثاق الطبيعي لأحاسيس الطفولة، وليس كإملاء قسريّ مفروض عليها، فالحقيقة الشعرية لا تنجلي إلا من خلال مكابدة الرؤية والرؤى، وترصد من خلال لحظات كشف وتكشّف، وتيهٍ طفولي عارم بين البحار والشواطئ والموانئ:
فوق أحداق الشواطئ
تهت كطفل بريء
كقصة زورق تنكرت له
كل الموانئ
بحثت عن عناوين دمعة
تقاوم صحراء العزلة
فوجدت العيون سرابا
٭ كاتب من المغرب
عبدالسلام ناس عبد الكريم