حُمى البصرة وحلب و«الباشوات» في انطباعات الروسي بيريزين

حجم الخط
2

اهتم المستشرقون الروس في كتاباتهم العلمية والانطباعية المبكرة، أربعينيات القرن التاسع عشر، بإرث الحضارة الإسلامية ودراسة إنجازاتها المدونة في مجالات؛ فقه اللغة العربية وآدابها وتصنيف المعاجم والقُرآن الكريم وعلومه والأحاديث النبوية وكتابة التاريخ عند المسلمين، وانجذبوا إلى حياة الشعوب الإسلامية وأعرافها وغير المألوف في طبائعها، والممتع والمثير في الأدب الإسلامي وصفاء شعره الغنائي الأنيس وخياله الرومانسي.
وركزوا على دراسة لغات الشرق الإسلامي الأكثر انتشاراً؛ العربية والتركية والفارسية. الأمر الذي حث الجامعات الروسية على إرسال مدرسي تلك اللغات إلى تركيا وإيران وبلدان المشرق العربي لإتقانها والتوسع في علومها النظرية ولهجاتها المحلية، وإجراء دراسات تطبيقية في المكتشفات الجغرافية والأثرية وعلم الأجناس وحياة الشعوب، وجمع مخطوطات وعاديات وكتب نادرة ومواد مأثورة من إرث الحضارة الإسلامية وآدابها وثقافاتها المدونة، ذات الصلة بالاستشراق الروسي وتخصصه، واهتمامات الدوائر التعليمية والدبلوماسية والدينية الروسية في البلدان الإسلامية، وميول الكنيسة الأرثوذكسية التبشيرية الناعمة وتطلعاتها إلى الأرض المقدسة. في وقت تعاظمت فيه أطماع الدولة القيصرية في بلاد القفقاز وسواحل البحر الأسود وشرق المتوسط. وزاد سعيها إلى إضعاف السلطنة العثمانية، الآيلة إلى الوهن وتصدع سلطان الخلافة، والسيطرة على منافذها البحرية وولاياتها المتاخمة لجنوب البلاد والبلقان، الثّرية بمواردها وثرواتها الطبيعية والبشرية وإرثها الحضاري؛ السومري- البابلي، والفرعوني، والإغريقي- الروماني- البيزنطي، والنبطي- العربي- الإسلامي، والعثماني، وتنوع مكوناتها الدينية والعرقية وصلاتها بالعقيدة الأرثوذكسية وميراثها الروحي والعمراني، والنفاذ إلى مللها ونحلها.

أهالي خرج وسمعة البصرة المنكوبة

ويبرز من بين طلائع المستشرقين الذين بعثوا إلى إيران وبلاد الرافدين وتركيا في الفترة (1842-1845)، المؤرخ واللَغَوي إيليا بيريزين (1818-1896)، أصبح فيما بعد بروفيسوراً في جامعتي قازان وسانت- بطرسبورغ. ونعرف من تسجيلات بيريزين أنّه دخل العراق من الحدود الإيرانية وسلك الطريق المائي للوصول إلى البصرة ليتابع رحلته إلى مدينة حلب. ويخبر أنّهُ غادر بندر- بوشهر يوم السادس عشر من حزيران/يونيو عام1843، قاصداً البصرة، التي وصلها في الثامن والعشرين من يونيو، بسبب الرياح المعاكسة. وأمضى في جزيرة خرج ثمانية أيام، ويقول عن أهلها (ينتمي القسم الأكبر من سكان جزيرة خرج في أصله إلى القبائل العربية البدوية الأصيلة ولغتهم العربية الفطرية، ورغم هذا كلهم يعرفون أيضاً اللغة الفارسية). ويذكر أنّهُ أقام في ديار البصرة حتى (21- يونيو)، وفي ذاك اليوم غادر المدينة متوجها إلى بغداد على متن سفينة، ووصلها بعد أسبوع.
وتبدو البصرة في كتابات المستشرق بيريزين إحدى مدن آسيا العليلة. وليس هناك من يَنْجِدُ أهلها من الحمى البصرية. إذ لا شأن للحكومة بها؛ )البصريون من جانبهم يتكلون على الله). وواضح أن المستشرق المؤرخ بيريزين لم يتوقع أن يرى البصرة مهملة ومنكوبة إلى هذا الحد، والأوبئة تفتك بأهلها، البصرة التي قرأ الكثير عنها، وعن دورها في نمو الحضارة الإسلامية وتطورها، وإسهامات علمائها وأدبائها الفذة في فقه اللغة والنحو والأدب والتشريع والتصوف والعمران والفلك وثقافة الحوار الفكري العميق وتفاعل الأقوام والحضارات على مر العصور. والمؤلم أن نجد في كتابات المستشرق بيريزين عن البصرة، قبل نحو (180) عاماً، ما يجعلنا نحزن على حال مدينة الشعر والنخيل اليوم وما كانت عليه إبان الحكومة العثمانية (المهملة والأنانية)، وكأن تاريخ مدينة الحسن البصري والفرزدق وابن عطاء والفراهيدي وسيبويه والأصمعي والجاحظ وجماعة أخوان الصفا وخلان الوفا وأبي الهيثم والحريري وغيرهم الكثير يُعيد نفسه وبلا حرج. والبصرة في ذاكرة المؤرخ بيريزين (كانت يوماً ما إحدى أروع مدن الشرق، غير أنها تحمل في الوقت الحاضر سمعةً من نوع آخر تماماً. فهي إحدى مدن آسيا العليلة. أجل، الكل متفقون، أخوة الغربة (الرحالون) والسكان المحليون على أن ليس من العسير إغاثة المنكوبين، إذ أنَّ الحمى البصرية القاتلة مبعثها قاذورات القنوات والتدفقات التي تشق التربة في أنحاء المدينة؛ بيد أن هذا الاتفاق العام لا يساوي هنا شيئاً تماماً؛ فالحكومة التركية حصرت بيدها المبادرة في كل شيء. وتهتم فقط بما هو على صلة مباشرة بمنافعها وقريب منها، وبتكاسلها الشرقي الذي لا يطاق).
ويشير المستشرق بيريزين إلى مركز المدينة الذي يعاني من الإهمال والخراب (لحدٍ ما يوجد مركز لمدينة البصرة، وإنْ في حالة خراب، وفيه يتم جمع دخول الجمارك وغيرها من الفرائض، أما ما عداها من المهام فلا شأن للحكومة بها؛ البصريون من جانبهم يتكلون على الله. والأدهى من هذا كله أن الحكومة المهملة والأنانية، تتحدث منذ عشرات بل مئات السنين عن القنوات المضرة، تتحدث ولا تعمل أي شيء). أما سمعة البصرة فينطبق عليها ما ورد في المثل العربي، حسب المؤرخ واللغوي بيريزين (بعد خراب البصرة)، وهو ما يشبه مثلنا (ما بعد العشاء خردل).

الشائعات وخرائب الزبير والمشعوذون الأوروبيون

أما كيف واجه صيف البصرة الحامي وأشعة شمسها الحارقة، وما تعرض له المستشرق بيريزين من خطر مميت جربه على نفسه، هذا ما نجده في السطور الممتعة التالية؛ (الحقيقة أنّه رغم تحذير الشائعات الشعبية والرحالين، ورغم هلاك عدة أشخاص في يوم واحد، منهم مَن مات بالحمى (أمر غير معقول)، إلا أنّني تصرفت من دون حذر. إذ رحلت إلى خرائب قرية الزبير في الحر الشديد، ونمت الليل على السطح بلا ثوب دافئ وما إلى ذلك..، ولكنّي في تصرفي هذا قَلدتُ ما يفعله غالبية السكان المحليين؛ حتى أن للعرب مثل يقول أن (الحر- عافية، والبرد- أوسخ من القفا). هذا التصرف الحُر مر عليَّ على مدى أُسبوعين بلا عقاب، وبغتةً ذات صباح، حين اقتربت ساعة مغادرتي، شعرت بثقل رهيب في رأسي؛ وبلا مبالغة، وكانَّ فوق عينيّ عدة أرطال من الأثقال. حصل هذا يوم السفر تحديداً؛ إذ عذبني، طوال الليل، أرق غير مفهوم، وقُبيل الصباح غفوت فقط، غير أنّي تأخرت في النوم أطول من الوقت المسموح لي البقاء فيه على السطح، أشعة الشمس الحارقة ضربت طويلاً رأسي المحمي بستار شاش خفيف، وحين فقت لم أتعرف على نفسي. صاحب البيت القس الأرمني الطيب كان مرعوباً من منظر عينيّ المحمرتين المخيفتين، لام نفسه على إطعامي الفاكهة بكثرة، المتوفرة طول اليوم على المائدة. ولم يركن إلى الهدوء إلا بفضل ثقته بحرفية الأطباء الإنكليز. كان عليَّ، في تقديره، أن أقع بين أيديهم. وبدون هذا، في واقع الأمر، كان الموت الحقيقي يهددني). وعن الوسيلة التي يمكن أن تواجه بها (مدينة عربية قديمة رديئة مثل هذا العدو الشديد، الحمَّى البصرية؟)، يقول المؤرخ بيريزين: (الطب الشرقي لم يتجاوز ما بلغه إبقراط، في البصرة لا يوجد أطباء أوروبيون، ولا يكاد الذي وقع بين أيديهم مرة ما أن يعاود التعامل معهم؛ لا أقصد هنا الأطباء الحقيقيين، النادرين جداً في الشرق، العدد الكبير من أتباع مساعدي الأطباء، وغالبيتهم إيطاليون، ملأوا مدن الشرق الكبيرة. طبعاً، هذه المأساة يتحمل مسؤوليتها سكان المدينة أنفسهم، الذين يفضلون اللجوء إلى مثل هؤلاء المشعوذين، ولغرض اقتصادي يبتاعون بمرتب زهيد صحتهم التي لا تقدر بثمن) وتطرق إلى إجراءات الوزارة التركية واهتمامها في مكافحة (شهادات الأطباء الدَّعيين المزورة، غير أن التعليمات التي وضعت لهذه الحالة تكاد لا تنفذ تماماً. يضاف إلى هذا، أنَّ كل باشا أمين يريد طبيباً خاصاً به، ومن أين يمكن الإتيان بهؤلاء الأطباء، إذا كانت ما تُسمى بأكاديمية غالاتسكايا الطبية تعلم الطب بلا معارف أساسية في علم التَّشريح، وإذ لا حاجة للأطباء الجيدين ولا رغبة لهم في السفر إلى الولايات العثمانية؟).

البراري والبدو مرشدان سيئان

ويعرب المستشرق بيريزين عن سعادته تماماً، كونه امتنع عن السفر من البصرة إلى بغداد في المركب العربي، وأبحر على متن باخرة إنكليزية. ويعتقد أن المسلمين لازالوا يستخدمون وسائط النقل النهري التي كانت موجودة (في زمن هيرودوت ونبوخذ نصر) ويقول (إنَّ المواصلات بين البصرة وبغداد، تتم عبر طريقين تجاريين رئيسيين. تفضلوا عليَّ أنّ أُلاحظ، أنَّ المسلمين لم يتمكنوا إلى الآن من ابتكار ما هو أفضل من الذي كان موجوداً في زمن هيرودوت ونبوخذ نصر؛ إلى الأعلى عبر دجلة تبحر البضائع بالطوافات، ومن الأسفل إلى الأعلى تجري قوارب خشبية ثقيلة. المواصلات البرية غير موجودة: البراري والبدو- مرشدان سيئان مهما كانت المعاملة). ويلاحظ المستشرق بيريزين أنَّ مسؤولي المدينتين (البصرة وبغداد) يحصرون تسيير المراسلات بالسعاة الرَّجالة، (الذين يمضون في حملاتهم سبعة أو ثمانية أيام، مع حقائب البريد وأكياس التمر اليابس، وليس بوسع الرّجالة الإفلات، دائماً، من البدو المتأهبين).
وينقل لنا ما عرضه عليه قبطان السفينة العربية التي أبحر على متنها من بندر- بوشهر إلى البصرة؛ (بعد قليل من إبحارنا، أثناء رحلتي إلى البصرة، جاء إليَّ قبطان أحد السفن الخشبية العربي، المحملة، على ما يبدو، وعرض علي وبسعر باهظ تماماً مقعداً فخرياً في مؤخرة السفينة، بعد أن عرف أن ثمة أوروبيا على متن السفينة العربية، ضمانه في أحسن شركات الضمان الأوروبية يعادل قيمة هذه السفينة تقريبا، فيما كان على القبطان وانطلاقاً من مصلحته الخاصة أن ينقلني مجاناً. أنا لم أوافق ولا بحال على هذا السعر الباهظ، إذ كان وضعي المالي مزرياً تماماً). ويذكر أن الباخرة الإنكليزية المتجهة إلى بغداد تنقل الأوروبيين مجاناً. و(ليس من شك أن الإنكليز سيأخذون الروسي برضاء؛ إذ كانت إنكلترا وقتذاك على علاقات صداقة جيدة مع روسيا في الشرق، فيما كانت علاقتها مع فرنسا ليست على وفاق).وفي بغداد اضطره المرض أن يقيم أكثر من شهرين، وخلال هذه الفترة زار المدائن وآثار بابل، والطريف أنَّه دخل مدينة كربلاء المقدسة وهو يرتدي ثوباً فارسياً.

نينوى وحلب ولهجات التركمان والكرد

وأثناء رحلته انشغل بيريزين بدراسة اللغة العربية الدارجة ولهجاتها في ولايات البصرة وبغداد والموصل وحلب ولغة الكتاب العربي. وأورد في تسجيلاته أن ولاية بغداد تتحدث بثلاث لغات هي العربية والتركية والفارسية. ويذكر أنه غادر بغداد في الثامن من أيلول/سبتمبر قاصداً حلب. وعَبَر الكوفة يوم (15سبتمبر)، وواصل الرِّحال على طريق القوافل ووصل الموصل، بعد (15) يوماً، عِبر كركوك وأربيل. وبقى فيها حتى الخامس من تشرين الأول/اكتوبر. وهناك صرف غالبية وقته في معاينة آثار نينوى ونقوشها وزيارة جبال كردستان وأرياف اليزيديين ودراسة لهجات الكرد والتركمان. ولاحظ المستشرق بيريزين أنَّ الكُرد ينقسمون إلى قبائل شأنهم شأن كرد خراسان. ويرى أن اللهجة التركمانية في الموصل وكركوك هي اللهجة الوسطى، على ما يبدو، بين تركمان أسترباد وعثماني إسطنبول )لهجة تركمان الموصل وحلب رُبّمَا ما هي إلا لهجة آسيا الصغرى).
بعد إقامته في الموصل خمسين يوما غادرها متوجها إلى ولاية حلب، ووصل ديار بكر يوم (16 أكتوبر) عبر طريق الجزيرة، وقضى سبعة أيام في الحجر الصحي. بعدها انطلق إلى حلب ماراً بأرفة وبلغ مقصده في الثاني من تشرين الثاني/نوفمبر. وأمضى في مدينة حلب أُسبوعين، ومنها شد الرحال إلى إنطاكيا. ويصف الطريق من البصرة إلى حلب (بأنَّها ثرية بآثار عريقة لأقوام عدة، وعلى امتدادها يلتقي العمران الساساني والإغريقي الروماني والعربي الإسلامي). ومنع حلول الشتاء وطول الإقامة في العراق الرَّحال المستشرق بيريزين من زيارة مدينة الإسكندرونة. وكان من حصاد رحلته الممتعة والطويلة، من بندر بوشهر إلى حلب، وأقامته في ولاية البصرة عاماً ونصف العام، أنْ نشر المؤرخ واللغوي بيريوزين سبع مقالات علمية عن حضارات سكان بلاد الرافدين ولغاتهم في الدوريات الروسية أواسط القرن التاسع عشر.
1- بيريزين، إيليا نيقولايفيتش. رحلة إلى الشرق. مجموعة كتابات علمية، الكتاب الرابع. قازان 1844. صدر باللغة الروسية.
تنويه؛ جميع النصوص الواردة في المقال، المنسوبة إلى المستشرق بيريزين، اختارها وترجمها إلى العربية .

باحث وأُستاذ جامعي عراقي ـ روسيا.

حُمى البصرة وحلب و«الباشوات» في انطباعات الروسي بيريزين

ناظم مجيد حمود

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية