خارج متحف النكبة

حجم الخط
1

أغلبية اليهود الإسرائيليين يغرقون في هذه الاثناء في دائرة من الانغلاق الذاتي والخوف والاشتباه والشعور بالقوة والانتقام. اغلبيتهم لا يقدرون على ادراك ما يحصل وراء البحر، وما يحصل لاغلبية العرب في إسرائيل. لا أحد ينتبه للطفل الصغير من أبو غوش الذي ينظر يمينا ويسارا وبخوف على مدخل المجمع التجاري. القليلون سيلاحظون الأب ـ نشيط في أطر مشتركة لليهود والعرب الذين يرفضون أن يكونون أعداء ـ الذي يحرص على العودة إلى البيت مبكرا خوفا من انجرار ابنه الشاب إلى الاعمال الخطيرة بتأثير شباب آخرين.
بالطبع معظم اليهود الإسرائيليين لا ينفعلون من حقيقة أن الشباب والشابات يمتنعون عن استخدام الفيس بوك خوفا من الاعتقال على أيدي قوات الامن، واهانة الطلاب من صفد، مواطنة مثالية، متطوعة ومساهمة، التي قال لها صاحب المقهى القريب من الكلية «نحن لا نبيع للعرب». هذا لا يصل إلى قلوبهم.
هل شاهدتم في الآونة الاخيرة الصديقة العربية من العمل التي تتحدث اللغة العربية في المقهى اليهودي كي لا يطعنوها، أو اللغة العبرية في مقهى عربي كي لا يعتقلونها ـ هذا رغم أنه منذ زمن تم فقدان الشهية؟ والآباء الثكالى، والعائلات الحزينة خائبة الأمل ـ لا أحد يرى ولا أحد يسمع. اليهود في جانب والفلسطينيون في جانب. الاحساس الانساني مات ايضا وقُدم كقربان على مذبح السجود للبلاد.
أنا مقتنع أن هذه الأيام الفظيعة ـ أو التي ستأتي لاحقا ـ ستؤدي بالشعبين وقيادتيهما في نهاية المطاف إلى الحل الذي لا يمكن منعه. الثمن الذي ندفعه للكذب والتطرف والعنف باهظ جدا. وليس هناك طرق كثيرة غير طريق الصعود.
لا يمكن معرفة طبيعة الحل الذي سيخلق واقعا جديدا ـ التقسيم أو الشراكة، دولة فلسطينية مع اقتصاد مستقل أو متعلقة بإسرائيل. هل ستكون الحدود بين الدول مفتوحة أم مغلقة بالجدران؟ ما زال الحل غامضا لأن كل الحروب ستنتهي، ولن يبقى المزيد من الدماء لسفكها. سوف ييأس اليأس من نفسه ويخلي مكانه لروح اخرى. ويتحول الخوف إلى ذاكرة آخذة في الابتعاد. الاشخاص والشعوب سيعيشون حياتهم العادية. مكنسة الشارع للتاريخ ستكنس كل شيء وتُبقي فقط على ما يجب الابقاء عليه في المتاحف والنصب التذكارية. ستقام نصب تذكارية للابطال والضحايا الذين ذهبوا سدى. سيتم تحديد ايام للذكرى، والزعماء القبيحين سيُنقشوا في الذاكرة.
هناك شيء آخر هو أنه في الموقع الفلسطيني سيكون متحف. ليس واحدا بل اثنان. في احدهما ستكون افضل الفنون لافضل الفنانين الفلسطينيين ـ الرسامين والنحاتين والشعراء. الاشياء موجودة إلا أن المبنى لم تتم اقامته بعد. والى جانب متحف فلسطين سيقام متحف آخر ـ متحف تخليد الذكرى، متحف النكبة. معهد ومؤسسات ونشاطات تعليمية. ستكون فيه جميع المعروضات للشعب الذي يلتزم بماضيه، الاستقلال والذاكرة سيعيشان معا، وخارج متحف الذاكرة للتراجيديا الفلسطينية ستكون ضاحية. اشجار زيتون قديمة، واشجار اخرى. من افضل ثمار الشرق الاوسط. ستكون هذه ضاحية افضل أمم العالم. وفيها يتم تخليد روح اولئك الذين ضحوا بأنفسهم اثناء الخطر وانقذوا الفلسطينيين الابرياء.
وفوق تلك الضاحية التي لم تُزرع بعد، في المتحف الذي لم يُبنَ، في دولة لم تقم بعد، تظهر علامة سؤال واحدة: «أنت أيها الإسرائيلي اليهودي، في خريف 2015، هل ستكون هناك شجرة باسمك؟».

هآرتس 1/11/2015

ابراهام بورغ

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية