استمرار اعتقال عضو المجلس التشريعي الفلسطيني خالدة جرار بدون محاكمة لا يمكن عرضه كاستثناء مقلق في المشهد الديمقراطي الإسرائيلي. أيضاً لامبالاة الجمهور التي لا تصدق والغياب المطلق تقريبا للتغطية الصحافية حول اعتقالها لا يمكن اعتباره عدم اهتمام عام بما ترتكبه إسرائيل ضد الفلسطينيين. إن الاقصاء والتنكر المعتادين لا يمكن أن يغطيا أيضاً على ذلك. اعتقال جرار يحدد ليس فقط ما يحدث في الساحة الخلفية المظلمة لإسرائيل، بل هو جزء من واجهة العرض اللامعة لها. جرار تحدد الديمقراطية وسلطة القانون في إسرائيل. اعتقالها هو جزء لا يتجزأ من النظام المتبع في إسرائيل، هي وجه الديمقراطية الإسرائيلية بشكل لا يقل عن الانتخابات الديمقراطية المتبعة فيها (عدد من مواطنيها) أو مسيرة فخار تسير في شوارعها.
جرار هي النظام في إسرائيل، ليست أقل من قانون الاساس: كرامة الانسان وحريته. جرار هي الديمقراطية الإسرائيلية بدون تجميل وتزيين. أيضاً عدم الاهتمام بمصيرها هو من خصائص النظام. عضو مجلس تشريعي في السجن بدون جريمة ارتكبتها، هي سجينة سياسية بكل معنى الكلمة، والأسرى السياسيون يحددون النظام. لا توجد ديمقراطية مع وجود سجناء سياسيين، لا توجد دولة قانون مع سجناء بدون محاكمة، لذلك فإن اعتقال جرار ليس فقط لطخة سوداء للنظام في إسرائيل، بل هو جزء لا يتجزأ منه.
نائبة فلسطينية سجينة بدون ذنب لأشهر وسنوات، ولا أحد في إسرائيل يهتم بمصيرها، فقط عدد قليل جداً يحتجون. ليس نظراؤها أعضاء الكنيست ولا اليسار الصهيوني ولا منظمات الحقوقيين ولا المحكمة العليا المتنورة هبّوا لتحريرها. لا توجد أهمية للحديث عن التفاهات التي ينسبها لها الشباك أو شرح أنه طالما أنها لم تدن فهي بريئة. لا توجد جدوى من الكتابة مرة تلو الأخرى عن حصانتها البرلمانية حتى لا يعتبر الامر هذيانياً ـ ما للفلسطينيين وللحصانة ـ لا يوجد سبب لزيادة الكلام عن شجاعتها، ربما هي المرأة الاكثر شجاعة التي تعيش الآن تحت الحكم الإسرائيلي.
كل هذه الأمور تقع على آذان صماء. بدون لائحة اتهام، بدون تهمة، فهي محاربة من أجل الحرية في السجن. الشباك هو المحقق والمدعي والقاضي، ثلاث وظائف بتذكرة واحدة في بلاد الامكانيات غير المحدودة التي فيها تستطيع الدولة تعريف نفسها على أنها ديمقراطية، وحتى الوحيدة. ومعظم الإسرائيليين على قناعة بأن هذا الامر صحيح والعالم يوافق عليه.
جرار من شأنها كما يبدو أن تقضي بقية حياتها في السجن. لا يوجد مانع قانوني من أن يتم ارتكاب هذا ضدها، كل التبريرات البائسة التي تبرر كما يبدو استمرار اعتقالها يمكن أن تكون صالحة إلى الأبد. إذا كانت هي خطيرة اليوم فهي خطيرة إلى الأبد. السجناء السياسيون، اعتقالات بدون محاكمة واعتقالات غير مقيدة بزمن، هي التي تحدد الديكتاتوريات. جرار ليست بالطبع حالة شاذة، هي حتى ليست عضو البرلمان الوحيد في السجن الإسرائيلي. لذلك فإن الحديث المترفع عن الديمقراطية الإسرائيلية يجب أن يتوقف أمام اعتقالها. إسرائيل مع وجود جرار في السجن هي على أبعد تقدير نصف ديمقراطية.
لذلك، المعارضة لا يجب أن تكون موجهة ليس فقط ضد الاحتلال. المعارضة هي للنظام المتبع في إسرائيل. اعتقالها هو النظام، وهي تعارض النظام، الذي تعيش تحت حذائه. جزء بارز من منظمات المقاومة الفلسطينية، التي تعرف دائما عندنا بـ «تنظيمات إرهابية»، فقط حسب وسائلهم وليس حسب اهدافهم، هم يعارضون النظام الذي أُجبروا على العيش تحته. أهدافهم مشابهة لأهداف معارضي الديكتاتوريات الاخرى، من الاتحاد السوفييتي ومروراً بجنوب افريقيا وانتهاء بالارجنتين. ومثلهم حفنة الإسرائيليين الذين يريدون الوقوف إلى جانب جرار. هم لا يعبّرون فقط عن التضامن الانساني أو معارضة الاحتلال، بل يعارضون النظام.
كل من يؤيدون استمرار اعتقالها وكل من يصمتون على استمرار اعتقالها وكل من يحللونه وكل من يسمحون به يقولون بالفعل: إنسوا الديمقراطية، نحن لا. إلى هذا الحد.
هآرتس 21/6/2018