القاهرة – «القدس العربي»: فتح قرار الرئيس عبد الفتاح السيسي تخصيص 10 مليارات جنيه لتنمية وتعمير سيناء الباب أمام الآمال والطموحات لدى أبنائها الذين يأملون في ان تكون خطوة جادة من جانب الدولة للسعي نحو تحقيق تنمية حقيقية على أرض سيناء في مختلف القطاعات، لكن خبراء اقتصاديين اعتبروا ان مجرد تخصيص ميزانية لا يكفي لتنمية سيناء وإعمارها والذي يمثل مهمة صعبة تتطلب تضافر الجهود والخبرات لانجازها. وانتقد البعض تكليف القائد الجديد للقيادة الموحدة شرق القناة الفريق أسامة عسكر بتنمية سيناء، إذ ان الأمر يتطلب جهدا موحدا من الحكومة المؤهلة للقيام بهذه المهمة، إلا ان البعض اعتبر ان تدهور الأوضاع الأمنية في سيناء يجعل الجيش الوحيد القادر على إنجاز المشاريع التنموية هناك.
المشروعات القومية
وقال المهندس صلاح البلك، عضو المجلس الوطني لتنمية سيناء، لـ»القدس العربي»، «أن المشكلة ليست في تخصيص مبالغ مالية، بل أن المشكلة تكمن في تجهيز كوادر لإدارة ملف التنمية في سيناء»، مشيرا إلى أن التمويل موجود لمشروعات خلال السنوات الماضية وكانت وزارة المالية تسترجع الاعتمادات مرة أخرى.
وأضاف»المشكلة الأساسية ان هناك تراجعا في المشاريع المقامة، بمعنى ان تقوم الدولة بمشروعات قومية تتولى هي الصرف عليها مثل المشروع القومي لتنمية سيناء والذي كان من المفترض ان ينتهي في 2017 ولكن في 2012 صدر قرار بالاشراف على عملية التنمية ولكن من يقوم بتكملة المشروع الوزارات المختلفة وبالتالي الموضوع أصبح إشرافا فقط ، والمشروع القومي لتنمية سيناء تم إعداده بشكل جيد، لكن التنفيذ على أرض الواقع لم يتحقق وفق ما كان مخططا له، فالمطلوب هو كيفية إدارة الملف بكوادر قادرة على توجيه التمويل لإقامة المشاريع وفق ما هو مخطط لها، ولابد من وضع مخطط من جزأين لتلبية احتياجات السكان كمياه الشرب والمعديات وما شابه، وأخرى طويلة الأمد تتعلق بتنمية حقيقية قابلة للتنفيذ، على أن يرتبطا بجداول زمنية محددة، ومن ضمن تلك المشروعات ترعة السلام ولكن كل تلك المشاريع الرئيسية توقفت».
وأكد «ولكننا الآن أمام تحد آخر جديد وهو تدهور الأوضاع الأمنية أكثر من السابق، والنتيجة لا يوجد لدينا جدول زمني بمشاريع مخصصة مسبقا يتم تنفيذها لأنه لا يوجد مستثمرون في ظل الأوضاع الأمنية الحالية، وفي جميع الأحوال ونظرا للتدهور الأمني في شمال سيناء لم تستطع الجهات المدنية القيام بعمليات التنمية وبالتالي فالجهة الوحيدة التي يمكنها ان تقوم بذلك هي الجيش».
التواجد البشري
من جانبه قال الدكتور أسامة عبد الخالق، الخبير الاقتصادي في جامعة الدول العربية، «ندفع الآن ثمن ما يحدث في سيناء، لأن التواجد البشري فيها ضئيل جدا وهذا يعطي فرصة للعناصر المتطرفة ان تقوم بالتواجد البشري مكان القبائل والعشائر، فالتنمية في سيناء ليست بشرية فقط ولكنها أيضا عمرانية وتم إهمالها نتيجة ان جميع العناصر المتطرفة وجدت لها، خاصة في وسط سيناء مرتعا في الانتشار والتواجد والتعايش. ومن المعروف ان وسط سيناء لا يوجد فيه أي مصادر للدخل إلا المصادر غير المشروعة مما يشكل بيئة صالحة لنمو الإرهاب. واعتقد ان الحكومة والرئيس الحالي على وعي تام بضرورة إحداث تغيير جذري في تنمية سيناء بالمعنى الكامل».
وأضاف «تم الزام الفريق أسامة عسكر بتنمية سيناء وليس الحكومة، لأن المرحلة الحالية لا تصلح فيها حكومة مدنية، فالتعامل مع الإرهاب ليس سهلا وهذه المنطقة يرتكز فيها الإرهاب بكثافة وهو جانب عسكري مسلح فمن غير الممكن ان يوكل فيها الأمر إلى جهة مدنية للتعامل مع جهة مسلحة، وتكليف الفريق أسامة عسكر سيساهم في القضاء على الارهاب ولديهم تعليمات بأن الجانب العسكري لابد ان يواجه بحزم شديد مع تفادي أينوع من الأذى للأبرياء».
وأكد الدكتور أسامة «ان مبلغ الـ10 مليارات جنيه لن يكفي لتنمية سيناء ولكن هذا المبلغ سيكون مرحلة أولى لأننا في حاجة إلى إنشاء معسكرات كبيرة ومباني سكن للمغتربين سواء من العساكر أو المدنيين أو بدو سيناء فهذا يحتاج إلى تمويل ضخم».
وعن امكانية تنمية سيناء في ظل تدهور الأوضاع الأمنية قال «لابد ان يحدث نوع من الكر والفر وبذلك فإن الهدف من إسناد الأمر للفريق أسامة عسكر هو القضاء ما أمكن على ما تبقى من فلول الجماعات المسلحة».
جامعة حكومية
من جانبه قال عميد كلية العلوم بالعريش الدكتور حبشي النادي، في تصريحات «إن إقامة جامعة حكومية في سيناء بداية لتحقيق تنمية شاملة، خاصة وأن الاهتمام بالعلم يحقق طموحات الدولة نحو تنمية شاملة كما أن استيعاب المئات من أبناء سيناء في كليات نوعية وتخصصية تضيف إلى الجانب العلمي مؤهلات وتخصصات نادرة تستفيد منها الأسواق المحلية، بما يسهم كثيرا في دفع عجلة التنمية وتوفير الكوادر اللازمة للعمل في المشاريع الاستثمارية حسب احتياجاتها من التخصصات المختلفة» .
مشروع ترعة السلام
وأكد عضو مجلس الشعب السابق المهندس رمضان سرحان «ان من الضروري استكمال مشروع ترعة السلام لاستزراع 400 ألف فدان على أرض سيناء، وهو ما يتيح مجتمعات عمرانية وزراعية بحيث يكون للشباب الخريجين الحق في تملك الأراضي، إلى جانب الشركات الاستثمارية الكبرى وبالتالي ستكون سيناء سلة الغذاء لمصر كلها بما تنتجه من محاصيل متميزة وفي أوقات السنة سواء الخضروات أو الفاكهة» .
وقال سلامة الرقيعي عضو مجلس الشعب السابق، «مطلوب الانتهاء أولا من المشاريع المفتوحة في أرجاء سيناء خاصة وان بعضها شبه متوقف ويحتاج إلى تدبير الموارد للانتهاء منه»، وأكد على ضرورة استكمال الخطط السابقة والحالية لكل المشاريع المتعلقة بشبه جزيرة سيناء بعد تحديثها وترتيب أولوياتها والتي تنتظر التمويل ولا تحتاج إلى بحث وتقرير، وإنما هي موجودة من قبل لدى الأجهزة المعنية بتعمير سيناء، مطالبا برسم سياسات بمنهج مدروس وبموضوعية تتفق مع الواقع وتأخذ بالاستثمار الأمثل لكل مورد لتتحقق به التنمية المستدامة ويستفاد منه في تعزيز المنظومة الخدمية في كافة المجالات لتكون الرؤية متكاملة للأمن والتنمية معا.
ثروات معدنية
وقال رئيس جمعية مجاهدي سيناء عبد الله جهامة، «يتعين على الدولة إقامة مشاريع تنموية واقتصادية كبيرة في منطقة وسط سيناء، لما تحتويه من ثروات معدنية هائلة، وتحتاج فقط إلى التصنيع، ما سيوفر فرص عمل للشباب وخلق مجتمع اقتصادي في منطقة تعد بوابة الأمن القومي المصري».
وطالب «بتنمية وتعمير الشريط الحدودي مع الجانب الآخر وإنشاء آبار للزراعة وتحويل لون المنطقة من الأصفر إلى الأخضر، مع الاهتمام بالصناعات القائمة على المزروعات التي يشتهر بها شمال سيناء مثل الزيتون والخوخ والشمام».
قرار جريء
كما قال رئيس حركة أحرار سيناء محمد هندي، «إن هذا القرار يعد جريئا وأول خطوة حقيقية للقضاء على الإرهاب في سيناء وذلك ببدء التنمية الحقيقية، ولكن يجب أن تكون البداية بوسط سيناء، لوجود أكثر من 13 خامة تعدينية في المنطقة تكفي لإقامة مشروعات استثمارية ومصانع لعشرات السنين كمصنع للرخام وللزجاج والاسمنت حيث أن المنطقة غنية بالرمال التي تدخل في صناعة الزجاج، ومصانع للاسمنت، بالإضافة إلى الصناعات الثقيلة واستخراج الفحم، على أن تكون العمالة من أبناء سيناء بعد تدريبهم بحيث يصبحون قادة هذه المشاريع، وهذه أول نقطة للقضاء على البطالة والإرهاب داخل سيناء ومصر».
إرادة سياسية حقيقية
وقال الدكتور عبد المنعم السيد، الخبير الاقتصادي، «إن عدم وجود إرادة سياسية حقيقية لتحقيق تنمية مستدامة في السابق إدى إلى إهمال سيناء، حيث دأبت الحكومات المتعاقبة على الإعلان عن مشاريع تنموية ضخمة دون توضيح للجداول الزمنية أو المالية للتنفيذ»، موضحا مشروع سيناء القومي حظي باهتمام كبير من قمة النظام السياسي منذ عام 1994، وقدرت له تكلفة استثمارية بلغت وقتها 75 مليار جنيه بهدف توفير 800 ألف فرصة عمل واستصلاح وزراعة 400 ألف فدان حتى 2017، ثم تمت إعادة رسم إستراتيجية التنمية الشاملة له في ايلول/سبتمبر من العام 2000 لتضم محافظات القناة، وبلغت التكلفة الاستثمارية الجديدة 251.7 مليار جنيه حتى عام 2017، منها 69 مليار جنيه لشمال سيناء و35.6 مليار لجنوب سيناء، ويمثل الإنفاق الخاص 56٪ من إجمالي الاستثمارات.
وأضاف، «وعند تقييم هذا المشروع حاليا نجد أنه لم يحقق النتائج المرجوة منه لـ 25 عاما الماضية، وما زال مشروع تنمية سيناء القومي يعاني من الكثير من التدهور وتدني معدلات الإنجاز رغم أهميته الاقتصادية والعمرانية والاجتماعية والعسكرية». ودعا السيد إلى ضرورة استغلال خطة الرئيس السيسي مع الاستفادة من أخطاء الماضي لتحقيق تنمية حقيقية لسيناء مع الالتزام بمخططات ثابتة وجداول زمنية للانتهاء من المشاريع القديمة والمقترحة خلال الفترة المقبلة.
السد المنيع
من جانبه أكد تامرالزيادي، مساعد رئيس حزب المؤتمر، «أن تنمية شبه جزيرة سيناء سيكون حائط السد المنيع ضد موجات الإرهاب والتطرف، التي تحاول السيطرة على هذا الجزء العزيز من أرض الوطن»، معتبرا أن «تنميتها وتعميرها بالسكان أولى خطوات تطهيرها».
وقال «إن تولي الفريق أسامة عسكر قيادة المنطقة الموحدة شرق قناة السويس، سيكون بداية النهاية لعقود من الاهمال والتجاهل لمشاكل المنطقة، ووضع برامج حقيقية لتنميتها وتعميرها بإنشاء صناعات استراتيجية، وتعدين، وسياحة، وزراعة، والعمل على جذب رؤوس أموال أجنبية، وقبل كل ذلك توفير سبل الحياة، لإنشاء تجمعات سكنية تنزح من الوادي والدلتا لإعمار سيناء».
تكليف السيسي
وكان السيسي طالب في كلمته أمام الحضور من ممثلي الشعب المصري في مسرح الجلاء، الفريق أسامة عسكر بالوقوف أمام الحضور محدثا إياه «أشهد الناس عليك بألا يتكرر هذا الأمر في سيناء»، في إشارة إلى الحادث الإرهابي الأخير الذي وقع شمالي سيناء.
وأضاف السيسي، موجها حديثه إلى الفريق أسامة عسكر، «أنت مسؤول أمامي وأمام المصريين عن تنمية سيناء أيضا»، معلنا عن تخصيص 10 مليارات جنيه لهذه المهمة «كلنا معاك وربنا يوفقك.. وليسمع الجميع أننا ذاهبون للتعمير والبناء قبل البحث عن الثأر وقتل المجرمين».