خبراء: مطالب رئيس الوزراء الإسرائيلي غير واقعية مقابل التخلي عن فرصة تاريخية

حجم الخط
0

واشنطن – «القدس العربي»: سأل صحافي أمريكي زميلا له يكبره في السن والخبرة عن سر نجاحه أجاب : تناول لترا من المياه قبل ان تذهب إلى الفراش، ثانيا: لا تكتب عن إسرائيل في الولايات المتحدة، فقال الصحافي مستنكرا، كيف يمكن تجاهل هذا الأمر؟ أجابه الحكيم بجدية: كلنا هنا في هذا الموضوع كالمومسات، وللقارئ هنا حرية التقاط المعنى.
هذا ما حدث تماما عندما القى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خطابه المعروف أمام جلسة مشتركة للكونغرس الأمريكي، فالقاعة ضجت بالتصفيق الحاد، ووقف الجميع باستمرار اعجابا بالمتحدث في مشهد يثير الشفقة، تماما، حسب وصف صاحب الحكاية مات تابي في مجلة «روولينغ ستون» مثل النهج المنضبط لجماعة ستالين الذين يرفعون شعار: «لا تكن أول من يتوقف عن التصفيق».
المشهد الأمريكي الساخر لم يتوقف عند هذا الحد فالسيناتور راند بول، المرشح الرئاسي، الذي صفق أكثر من 50 مرة على الأقل خرج بعد الحفل التهريجي ليعبر عن حماسه المنقطع النظير للضيف الإسرائيلي على مدونات وسائل الإعلام الاجتماعية لتمجيد الخطاب.
ما اراد مات قوله في مهزلة نتنياهو وردة الفعل الأمريكية عبر عنه في الواقع، بدقة في بداية الحكاية ولكنه اختار وصفا أقل حدة وحشمة بمقارنته أعضاء الكونغرس مع طلاب المدارس الثانوية بدلا من فتيات الرذيلة.
ولا مبالغة في هذا الوصف كما يقول صاحبنا فالسيناتور الجمهوري جاكي وليديسلي مثلا صرخ مثل طفل رضيع بعد انتهاء الخطاب بالقول «واووو..» ، أما وكالات الانباء الصحافة الأمريكية فكانت أكثر تسلية حيث احتفت في الصباح التالي للخطاب بالحديث عن أستطلاعات «علمية ومفاجئة « تفيد بان شعبية نتنياهو قد اشرقت بعد خطاب الكونغرس.
مهرجان الكونغرس لم تنقصه الدراما، وبنيامين نتنياهو بالطبع الأكثر خبرة في العالم رغم عنجهيته معرفة بصنع القطع الدرامية للحصول على ما يريد بأي ثمن، وعلى سبيل المثال، امضى الرجل بضع دقائق وهو يتحدث بحزن أمام «الهيئة التشريعية الأكثر أهمية في العالم» مشيرا إلى الرئيس الأمريكي باراك اوباما ودعمه المطلق لإسرائيل بدليل منعه الأمم المتحدة من ايذاء إسرائيل وارساله جميع المساعدات العسكرية التى يحتاجها مضيفا في لهجة بكائية بان اوباما كان هناك، في أي لحظة تحتاجها إسرائيل.
هذه البكائية تدل على طبيعة صاحبها كما يقول رجيم نيويل في «صالون» فالرجل عثر على طريقة فريدة لتسديد فضائل اوباما عليه بالذهاب من وراء ظهره بناء على دعوة ماكرة من رئيس مجلس النواب جون بوينر إلى الكونغرس للتحدث عن صفقة اوباما «السيئة جدا « مع إيران قبل التوقيع على أي اتفاق .
وردد نتنياهو كلاما يثير الملل حتى عند اولئك الذين صفقوا له بنفاق يثير الاشمئزاز، فهو تحدث عن تاريخ النظام الإيراني ورعايته للارهاب وتمرده على أمريكا كأن ساسة واشنطن ينتظرون منذ وقت طويل هذا القول من «اجنبي» مع معلقات حول كيفية تعامل إيران والولايات المتحدة إلى حد استفز زعيمة الأقلية في مجلس النواب نانسي بلوسي التي كادت ان تبكي من اهانة ذكاء الولايات المتحدة .
وذهب نتنياهو كما يقول بنويل إلى وصف الخطوط العريضة للصفقة كما يشاع في الصحافة، وهذا بحد ذاته اهانة لواشنطن التي سمحت باستضافة حدث كبير لضيف غير مرغوب به من قبل ادارة اوباما، وللحديث عن قضايا تعتمد على لغط الصحافة، بل قال نتنياهو في مفارقة مضحكة لا تكشف إلا على قدرته على البحث في محرك «غوغل» بان بعض عناصر الاتفاق المحتمل أصبحت عامة لذا فانه لا يحتاج لوكالات الاستخبارات والمعلومات السرية لمعرفة ذلك.
الكوميدي المعروف جون ستيورت لخص المشهد بسخريته المعروفة عبر انتقاد دسائس بوينر ضد البيت الأبيض وردة الفعل الهادئة المصطنعة لاوباما على خطاب نتنياهو مع لسعات للنصائح الخاطئة عن عمد لرئيس الوزراء الإسرائيلي تجاه إيران والعراق، وبالطبع، اشبع ستيورت أعضاء الكونغرس بسخريات لاذعة لتصفيقهم الحار. ما الذي حققه نتنياهو بالفعل في واشنطن باستثناء توتير العلاقات بين الولايات المتحدة وإسرائيل وعدم تخريب الصفقة؟ الاجابة الوحيدة الطريفة التي حصل عليها ستيورت هي ان نتنياهو حصل على افضل «مداعبة « لرجل يهودي في التاريخ في أشارة إلى التصفيق الحاد والنفاق في الكونغرس لصاحب الفخامة نتنياهو.
في اعداد سابقة، تناولت «القدس العربي» بدقة جميع الخسائر الواضحة التي تعرض لها نتنياهو من القاء الخطاب في واشنطن فهو لم يتمكن من تعطيل الجهود الدبلوماسية الدولية من التوصل لاتفاق بين المجموعة الدولية وإيران ولم يتمكن من احراز انتصار يدفع ساسة الولايات المتحدة لتعطيل الاتفاق، بل على النقيض من ذلك، سارع قادة الحزب الديمقراطي إلى اعلان وقف التأييد لمشروع قانون يفرض عقوبات ضد إيران، ومن جهة أخرى، استفز نتنياهو مشاعر قادة الحزب وزعماء السود في الولايات المتحدة وتم اضفاء طبعة حزبية لأول مرة على العلاقات بين إسرائيل والولايات المتحدة ولكن حماقات نتنياهو تتجاوز الحسابات التقليدية وفقا لآراء الخبراء الذين ما زالت تحليلاتهم تظهر بعد انتهاء الخطاب. يقول ريتشارد هاس، رئيس مجلس العلاقات الخارجية، ان نتنياهو شن هجوما لا هوادة فيه على إيران ولكنه فشل في اقناع أحد بان قضيته ليست سياسية أو انه لا يمكن الانتظار إلى ما بعد الانتخابات الإسرائيلية بل، ومنح إدارة اوباما مساحة بدون قصد للعمل على الاتفاق بعد تجريد الخطاب بعيدا.
وعلى الرغم من هذا الضجيج، يؤكد المحلل روبرت دانن، ان هناك ثلاثة جوانب مهمة للخطاب هي ان نتنياهو كشف عن بعض المشاكل الأساسية للصفقة الناشئة فهي ستترك الكثير من القيود المتبقية على برنامج إيران النووي إلى عقد من الزمن، وهذا بحد ذاته مدح غير مقصود لاوباما وفريقه كما انه قام بتصوير إيران كمصدر من أعظم الشرور بطريقة غير لائقة وليس كشريك محتمل، والاهم من ذلك كله، ان عناد نتنياهو وحضوره لواشنطن سيجعل من المستحيل القيام بأي عمل مستقبلي بين الرئيس الأمريكي باراك اوباما ورئيس الوزراء الإسرائيلي.
وعلى مدى 6 سنوات، دخل اوباما ونتنياهو في دائرة لا تنتهي من الاشتباكات تليها هدنة مؤقتة ولكن العبقري نتنياهو برهن شكوك البيت الأبيض بانه يتلاعب منذ فترة طويلة في السياسة الأمريكية الحزبية ضد الرئيس.
يوضح جوليان زيليزر، استاذ التاريخ والشؤون العامة في جامعة برنستون، ان خطاب نتنياهو جاء بنتائج عكسية تماما بشكل واضح بدلا من حشد التأييد لإسرائيل مشيرا إلى ان علاقات الولايات المتحدة وإسرائيل لم تتأثر منذ عام 1948 بسبب كثير من العوامل من بينها الطريقة التي تدعم ووتتقاطع مع الخطوط الحزبية ولكن خطاب الثلاثاء الماضي والجدل المرافق له لوث هذه العلاقة حيث قاطع أكثر من 50 مشرعا الجلسة ورفض بعضهم الحضور باعتبارها حيلة انتخابية، وترك كثيرون الصمت احتجاجا على المعاملة غير المحترمة التي تعرض لها اوباما بسبب الاصرار على القاء هذا الخطاب، والأجمل من ذلك كله، ان الخطاب خلق انطباعا قويا بان هناك تحالفا حزبيا بين الحزب الجمهوري والحكومة الإسرائيلية.
ويلاحظ زيليزر ان هناك ضغوطا متنامية داخل إسرائيل حول المواقف السياسية تدل على عدم الرضى من تحركات نتنياهو الوقحة مع التأكيد ان الاضرار لن تكون مدمرة بشأن علاقة الحزب الديمقراطي مع إسرائيل لانه يضم الكثير من اليهود الذين لن يسمحوا بتبديل الموقف الأساسي من هذا التحالف.
اما توم كولينا، مدير السياسات في صندوق بلاوشيرز للسلام والأمن ، فقال ان نتنياهو فشل في تقديم بديل واقعي ، وفرض مطالب غير واقعية لأفضل فرصة سانحة منذ عقود لمنع وجود سلاح نووي إيراني، وأضاف بان خطة رئيس الوزراء الإسرائيلي القائمة على الانسحاب من الصفقة بدلا من وجود خطة هي خيال، بل تضحية خطيرة لصفقة جيدة.
ما هي الاستنتاجات التي يمكن الخروج منها، نحن العرب، عند قراءة الردود الأمريكية الغاضبة على خطاب نتنياهو؟ أولا، وبعيدا عن هذا اللغط، من المهم التنبه إلى عدم الخروج بآمال فارغة واوهام بان هناك تشققات حقيقية في العلاقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل فالدعم الدبلوماسي اللامحدود والمساعدات العسكرية من واشنطن لإسرائيل امر مفروغ منه، وليس هناك رئيس أمريكي سيتحلى بالبطولة والشجاعة حول هذا الموضوع بما في ذلك اوباما المثير للشفقة والذي سارع بدوره رغم ما حصل من أهانات إلى ارسال سامانثا باور، السفيرة الأمريكية لدى الأمم المتحدة، إلى اجتماعات اللوبي الإسرائيلي «لجنة الشؤون العامة الإسرائيلية الأمريكية» من أجل مراجعة سجل الإدارة في دعم إسرائيل والوعد باستمرار هذا الدعم.
ثانيا: اللغط الدائر حول الخطاب في واشنطن ووسائل الإعلام لا يتجاوز حدود المعارك الشخصية والسياسية الانتخابية ضد اوباما ونتنياهو نفسه ولا تدخل في دائرة العلاقة التاريخية الغريبة بين الولايات المتحدة وإسرائيل، هناك رغبة دفينة لدى اوباما بالتخلص من نتنياهو في الانتخابات المقبلة وهناك عنجهية وسلوك قائم على توجيه الاهانات لدى نتنياهو ضد اوباما، وهناك، أيضا، دسائس رئيس مجلس النواب الأمريكي ورفاقه في الحزب الجمهوري لفقأ عين البيت الأبيض وهناك حرص من قادة الحزب الجمهوري على الدفاع عن بطلهم اوباما ولكنهم جميعا، لا يفكرون على الاطلاق، بتحويل المهزلة إلى أزمة بين «دول» صديقة وحليفة أكثر من اللزوم.
ثالثا: هنالك بعض الحقائق التي لا يود نتنياهو الاعتراف بها لانه يسعى بوضوح إلى توريط الولايات المتحدة في حرب مع إيران، من أهمها ان إدارة اوباما لن تسمح لإيران بالفعل بامتلاك قنبلة ذرية وانها ستكون كحائط أسمنت في وجه محاولات طهران للوصول إلى عتبة السلاح النووي وانه من المفترض تفكيك البنية التحتية النووية.
رابعا: تحدث خبير الإرهاب الجديد نتنياهو عن خطر التطرف الإسلامي في الشرق الأوسط الذي يعج بالجماعات الارهابية التي تهدد أمريكا وإسرائيل كما قال من أجل تحريض الكونغرس والشعب الأمريكي ضد الصفقة مع إيران في نهاية المطاف، اما واشنطن كما يقول الخبراء فهي تنظر بطريقة أخرى ترى بان هناك فرصة حقيقية لفتوحات دبلوماسية أمريكية في المنطقة تقوم على لعبة التوازنات الاقليمية مثل هزم تنظيم «الدولة الإسلامية» بالتعاون مع إيران، وفي جميع الحالات هناك تغييب لأي دور حقيقي لاصحاب المنطقة لصنع مستقبلهم، أي العرب ،والانكى من ذلك كله، ان هناك طموحات أمريكية وإسرائيلية لاعادة تشكيل المنطقة مع اختلافات بسيطة في الأساليب تحت حجج مثل محاربة تنظيم الدولة أو فزاعة القنبلة الذرية الإيرانية.

رائد صالحة

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية