خبراء ومحللون: الحرية لم تعد مجرد مطلب… بل حاجة السوريين لها كحاجتهم للخبز والماء

حجم الخط
1

إسطنبول – «القدس العربي» : يرى مراقبون للشأن السوري، بأن الثورة السورية اهتزت ثلاث مرات بشكل مؤثر منذ انطلاقتها في الربع الأول من عام 2011، وذلك عندما خسرت التشكيلات المسلحة للثورة حمص القديمة، وسط سوريا، وحلب الشرقية، شمالي سوريا، أما النظام السوري، وحلفاؤه، فقد احتفلوا عقب كل انجاز لهم، بـ «الانتصار»، فهل فعلاً انتصر هذا الحلف على الشعب السوري بمدنييه وعسكريي ثورته؟ وهل انحسار جغرافية سوريي الثورة انتكاسة لا رجعة بعدها؟
قائد حركة الوطن، العقيد فاتح حسون، قال لـ «القدس العربي»: الثورة لم تنحسر أبداً، بل ما زالت جذوتها متقدة، ما يحدث على الأرض هو تغيير ديمغرافي وتهجير قسري يتشارك في تنفيذه النظام وإيران وروسيا على مرأى من العالم ومسمع منه. فالسيطرة على مساحة جغرافية، وفق ما يراه القيادي، لا تعني انتصاراً على ثورة، لا أبداً، فالثوار أنفسهم ما زالوا، والمقاتلون انتقلوا من مكان لمكان للحفاظ على حياة المدنيين، لكن الحالة الثورية أصبحت حالة متجذرة في المجتمع السوري، كيف لا وقد أصبح هاجس السوريين هو الحفاظ على أرواحهم والعودة لمساكنهم، وما يحدث حاليًا هو بسبب الآلة الإجرامية الهائلة لروسيا، لكن إرادة القتال ما زالت موجودة، والمعارك كَـر وفر.
المنسق العام بين فصائل الثورة، عبد المنعم زين الدين، فقال لـ»القدس العربي»: ليس من حق عصابة الأسد أن تحتفل بأي نصر، فهي مجرد هيكل فارغ لا يحرر شيئاً ولم ينتصر على أحد. فمؤخراً قام الروس بحرق مناطق واسعة في الغوطة الشرقية، وتوجوا ذلك بجريمة تهجير قسري، ففرحت عصابة الأسد واعتبرت ذلك نصراً لها، أما نحن فنعتبر ذلك جريمة إبادة قام بها المحتل الروسي والإيراني.
وأضاف، لقد بدأنا ثورتنا ولم يكن معنا بقعة جغرافية محررة، وانتصرنا، والآن نحن في جاهزية تامة للانتصار عليها، لكننا نقارع روسيا وإيران، ومع ذلك فإن روسيا لن تستطيع الاستمرار في دعمه إلى ما لا نهاية، وهي الآن في ورطة سياسية واقتصادية، وكذلك إيران.

عدالة مع حرية

إن الثورة، وفق ما يراه زين الدين، مستمرة ليست بالسلاح وحده، بل هي ثورة عدالة وحرية ورفض الظلم، وزاد عليها حرب تحرير شعبية ضد المحتلين، وهذه القيم حاضرة في عقول ونشاط ملايين السوريين، بالمظاهرات والندوات والاجتماعات، بالسياسة والفكر والأدب والإعلام، للثورة نقاط قوة كثيرة غير العسكرة التي تصطدم بحاجز فارق القوة الكبير بينها وبين دول كبرى مارقة كروسيا وإيران.
الثورة ماضية رغم ما حل بها من تراجع عسكري، وتعب شعبي، لكنها مهما طالت ستظل متجددة بدماء جيل كامل عاش ونشأ في الثورة على رؤية مشاهد القصف والدمار والظلم والإجرام التي طالت الشعب السوري على يد الأسد وعصابته، وفق ما قاله زين الدين.
أما عضو الهيئة السياسية في الائتلاف محمد يحيى مكتبي، فقال: ليس نظام الأسد المتهالك، هو من نجح في التغلب على السوريين، علماً أن هذا التغلب هو تغلب «مؤقت»، نتيجة استخدام كافة أنواع الأسلحة بما فيها الكيميائي، وأن هذا التغلب الجزئي، حصل بفعل ما وصفها بـ «العصابات الإرهابية» التي جلبتها إيران لسوريا، وكذلك بفعل الطيران الروسي. وأضاف مكتبي: لا اعتقد أن الأمور انتهت ها هنا، وأن الأهداف التي قام الشعب السوري لأجلها، هي أهداف محقة، ومطالب تتقاطع مع ما تتطلع إليه كل شعوب العالم، وهو حق طبيعي، وأرى أننا الآن أمام أخطار كبيرة جداً، خاصة بأننا أمام قوتي احتلال لا تريد خيراً للشعب السوري، وربما قد يحدث خلال الفترة القادمة فرض بعض الإملاءات السياسية، تحت عنوان «الحل السياسي»، ويجري تركيب هذا الحل وفق رغبة بعض الدول.

الأسد نجح ببيع سوريا

المحلل السياسي والعسكري محمد العطار، قال لـ «القدس العربي»: الأسد لم ينجح في إخماد ثورة السوريين ولا طي أيامها، إنما نجح الأسد ببيع سوريا، واستقدام الروس والإيرانيين لإدارة البلاد، مقابل حمايتهم له. وأضاف، الروس فعلياً نجحوا بتهجير أهالي الثورة، وهم من فرضوه عليهم، وهم من نجحوا في تدمير سوريا بغية انهاء الثورة في البلاد، محافظة على مكاسبهم، التي كانوا يحلمون بها على مدار عقود، وفعلياً وصلوا لتلك الأحلام، بعد أن ملكهم الأسد مقتدرات الشعب والدولة.
الثورة ليست شخصاً يموت، وينتهي أثره، فالثورة فكرٌ في نفوس أصحابها، وأن الأسباب التي دفعت الشعب السوري لبدء ثورته، يتمحور حول الضغط الأمني الذي مارسه النظام القمعي، والفساد الذي نشره النظام في أروقة الدولة السورية والمجتمع، والتي فرضت عليها على مدى خمسة عقود، فجاء الانفجار الكبير من قبل السوريين، ولكن هذا الانفجار قوبل بقمع عالمي، وحقد كبير من كافة الدول، فكان الاعتقال والتنكيل والتهجير والموت بمختلف الأساليب، وصولاً إلى ما نحن عليه اليوم.

ماذا بعد؟

السياسي درويش خليفة، قال: بعد أكثر من 7 سنوات على انتفاضة الشعب السوري بوجه السلطة الحاكمة، لم يتبلور إجماع على بديل سياسي يسعى لتحقيق مطالب القوى الشبابية التي قادت الحراك السلمي، وبالتالي تصبح هي القيادة الفعلية لما خرجت له، وذلك نتيجة هيمنة العسكر على القرار الداخلي والقوى السياسية المعينة في الخارج ومن الخارج وتسلطهم على القرار بدون أدنى شرعية شعبية.
وكذلك ميول المعارضة السياسية في تحقيق الكسب الذاتي في التمثيل والعلاقات الخارجية، ولعب دور وظيفي لا يراعي مصالح الطبقات المجتمعية الثائرة على النظام المحكوم بأجندة إيرانية روسية يعرفها السوريون عامة.
الجميع يسعى ليكون البديل للسلطة دون ان يعمل على بلورة برنامج سياسي يتوافق مع طموح الشعب السوري المتعطش لحريته وكرامته التي سُلبت منه بفعل حكم الاسدين للبلد وهيمنة الحزب الواحد، مع إعطاء الجيش والافرع الأمنية صبغة طائفية هدفها النيل من كرامة المواطن ليل نهار. ويوجد سوء في فهم الواقع، وفق ما يراه درويش، من قبل من تصدروا المشهد السياسي لانتفاضة الشعب السوري نحتاج الوقوف عندها مراراً وتكراراً، لأنها تعبر عن مصالح نخبوية بعيدة عن مصالح الطبقات المجتمعية التي حركته عوامل عدة معيشية وسياسية، مع الحفاظ على المطلب الحق وهو الديمقراطية والعدالة الاجتماعية.

نموذج حضاري

كان جديرً بالمعارضة مخاطبة الشعب والعمل على قرار شعبي قبل التوجه للحلفاء والحفاظ على مصالحهم في حال رحيل النظام، والذي لم تأكده الاتفاقيات الخاصة بالحالة السورية للآن، وعليه يبدو وضع المعارضة مؤسف نتيجة الخلافات والتناقضات والصراعات على التمثيل واحتكاره لفئات تعمل لمصالحها الضيقة وتتجاهل المطالب الحقة للثورة وابنائها، وما شهدناه مؤخراً في العاصمة السعودية الرياض دليل واضح على ما تم ذكره آنفاً.
وعلى صعيد مؤسسات المعارضة قال درويش: لم تستطع إعطاء نموذج حضاري ديمقراطي بديل، بل اكتفت ببعض الانفراج الديمقراطي بتمثيل السيدات ومراعاة التلون القومي والطائفي والديني. وهنا فشل من نوع آخر. ويجب ان تدرك المعارضة بأن الحرية لم تعد مطلبًا مجرداً، بل هي مطلب يماثل حاجة السوريين للخبز والماء والمأوى أيضاً، حيث كان لتجربة المجالس المحلية الفرصة في فتح النافذة الأولى في تاريخ سوريا المعاصر نحو الديمقراطية واختيار الشعب لممثليه عبر صناديق الانتخاب العامة، ولكن الوضع الأمني المتردي في المناطق الخاضعة لسيطرة الثوار حالت دون ذلك، مع عدم البحث عن حلول ممكنة ضمن المتاح.
من وجهة نظر «درويش»، فإن المجتمع الدولي لا يثق بالمعارضة السورية كما أنه لا يثق بالنظام أيضاً، ولكن الأخير يستطيعون ضبطه متى شاؤوا، وبوجوده يستطيعون تبديد تخوفهم من المجهول وبالذات بعد صعود التيارات المتشددة على السطح وبسط نفوذهم في البيئات المضطربة.
والتناقض في الموقف الروسي، تدخل عسكري للحسم والقضاء على المعارضة العسكرية وبذات الوقت جرها إلى مؤتمر أستانة الذي يهدف لخلق مناطق مقتولة عسكرياً (تخفيف التصعيد) كما تم توصيفها. لتتوالى بعدها المؤتمرات التي تخص الحالة السورية ومفرزاتها التي استحالت على الجميع إيجاد حل يساهم في خلق الاستقرار وتحقيق مصالحهم المتناقضة على الصعيدين الدولي والإقليمي، مع تجاهل كامل لمطالب الشعب السوري الثائر لحريته.

خبراء ومحللون: الحرية لم تعد مجرد مطلب… بل حاجة السوريين لها كحاجتهم للخبز والماء
بعد انحسار «جغرافية» الثورة السورية… هل انتصر الأسد فعلاً؟
حسـام محمـد

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية