خبر جهينة والبجعة السوداء

حجم الخط
0

عندما قال الأخنس بن كعب قولته المشهورة: «وعند جهينة الخبر اليقين» وتناقلته الأعراب من خلفه، كان يفتخر ويفتخرون أن فلانا من الناس أو نفراً من القوم يملكون مماسك الأمر وتجتمع في جعبتهم الأخبار الأكيدة التي لا شك فيها. كانوا يراهنون ويضربون المثل أن جهينة لديها القول الفصل ونهاية كل جدال عند التباس الظرف وتشابه الحول. لا للحيرة مجال إن أنت بحثت عن الخبر اليقين، وليس هناك داع للاستفاضة في التقصي، فمقصدك جهينة!
معرفة جهينة كانت محصورة فيما سلف، وليس فيما هو مقبل. آيتها الماضي، أما المستقبل فعلمه في خانات الغيب التي لا يفقه كنهها بشري من ولد ابن آدم، أو مخلوقات كانت تطوف حول ملك سليمان. فالهدهد ارتحل وسافر لمقطن سبأ حتى يأتي بالخبر اليقين للملك سليمان، ولم يستند إلى التنبؤ عن بعد. فالدليل الحسي أو المرئي أو السمعي مطلب للتثبت من دوامات الشك وقطع الاحتمالات الجمة بنصل السيف، ويتبعها لاحقاً مهارات التوقع للمقبل من الأيام. حتى المنجمون وقارئو الفناجين ومتخصصو الأبراج يحاولون التحرر من قيود الواقع، والضرب بالمندل للوصول إلى تصورات معقولة لجنون المستقبل. يصيبون مرة، ويخفقون مرة، وفي نجاحاتهم وإخفاقاتهم صراعات خفية للبت في وجود قدراتهم أو عدمه. يجادلهم المتابعون بوهم الاستطاعة وسرابها، ويردون عليهم بذكر نجاح احتفلوا به قبل زمن. إلا أن معظم القارئين -إن لم يكن جميعهم- عجزوا عن الإخبار بأحداث جسيمة كانت عبر الأمد. يمرون عنها مرور الكرام، لأن المرء يهوى التغني بالأمجاد لا العثرات.
الأوروبيون في القرون المنصرمة حالهم الاعتقاد بأن كل البجع أبيض اللون، وعندما حط بهم المقام في أستراليا اكتشفوا بجعاً أسود اللون. أي أن ما ظنوه عدماً هو في الحقيقة موجود، ولكنه بعيد عن تخيلاتهم. هذه القصة ألهمت البروفيسور اللبناني (نسيم طالب)، وجعلها عنواناً لكتاب أصدره. ناقش فيه الأحداث التي طبيعتها مقاربة للبجعة السوداء. أما دلالات حدوثها كما يرى ثلاث، أولاً: أنها مفاجئة وخارجة عن التوقعات. ثانياً: لها آثار جسيمة وشديدة التطرف. ثالثاً: الطبيعة البشرية تتقبل فكرة حدوثها مرة أخرى، وأنه كان يمكن التنبؤ بها مسبقاً وتفسيرها. يورد نسيم أحداثاً يمكن اعتبارها أمثلة للبجعة السوداء، ويذهب إلى أن الحادي عشر من أيلول/سبتمبر يمكن تصنيفه في هذه الفئة. فقبل يوم، لم يكن العقل يستوعب إمكانية وقوعها، لكنها حدثت. ولو سألت واستفسرت ودرست في العاشر من أيلول/سبتمبر، كان من الصعب حينها الجزم بيقينها أو التنبؤ بها. هي أحداث عظيمة تقلب الخطط رأساً على عقب، وتبقي أبواباً موصدة، وتفتح أبواباً أخرى خلفها الأعاصير والنيران. هو لا يصف بجعة تشايكوفسكي السوداء، بل يشير إلى قصور القدرة البشرية في جانب من الجوانب.
كنت قد قرأت عبارة فيها شيء من التندر والكوميديا السوداء. كان كاتبها يسخر من جدوى الخطط الاستراتيجية في منطقة الشرق الأوسط أو بلاد العربان، إن كان الرائي غير موقن تماما لمحتويات نشرة أخبار الثامنة مساء في ذات اليوم الذي هو يعيشه. ربما صراع المنجمين كان يدور في فلك الأعوام المقبلة، واليوم حري بالصراع أن يضيق أكثر ويخبرنا عن أحداث الليلة نفسها في الصباح. فأيامنا العربية حبلى بالمفاجآت، وزاخرة بما يفرح ويفزع في آن واحد. خبر يرسم البسمة، وأخبار متوالدة تنزل الدمعة حتى بات من الصعب تمييز دموع الفرح من القهر. والمتلقي يختبر الصعود والهبوط في المشاعر دون أن يكون بيده مقاليد الحكم فيها.
وهنا يأتي السؤال إن كنا مطالبين فعلاً بتوقع البجعات السوداء، وهل لو جهينة بين ظهرانينا كانت ستفلح في هذا المضمار؟! الإجابة في لب السؤال، والرهان على التعامل معها لا تخيل حدوثها. يقسّم (نسيم طالب) الكرة الأرضية إلى بقعتين: «وهدائستان» و«غلوائستان». أهالي وهدائستان متشابهون في التفكير، يعشقون المعتاد ويرفضون الجديد، وفيها تسيطر البجعات السوداء وتأثيراتها المتعاقبة التي تنحسر فيها قدراتهم على امتصاصها. أما أهالي غلوائستان مبدعون ومتعطشون للمعرفة، وفي أراضيهم البجعات السوداء أقل تأثيراً مما سواهم. ولعل هذا التصنيف يخبرنا عن تكاثر المنجمين في بلداننا، ويصدقنا القول عن ازدحام سمائنا بأسراب البجعات السوداء حتى كادت تسد ضوء الشمس عن الأدمغة، ولأهالي وهدائستان سلام!

حسام خطاب

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية