يحاول الكابينت السياسي الأمني أن يتخذ شكلاخفيًا يرى ولا يرى. فهو يدير مداولات سرية عن اتفاق مع حماس، ولكنه يحاول إخفاءها عن الجمهور. وأمس كان بحث مثل هذا أيضًا، هو الرابع في عدده في الأسابيع الأخيرة، ولكن الجمهور لم يبلغ حتى ولا بكلمة واحدة عن ذلك، وبدلاً من ذلك فضل رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو أن يحرص على أن تصل وسائل الإعلام معلومات أخرى، تقول إنه عرض على الكابينت مفهوم الأمن الإسرائيلي للعام 2030.
مفهوم أنه من الأهمية بمكان أن يسمع الوزراء تقديرات ومعطيات وسيناريوهات عما هو مرتقب بعد أكثر من عقد، ولكن في هذه الأثناء، فإن المشكلة الملحة هي غزة، ورئيس الوزراء يحاول التملص من معالجتها. وأمس أيضًا لم يجر بحثًا ولم يعقد تصويتًا.
لعل هذا هو السبب في أن وزير التعليم نفتالي بينيت لم يصل إلى بحث أمس، وفضل المشاركة في اجتماعات مديري المدارس قبيل السنة الدراسية الجديدة. وقبل مساء من ذلك، اعتقد بينيت بأن الكابينت سيبحث في تسوية مع حماس، ونشر بيانًا جاء فيه أنه هو وزميلته في حزب البيت اليهودي وزيرة العدل، آييلت شكيد، لن يصوتا إلى جانبها.
في الأيام الأربعة الأخيرة ساد هدوء مطلق على الحدود، وذلك نتيجة لمساعي الوساطة من رئيس المخابرات المصرية الجنرال كامل عباس ومبعوث الأمم المتحدة إلى الشرق الأوسط نيكولاي ملدنوف.
ومقابل التهدئة ـ الأيام الأكثر هدوءًا التي مرت دون أي أحداث منذ 30 آذار، لا بالونات حارقة ولا تظاهرات على الجدار ـ فتحت إسرائيل معبر الحدود في كرم أبو سالم لتوريد البضائع بلا قيود. 800 شاحنة أدخلت لمليونين من سكان القطاع الوقود والغاز السولار والأسمنت ومواد البناء وغذاء الحيوانات والنسيج، بل وتم توسيع مساحة الصيد إلى 17 كيلو مترًا.
دون أن تعترف الحكومة بذلك، فإن هذه هي المرحلة الأولى في صيغة التسوية التي بلورها عباس وملدنوف في محادثاتهما مع وفد كبير من حماس في القاهرة. وهكذا عمليًا يكون الطرفإن قد عادا إلى الوضع الذي كان سائدًا منذ «الجرف الصامد» قبل أربع سنوات. والمعنى هو أنه، رغم تصريحات وزير الدفاع افيغدور ليبرمان أمس، فإن إسرائيل تجري مفاوضات، غير مباشرة، مع حماس.
ولكن الطرفين أضاعا الهدوء الذي ساد في أثناء كل السنوات الأربع التي مرت منذئذ ولم يستخدماه لتسوية بعيدة المدى.
والآن يحاولان عمل ذلك، ولكن الاحتمالات غير كبيرة، فقد بقيت الفجوات واسعة مثلما كانت منذئذ. وقال مصدر سياسي كبير، أمس، إنه دون صفقة تبادل للأسرى لن يكون تقدم نحو تسوية.
حماس تطالب كشرط مسبق تحرير 40 من رفاقها، محرري صفقة شاليط، ممن اعتقلوا قبل تلك الحرب إثر قتل التلاميذ الثلاثة في غوش عصيون. واتخذت إسرائيل قرارًا استراتيجيًا بأنه مقابل جثامين الجنود ستعيد جثامين مخربين، ومقابل المدنيين الاثنين المحتجزين لدى حماس ستحرر عددًا صغيرًا من المخربين ممن ليس لهم، حسب التعريف الإسرائيلي، «دم على الأيدي».
باختصار، نحن الآن في لحظة اللابدء لمواصلة المسيرة، إلا إذا تراجعت إسرائيل، بخلاف موقفها الرسمي، ووافقت على ألا تكون صفقة تبادل الجثامين والأسرى شرطًا مسبقًا لمواصلة إعمار القطاع. وادعى موظف كبير أمس بأن موقف إسرائيل في هذا الشأن لم يتغير. طوبى للمؤمنين.
هكذا، بحيث تتعلق إسرائيل، في السطر الأخير مرة أخرى، برحمة حماس، التي إذا أرادت ـ بالتأكيد حين تفهم بأن إعمار القطاع أمر عالق مرة أخرى ـ فإنها ستستأنف هجماتها من خلال إطلاق البالونات الحارقة والطائرات الورقية، والتظاهرات على الجدار، وربما نار الصواريخ أيضًا. المشكلة هذه المرة هي أن هذا يمكن أن يحصل بعد بضعة أشهر، حين تكون إسرائيل قبيل انتخابات جديدة. فاستئناف العنف عشية الانتخابات سيمس بلا شك بنتنياهو.
فهل سبق أن قلنا إنه ليس لإسرائيل أي استراتيجية تجاه القطاع، إنما هو تكتيك يستهدف كسب الوقت فقط؟ حسنًا، ثمة أمر ما أيضًا، ولا سيما رغبة نتنياهو وليبرمان في الامتناع عن حرب زائدة مع كل أضرارها ومصابيها.
وإلى ذلك، يحاول رئيس الوزراء ووزير الدفاع العمل على خطوة غايتها زيادة ميزانية الدفاع، وذلك بخلاف الاتفاقات بين الوزير السابق موشيه يعلون ورئيس الأركان آيزنكوت ووزير المالية موشيه كحلون.
من الصعب التصديق بأن كحلون سيوافق على هذا المطلب، ولا سيما حين نبشر بأن أسعار الشقق ترتفع مرة أخرى. أجل، فمشكوك في أن يحدث تقدم ما.. ويمكن أن نشم رائحة الانتخابات.
معاريف 16/8/2018