خرافاتنا القريبة إلى النفس

حجم الخط
4

مبدئيا وأنت تختار شريك حياتك، إنسَ حكاية أن الأضداد تتجاذب لتنتج علاقات رومانسية ناجحة، لأن الدراسات أثبتت أن التوافق مع الضد نادرا ما يفلح، وأن البحث عمن يتوافق معنا في الصفات قد يكون أفضل وأسعد، فضلا عن كونه أريح للدماغ، «وسيبك من» حكاية أن الأفضل للإنسان أن يعبر عن الغضب مباشرة، بدلا من كبته داخله، فقد ثبت أن كبت الغضب ليس مدمرا للأعصاب بالطريقة التي يتم تصويرها، ولا تردد من فضلك خرافات من عينة أن هناك علاقة بين حجم المخ ومستوى الذكاء، وأن معظم الأطفال الذين يتعرضون للاعتداء الجنسي يتحولون بدورهم إلى معتدين جنسيا حين يكبرون، وأن الإنسان يستخدم 10 في المئة فقط من قدراته العقلية، وأن ذاكرته تعمل كأنها جهاز تسجيل، فقد ثبت أن كثيرا من الناس يمكن أن يرسخوا ذكريات زائفة تماما عن أحداث معقدة حدثت لهم، وأن البعض يجترون أحيانا ذكريات عن أحداث طفولة مؤلمة مع أنها لم تحدث أبدا.
ليست هذه النتائج سوى نماذج لما يحفل به هذا الكتاب الممتع، الذي خصصه بعض أساتذة علم النفس المرموقين، لتفنيد الخرافات الشائعة التي يحفل بها علم النفس الشعبي، والتي يتسامح معها البعض بوصفها غير ضارة، مع أنها يمكن أن تدفع بالكثيرين إلى اتخاذ قرارات حمقاء، متصورين أنهم يستندون إلى معلومات دقيقة عن الطبيعة البشرية، مثل حكاية أننا إذا كنا منزعجين من شيء، فكل ما علينا فعله هو أن نحاول تجاهله وإخراجه من تفكيرنا، لأن الأبحاث تشير إلى أن محاولة إخراج شيء ما من تفكير الإنسان تزيد في الأغلب من احتمالات عودته إلى حيز التفكير مجددا، هناك أيضا التصور الشائع عن هشاشة نفسية وأعصاب الأطفال، وهو ما يجعل كثيرين يستمرون في زيجات سيئة، خوفا من تأثر نفسيات أطفالهم، في حين تثبت الدراسات أن الغالبية العظمى من الأطفال يتميزون بالقدرة على تجاوز الأزمات ومواجهة عوامل الضغط العصبي، ويتجاوزون ظروف الطلاق، إذا تم بهدوء وحكمة، بدون أن يصيبهم كثير من الأضرار النفسية طويلة المدى، وأحيانا بدون أضرار، بل إنه عندما تقوم خلافات عنيفة بين الوالدين قبل الطلاق تبدو الآثار العكسية الواضحة للطلاق على الأطفال في حدودها الدنيا، لأنهم يجدون في الطلاق وسيلة للهروب من الخلافات المريرة بين الوالدين.
ينبهنا الكتاب إلى خرافات خطيرة التأثير تشيع بيننا، مثل أن من يقبلون على الانتحار هم المصابون بالاكتئاب الشديد فقط، بينما يصل احتمال وقوع الانتحار في حياة شخص مصاب باكتئاب شديد إلى ما يقرب من 6 في المئة فقط، كما ينبهنا إلى أنه ليس صحيحا أن الأشخاص الذين يتحدثون كثيرا عن الانتحار من غير المحتمل أن يقبلوا عليه، بل على العكس يعتبر تكرار الحديث عن الانتحار أحد أهم العلامات التي تنبئ عن احتمال قتل المرء نفسه، وليس صحيحا أن الانتحار يحدث في العادة بدون سابق إنذار، فقد عبّر ثلثا الأفراد الذين انتحروا أو ثلاثة أرباعهم عن نوايا الانتحار لآخرين قبل أن يقبلوا على الانتحار، وفي حين تزيد محاولات الانتحار بين النساء عنها بين الرجال، ينجح أكبر عدد من الرجال في الانتحار فعليا، ولا يشيع الانتحار على نحو خاص في أيام الشتاء المظلمة كما يعتقد البعض، بل على العكس يكون الانتحار أكثر شيوعا في أنحاء العالم في أكثر الشهور دفئا، كما أن المراهقين ليسوا الفئة العمرية الأعلى من حيث احتمال وقوع الانتحار بين أفرادها، بل هي فئة الطاعنين في السن من الرجال.
ينفي الكتاب بقوة ما يروج له الكثيرون عن اتّسام معظم المرضى العقليين بالعنف، لأن أفضل التقديرات تشير إلى أن 90٪ أو يزيد من الأفراد المصابين بأمراض نفسية خطيرة، بما في ذلك الفصام لا يقبلون مطلقا على ارتكاب أفعال عنيفة، ويحتمل أن يكون المرض النفسي الحاد سببا في ما يقرب من 3 في المئة إلى 5 في المئة من جرائم العنف جميعها، بل إن الأفراد المصابين بالفصام وغيره من الاضطرابات النفسية الحادة هم ضحايا أكثر من كونهم مرتكبي أحداث عنيفة.
كما يخالف مؤلفو الكتاب ما يشيع بين غالبية الناس عن أن أفضل طرق التعامل مع المجرمين هو استعمال الغلظة والشدة معهم، لأن الدراسات المنهجية توضح أن أساليب التقويم بالتخويف غير فعالة وتضر أكثر ما تنفع. وفي ما يخص التصور الشائع عن أن معظم جرائم الاغتصاب يرتكبها أشخاص غرباء تماما عن الضحية، تنفي الدراسات ذلك، وتؤكد أن جرائم الاغتصاب التي يرتكبها غرباء تشكل ما يقرب من 4 في المئة فقط من إجمالي هذه الجرائم.
يؤكد الباحثون أنه ليس صحيحا أن مواقف الأفراد وآراءهم تنبئ إلى حد بعيد بسلوكياتهم، بل تكون في معظم الحالات مؤشرا ضعيفا على سلوكيات الأفراد، كما أنه ليس صحيحا أنه كلما زاد عدد الأشخاص الحاضرين في حالة طارئة زادت احتمالات تدخل شخص ما، وليس صحيحا أن المجموعات الكبيرة تتخذ قرارات أقل تطرفا من الأفراد، حيث تشير الأبحاث التي أجريت على ظاهرة التحول الخطير وظاهرة الاستقطاب، إلى أن مجموعة الأفراد تميل إلى اتخاذ قرارات أكثر تطرفا مما يفعله الفرد الواحد. وليس صحيحا أن الزحام دائما يؤدي إلى مزيد من العنف، فأحيانا يقلل الزحام من معدل العنف، لأن الأفراد في المناطق المزدحمة يحاولون غالبا الحد من احتكاكهم بالآخرين.
يتطرق الكتاب إلى بعض الخرافات التي ساهمت في توسيع أرزاق مروجيها، ومنها حكاية أن بعض الناس يستخدمون جانب المخ الأيسر، والبعض الآخر يستخدم الجانب الأيمن، حيث نشأت «سبوبة» دورات تنشيط استخدام الجانب الأيمن من المخ، بينما لا يحتاج الإنسان إلى كامل مخه لكي يؤدي وظائفه بفعالية، بل إن من خضعوا لجراحة استئصال أحد نصفي المخ أثناء الطفولة بسبب حالة مرضية، يمكن لهم أن يحيوا بصورة طبيعية إلى حد معقول عند البلوغ. في سياق مشابه ليس صحيحا أن التنويم المغناطيسي مفيد في استعادة ذكريات الأحداث المنسية، كما رسخت الأعمال الدرامية في أذهان الناس، حيث تشير الدراسات إلى أن الكثير من الأشخاص الذين خضعوا للتنويم المغناطيسي بإمكانهم أن يكذبوا.
بمناسبة التصورات الدرامية الشائعة التي يكذب الكتاب كثيرا منها، يشير مؤلفو الكتاب إلى أنه لا توجد أسانيد علمية على وجود منطقة معينة داخل المهبل عند النساء تسمى «جي سبوت» تضاعف من إثارتهن الجنسية، ويؤكدون أنه ليس صحيحا أنه يجب ألا يمارس الرياضيون العلاقات الجنسية قبل المباريات الكبيرة، لأن ممارسة العلاقة الجنسية تحرق فقط 50 سعرا حراريا في المتوسط ولا تسبب وهن العضلات، ما يعني ضرورة البحث عن أسباب مختلفة لتبرير الهزيمة.

ـ «أشهر 50 خرافة في علم النفس: هدم الأفكار الخاطئة حول سلوك الإنسان» ـ تأليف: سكوت ليلينفيلد وستيفن جاي لين وجون روشيو وباري إل بايرستون ـ ترجمة إيمان أحمد عزب ومحمد رمضان داوود ـ دار كلمات عربية

٭ كاتب مصري

خرافاتنا القريبة إلى النفس

بلال فضل

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية