أمام التطور الهائل الذي شهدته وسائل الاتصال بأشكالها كافة في مجال الصحافة أو الإذاعة او قنوات التلفزة وشبكات التواصل الاجتماعي، التي تظل على الدوام السبيل السهل والمتوفر لمتابعة الأحداث وآخر التطورات.
قد تشعر بكثير من الدوار وأنت تبحر في خضم هذا الكم الهائل من المعلومات التي تتناقلها وسائل الإتصال بمختلف أشكالها، التي تتحدث عن الوضع السوري الذي أصبح قضية عالمية وخبرا رئيسيا في معظم وكالات الأنباء و مانشيتات الصحف وتفرد له كبرى الصحف مساحة واسعة على صفحاتها لمزيد من التفسيرات والتحاليل السياسية الأستراتيجية.
لتعود وتجد نفسك في مزيد من التخبط أمام هذا الكم الهائل المتدفق من المعلومات، وأنت تجهد نفسك في محاولة مقاطعة هذه البيانات والمواد المتناقضة المتخبطة المتشعبة المتفرعة المتباعدة.
مشهد مثير يجعلك تعتقد إلى حدٍ بعيد إن ما يحدث في سوريا بعد إنقضاء «مئة»عام على اتفاق «سايكس- بيكو- سازانوف عام 1916»، أنت أمام أمر مذهل ستكون له تداعياته على المنطقة والعالم، لأنه شيء غير طبيعي، ولا يسيره أحد بل هو يسير بمشيئة إلهية.
بينما أشار العديد من المحللين إلى أن التدخل العسكري الروسي في سوريا ما كان له أن يتم دون موافقة الولايات المتحدة الأمريكية أو ضوء أخضر منها على الأقل، خاصة أنه جاء بعد يوم واحد من لقاء الرئيسين الأمريكي «باراك أوباما: والروسي «فلاديمير بوتن».
ما أن تنتهي من قراءة هذا التقرير حتى تستفيق على تقرير آخر يجعلك تتراجع عن هذا الرأي، تقارير تشير إلى أن وكالة الاستخبارات الأمريكية لا تعرف ما الذي يدور في سوريا بدقة، وأخضاعها للمساءلة من قبل الكونغرس الأمريكي بناءً على تقرير نشره موقع «بوز فييد». تحت عنوان وجود ثغرات وقصور في عملها وأدائها، خاصة في ما يتعلق في حتمية التدخل العسكري الروسي في سوريا، كذلك تقديرها الضعيف للسلوك الروسي في اوكرانيا والقرم وما نتج عنه من تداعيات سياسية وعسكرية، أنتهت بضم الروس شبه جزيرة القرم واحتلال لأراض أوكرانية. ثم تتافجأ بتقرير آخر يحدثك عن صفقات وعقود تسليح يلفها شكوك في عمليات فساد قد تصل إلى 500 مليون دولار.
تقرير آخر يتحدث عن تعديل البرنامج وليس إلغاءه وذلك من خلال تقديم مساعدة عسكرية لقادة فصائل تم انتقاؤهم، وتقديم غطاء جوي لهم ذلك للحرب ضد «تنظيم الدولة». وعند جهينة الخبر اليقين.
كل هذ يدفعك للقول أن إدارة الرئيس الأمريكي عاجزة ولا تدري ما يدور حولها، وقد نستشهد على هذا بتقارير سابقة تحدثت بأن وكالة الأستخبارات الآمريكية كانت تخدع الرئيس أوباما بتقارير مبالغ فيها عن الحرب على تنظيم الدولة في العراق وحجم الإنجاز والتقدم فيها، بينما كل المؤشرات على الأرض كانت تشير إلى عكس ذلك.
أما في ما يخص التقارير عن الموقف الروسي، أفادت تقارير نشرتها وكالة أنباء عالمية، بأن مرشد الثورة الإيرانية «علي خامنئي» هو عراب التدخل الروسي في سوريا، ليس هذا فحسب، بل أشار المصدر نفسه إلى أن الروس كانوا في حالة من الذعر والتخوف من انهيار قوات نظام الأسد، حين كان ضباط ايرانيون يعرضون خرائط سوريا عليهم ويشرحون لهم كيف يمكن إعادة ضبط الأمور وتحويلها لصالح النظام، في حال تم دعمه بأسلحة أكثر تطوراً، وتدخل روسي حاسم في المعركة.
مما يدعم طرح أن التدخل الروسي في سوريا جاء برغبة من الإيرانيين.مانشرته مجلة «دير شبيغل» الألمانية،معظم الشخصيات المعارضة للنفوذ الإيراني داخل النظام السوري اختفت فجأة في الآونة الأخيرة في ظروف غامضة، هذا يؤكد ما ذهب إليه بعض المراقبين.
أن روسيا تدخلت بعد أن عجزت إيران ومليشياتها من تعديل الكفة لصالح نظام الأسد وجيشه، سواء كان هذا الطلب جاء اقرارا صريحا من إيران أو برؤية روسية متفحصة أدركت أن الإيرانيين فشلوا في مهمة إنقاذ الأسد، لذلك كان لا بد من التدخل الروسي. هذه التقارير تشير بوضوح تام أن الروس خدعوا الأمريكيين والدول الأوروبية، عندما تحدثت تلك الدول عن ليونه في الموقف الروسي المتشدد تجاه بقاء الأسد وانساق بعضهم وراء الأفكار الروسية.
ليصحوا من غفلتهم على إيقاع هدير الطائرات الروسية وهي تقصف المعارضة السورية تحت عنوان واضح دعم حكومة الأسد الشرعية.
ولا يمكن لأي مراقب أن يتجاهل أن التدخل الروسي في سوريا كان وراءه أسباب سياسية وأقتصادية خاصة بالروس.
منها على سبيل المثال، غياب التنمية في روسيا وتدهور العملة الروسية «الروبل «. سياسياً، قرب موعد الانتخابات النيابية الروسية.
لذلك قرر الثعلب بوتين استغلال لحظة تردد وتراخي الدور الأمريكي في المنطقة، ويقدم على هذه المغامرة التي تجعله رجل روسيا القوي «القيصر» وهو تسويق سياسي يفيده في الانتخابات، وتلفت النظر عن التدهور الاقتصاد الروسي الحاد الحاصل جراء العقوبات الدولية عليها بسبب ما فعلته في شبه جزيرة القرم واكرانيا.وقد بدأ بوتين يحصل على جزء من مخططه فاليوم ترتفع أسعار النفط العالمية مع توقعات بمزيد من الارتفاع الأمر الذي يقوي الاقتصاد الروسي المعتمد أساسا على تصدير النفط، كما أن الروس فعلاً بدأوا ينظرون لبوتين على أنه رجل روسيا الحديدي، ناهيك عن مصالح الشركات الروسية في سوريا والتنقيب عن الغاز السوري في البحر المتوسط.بينما كانت رئيسة المجلس الاتحادي الروسي «فالنتينا ماتفيينكو» تجيب على استفسار عن السر وراء تمسك روسيا برأس النظام السوري بشار الأسد. بالقول «نحن لا نفعل بأصدقائنا مع فعله الأمريكيون بأصدقائهم وحلفائهم، تماما كما حصل مع معمر القذافي وقبله مع صدام حسين».«وأوضحت لن يحصل مع بشار ما حصل مع القذافي». حسب ما أوردته «القدس العربي».
لتفاجأ في اليوم التالي بتقارير أخرى تنسف قول «فالنتينا ماتفيينكو». تتحدث عن أن الروس يبحثون عن بديل لبشار الأسد لكن من الطينة نفسها «العلوية « عسكري متمرس بالإجرام وخبير بالقمع وانتهاك حقوق الإنسان، ويكون خادما أمينا للمصالح الروسية.
مما يشير إلى التخبط الروسي، بيان الكرملين الذي تحدث عن أن مدة العمليات القتالية التي يقوم بها الجيش الروسي في سوريا مرتبط في تقدم جيش نظام الأسد. متراجعاً عن بيان سابق حدد فيه مدة التدخل الروسي بين الثلاثة أو الأربع أشهر.
قد يفيدنا هذا أيضاً بأن مخططات روسيا وإيران عن أمكانية إحداث خرق واسع للمعارضة السورية بشكل سريع وسهل قد فشل وخاصة بعد فشل استعراض العضلات الروسية من خلال إطلاق صواريخ من بحر قزوين التي أنفجر اربع منها في الأراضي الإيرانية و11 فقط من 26 أصابت أهدافها بحسب روسيا وهذا دليل فشل.
ولكن هذه التقارير لم تتحدث عن ردة فعل الأسد وجهاز أمنه ودائرته الضيقة التي تورطت معه من رأسها إلى أخمص قدميها من بشار الأسد، وهي المعروفة بفتكها بالخصوم والقتل بالظن والشبهة.لتعود وتجد نفسك في حالة من التخبط والفوضى أمام سيل هذه التقارير التي لا يعرف أحد على وجه اليقين إيها يصدق.في ما يستمر البعض الآخر في الحديث على أن الجغرافية السورية الحالية لن تعود كما كانت قبل عام 2011، ويضعون الخرائط حسب تكهناتهم وظنونهم وآمانيهم، عن شكل الدويلات التي ستنتج عن نهاية المأساة السورية.
الأمر الذي ذهب إليه « جون ساورس» الرئيس السابق لجهاز الاستخبارات البريطاني الذي أشار إلى أن واقع سوريا يشير إلى أنها تتعرض للتقسيم، ما بين التنظيم، الذي يسيطر على شرقها، والقوات الكردية على شمالها، والعلويين في شمالها الغربي، نعود ونقول لا تصدقوا كل ما يقال وينشر من معلومات وخرائط لأن معظمها متناقض وينافي ما هو حاصل على الأرض، يكفي أن نقول بأن العدوان الروسي على سوريا أسهم في توحيد معظم الكتائب وتشكيلها لغرفة عمليات مشتركة، هذا ما عجزوا عن تحقيقة خلال أربع سنوات انصرمت من عمر سوريا الوطن والإنسان.
ميسرة بكور
كاتب وباحث سوري