هو الخروج إذن. فقد عقد المواطن البريطاني عزمه على الخروح من الإتحاد الأوروبي في هذا الاستفتاء الأخير- و النتيجة: 51.9 للخروج، 48.1 للبقاء. فوقع الخطب كالزلزال. فارتجت الأرض في بريطانيا و في كل دول اليورو من تحت إقدام أنصار البقاء، بل و ارتجت من تحت أقدام بعض أنصار الخروج، إذ ساورهم الشك فيما اتخذوه من قرار بالخروج و شعور بالذنب و تأنيب الضمير. فكثير ممن صوتوا للخروج كانوا في شك أن الغلبة ستكون لهم. وإذا بحق عرفنا من الذي صوت بالخروج، لعلمنا جوهر هذه المشكلة المعضلة ؟ فكان من توابعه أن أعلن «دافيد كاميرون» أنه سيستقيل من منصبه، ثم لحق به وزير ماليته « جورج أوزبورن «، و الحبل على الجرار….
وعزل «جيرمي كوربن» زعيم الحزب «هيلاري بن» وزيرة خارجية حكومة الظل، إثر محاولة إنقلاب حزبية قامت بها ضده. تلاها إستقالة 8 اعضاء تضامنا مع الوزيرة المعزولة.
و تعالت أصوات لخوض استفتاء ثان. ففي صبيحة يوم السبت بعد يوم من واحد من ظهور النتيجة، أصاب موقع البرلمان الإلكتروني عطب إثر بلوغ عدد الزائرين الموقعين على طلب بإجراء استفتاء ثان ميلون زائر، ثم ناهز 3 ملايين بعد ذلك بيومين فقط ! و تداعى رجال من البرلمان على رأسهم اللورد» مايكل هيزلتاين» للدفع باتجاه إجراء استفتاء ثان فصرح الرجل أن « هناك غالبية من 350 من مجلس العموم يؤيدون بصورة جازمة الإرتباط بأوروبا». و اعلن « دافيد لامي» عضو بحزب العمال « أن الإستفتاء إستشاري و ليس ملزما.
والأعجب أن يطالب ما يربو على 100 ألف مواطن عمدة لندن بإعلان لندن عاصمة مستقلة عن المملكة المتحدة و تتبع الإتحاد الأوروبي.
زلزال ما برحت دوائره تزداد و تتسع، فأعلنت «نيكولا ستيرجن» الوزيرة الأولى في اسكتلندا أنها عاقدة العزم على المضي قدما لإجراء استفتاء ثان للإنفصال عن المملكة المتحدة.
ومن المحقق أن تنتقل العدوى إلى « الشين فين» بإيرلندا الشمالية. وفي لحظات فقد الجنيه الإسترليني 15% من قيمته أمام اليورو، و لما يقع الإنفصال بعد. وفي حالة من الغضب المتشنج طالب بعض أعضاء الإتحاد بطرد بريطانيا، وعلى عجل. ومنهم من آثر الحكمة و الروية، فاقترح عضوية شراكة بديلا عن الخروج أو استفتاء ثان على شروط الخروج.
هذا الزلزال لم يأت من فراغ. فسوف تضطر بريطانيا للخوض في مسار طويل للوصول إلى إتفاقيات تجارية بديلة مع الأتحاد الأوروبي. فطبقا للمادة الـ 50 من «إتفاقية ليسبون» سيكون أمام بريطانيا عامان لتصل إلى إتفاقات جديدة لتنظيم حركة التجارة بينها و بين الدول الأعضاء.
و من تداعيات هذا الإنفصال أن تفرض رسوم جمركية على الصادرات البريطانية من قبل دول الإتحاد بعد إن كانت تمرر بالمجان. و ستحرم البنوك في مدينة لندن من فوائد الخدمات المربحة التي كانت تقدمها لحاملي جواز السفر الأوروبي، إلا إذا انضمت للمنطقة الإقتصادية الأوروبية كشريك غير عضو مثل النرويج. بل إن أفرعا كثيرة لبنوك سوف تغلق، مما يتسبب في فقدان آلاف بل ملايين الوظائف.
إن خرجت من هذا الزازال و توابعه و نظرت إلى الأمر من مكان مرتفع بعيدا عن هذه الأرض المرتجفة، فإنه تراودك أفكار شتى تكاد تتعارض بعضها مع بعض. في البداية، تشعر أن بريطانيا ذاهبة إلى المجهول، و أن لا شيء البتة معلوم ولا. ويستحضرك المبدأ القائل : أن الإتحاد قوة و أن الفرقة و التفكك من الضعف. أليس كذلك ؟ و لكن ألا تتفق معي أن من صوتوا للخروج هم أناس من غالبية المطحونين، الذين جاء الأوروبي الشرقي فأزاحهم بكتفه إزاحة، فأخذ وظائفهم وتركهم بلا عمل ؟ نعم حقا و صدقا ! هذا ما حدث.
ألا تتفق معي أن ما ينفق من معونات الصحة و السكن و التعليم و المعاش على هؤلاء المهاجرين و أطفالهم، الذين بلغ عددهم أكثر من المليونين قد أثقلت كثيرا على خزانة الحكومة البريطانية، و أقتطعت مما كان ينفق على المواطن البريطاني و أطفاله قبل موجة الهجرة الجارفة من من شرق أوروبا الفقيرة ؟
ألا تتفق معي أن هذا الإتحاد الأوروبي بمثابة مشروع تجاري ضخم، و أن المشاريع التجارية يحصل كل شريك فيها من الأرباح بحسب نصيبه من رأس المال ؟ أنت إذن لا تستطيع أن تخالف معي إذ قلت لك أن نصيبك من الربح يقل و يكثر بقدر أسهمك من رأس المال. و على هذا لسنا على قدم المساواة في الربح و كذا في الخسارة، و إلا كان هذا هو الحيف بعينه. فليس نصيب من ساهم بألف كمن ساهم بـ 100 الف. وربما أن هذا هو جوهر المعضلة. فبريطانيا بإمكاناتها وقدراتها كثالث أكبر إقتصاد في العالم و كخامس اكبر قوة عسكرية، يتحتم أن تكون لها امتيازات ووضع غير مساو لغيره من الأعضاء.
محمد حسن