بيروت ـ «القدس العربي»: يعاني ذوو الاحتياجات الخاصة في لبنان من التهميش والبطالة وعدم إدماجهم في الحياة العامة حيث لا تزال حقوقهم تعد من أدنى سلم الأولويات الاجتماعية في الدولة في ظل تقصير الجهات الحكومية في تأمين الرعاية والحماية لهذه الفئة التي تشكل نسبة 15 في المئة من سكان لبنان (حسب التقرير الذي صدر عن البنك الدولي ومنظمة الصحة العالمية عام 2014). وبالرغم من إصدار الجمعيات المعنية واتحاد المقعدين لقانون خاص لدمج هذه الفئة في المجتمع قبل حوالي 16 عاما (قانون 220/2000) وبالرغم من أن لبنان حرص في دستوره وقوانينه على مراعاة المواثيق الدولية التي ترتكز عليها حقوق الإنسان لفئة الاحتياجات الخاصة، بقيت هذه القوانين والمبادرات غير فاعلة في ظل انتهاكات تمارس ضد ذوي الاحتياجات الخاصة في عدة مجالات أهمها حق الاقتراع والتعليم الشامل والتوظيف والطبابة. علما أن الدستور لا يحرم ذوي الاحتياجات الخاصة من حقّهم بالاقتراع، ويشدد على مبدأ المساواة بين المواطنين، إلا أنّ الممارسة حرمت جزءا منهم بشكل غير مباشر من هذا الحقّ بسبب التقصير في تأمين الآليّات والتسهيلات المناسبة لهم.
من جهة أخرى، قالت مديرة مجمع نبيه بري لتأهيل ذوي الاحتياجات الخاصة في لبنان مهى شومان جباعي لـ «القدس العربي» أن الجمعية نجحت في تحسين ظروف ذوي الاحتياجات الخاصة رغم المصاعب والتحديات التي واجهتها في ظل عدم وجود الدعم القانوني المناسب. وحسب الجمعية، فإن 24٪ من موظفي المركز ـ هم من ذوي الإعاقة. كما انها تسعى لتوظيف أشخاص من ذوي الإعاقة والكفاءة في مؤسسات مختلفة عبر شبكة علاقاتها مع المحيط.
إلا أن هذه الفئة، التي توجد نسبة كبيرة منها خارج جمعيات التأهيل، تعاني أيضا من التهميش في المجتمع ما يساهم في عزلتها وعدم قدرتها على التكيف والإنتاج. وقد تمثلت هذه النظرة النمطية مؤخرا في مشهد تمثيلي ضمن برنامج «الصدمة» الذي عرض على شاشة الـ«أم بي سي» حين قام أحد الزبائن في «السوبرماركت» بإهانة العامل الذي «يوضب الأغراض له داخل الأكياس» كون الموظّف من ذوي الاحتياجات الخاصة مستغربا الوضع ومعلّقا «عنجد عم يشتغل هون هيدا؟ كيف بيشغلو حدا مش طبيعي؟» ويردد قوله «أسرع.. صار لي ساعة ناطر». وقد إستفز هذا التصرف من قبل الزبون بعض اللبنانيين الذين حضروا المشهد ورفضوا إهانة الشاب وقالوا له «اشتغل بداله» و»ساعده ليساعدك».
وكان وزير العمل اللبناني سجعان قزي قد انتقد الحكومة اللبنانية السابقة واعتبرها «مقصرة إزاء فئة ذوي الاحتياجات الخاصة في البلاد» وضرب مثالا على ذلك أن هناك واحدا فقط من ذوي الاحتياجات الخاصة يعمل في وزارة العمل رغم أن القانون يطالب أن تكون هناك ما نسبته 3٪ من العاملين في الوزارة من هذه الفئة. وقال الوزير إن الوزارة فتحت المجال حاليا وظائف لـ39 شخصا تحرص أن يكون من بينهم خمسة من ذوي الاحتياجات الخاصة. وقد استقبل وزير الشؤون الاجتماعية رشيد درباس الأربعاء، وكيل الأمين العام للأمم المتحدة لذوي الاحتياجات الخاصة لينين مورينو غارسيس وبحث معه في شؤون ذوي الاحتياجات الخاصة. وأوضح درباس ان «الزيارة كانت مناسبة لمناقشة قانون عام 2000» مؤكدا أن «هذا القانون الذي ينص على رعاية ذوي الاحتياجات الخاصة طموحه الحقيقي ليس الوقوف عند حدود الرعاية، بل ان يصل إلى حدود الدمج ليكون ذوو الاحتياجات الخاصة جزءا لا يتجزأ من المجتمع لا يتعاطى معهم الناس كأشخاص معوقين بل كأشخاص لا يختلفون عن سواهم من المواطنين». أما غارسيس فأوضح ان البحث تطرق إلى «سبل تحسين التعاون بين الأمم المتحدة والحكومة اللبنانية لضمان حماية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة والاحتياجات الإضافية، وإلى سبل العمل المشترك من أجل تحقيق المشاركة الكاملة وادماج هذه الفئة في الحياة العامة في لبنان». ودعا لبنان إلى المصادقة على اتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة التي أقرت عام 2007 وبذل الجهد لتسريع تطبيق القوانين والسياسات ذات الصلة، لا سيما القانون 220/2000 المتعلق بحقوق ذوي الاحتياجات الخاصة». وحسب تصريحات النائب غسان مخيبر فإن المبدئين اللذين قام عليهما القانون 220 هما الانتقال من حالة الرعاية والإحسان، إلى الحقوق لذوي الاحتياجات الخاصة، وثانياً الانتقال من حالة التهميش والعزل إلى حالة الدمج لذوي الاحتياجات الخاصة، مؤكداً أن «القانون 220 ولو كان جيداً بالمستوى المعياري، يحتاج إلى تقويم لتبيان مدى الحاجة إلى تطويره على ضوء صدور اتفاق الأمم المتحدة الخاص بذوي الاحتياجات الخاصة».
وتقول رئيسة اتحاد المقعدين في لبنان سيلفانا اللقيس إنها كانت تتمنى من الجهات الحكومية القيام بإجراءات الحد الأدنى كتشكيل جسم معني بإدارة الدمج بكل وزارة من وزارات الدولة مثل بناء قدرات الموظفين في الوزارات، ورصد موازنات لتطبيق القانون. وأضافت أن تشريع القانون كان لا بد أن ترافقه حملة توعية لتقديم القانون وتعريف الناس بمضمونه.
حرية التنقل
يعاني ذوو الاحتياجات الخاصة في لبنان من عدم توافر الوسائل التي تسهل حرية تنقلهم في الشوارع والأماكن العامة كما هو الحال في معظم الدول الغربية.
وينص القانون اللبناني على حقوق ذوي الاحتياجات الخاصة ببيئة مؤهلة والوصول إلى أي مكان يستطيع الوصول إليه الأشخاص غير المعوقين ولذلك يشــرط في جميــع الأبنية والمنشــآت والمرافق العامــة والخاصة المعدة للإستعمال العام أن تكون مواصفاتها الهندسية منطبقة مع المعايير الخاصة بحقوق الأشخاص المعوقين. وتنص المادة 47 في عقوبة رفض نقل شخص معوق إعتبار كل سائق لأي وسيلة نقل معدة للنقل العمومي أو المشترك يرفض نقل شخص من ذوي الاحتياجات الخاصة مخالف لقانون السير وتكون الغرامة على هذه المخالفة مضاعفة لغرامة التوقيف في مكان ممنوع. كذلك، ينص القانون على أن تؤمن وزارة النقل باصات أو غيرها معدة للإستعمال العام وفقا للمعايير العالمية للأمان، ومجهزة بالتنبيهات الصوتية للمكفوفين. أما بالنسبة لوسائل النقل العامة غير المؤهلة لذوي الاحتياجات الخاصة فينص القانون على أن يكون فيها مقاعد قريبة من المداخل خصيصا لذوي الاحتياجات الخاصة بنسبة واحد على الأقل في كل وسـيلة نقل عامة، ويلصق الشــعار العالمي لذوي الاحتياجات الخاصة على المقعد المحجوز. ويكون لكل صاحب بطاقة شخصية الأولوية في الجلوس عليه والحق في المطالبة بمقعد مجاور له للكرسي النقال، أو للشخص المرافق ولا سيما في الطائرات والبواخر. (المادة الثالثة والثلاثون – الحقوق: أ. لكل شخص معوق الحق ببيئة مؤهلة) إلا أن هذه الشروط والتسهيلات هي شبه معدومة في لبنان حيث يواجه ذوو الاحتياجات الخاصة صعوبات كبيرة في حرية التنقل في وسائل النقل العامة والشوارع والمؤسسات العامة والأسواق.
حق التوظيف
يعاني ذوو الاحتياجات الخاصة في لبنان من البطالة، حيث تصل نسبتها إلى نحو 85٪ علما أن القانون الذي لم يطبق حتى الآن «يفرض كوتا 3 في المئة على كل مؤسسة يزيد عددها عن 60 موظفا». ويلزم أرباب العمل في القطاع الخاص التي لا يقل عدد الأجراء فيها عن ثلاثين (30) ولا يزيد على ستين (60) باستخدام أجير واحد من المعوقين، تتوافر فيه المؤهلات المطلوبة».
وحسب المادة 68 من الحقوق بالعمل والتوظيف فإن لذوي الاحتياجات الخاصة كما لسائر أفراد المجتمع الحق في العمل وفي التوظيف، يكفلها ويفعّلها هذا القانون. وتلتزم الدولة العمل على مساعدة الأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة للدخول في سوق العمل ضمن مبدأ المساواة وتكافؤ الفرص. ولا تشكل الإعاقة بحد ذاتها حائلاً دون الترشيح لأي عمل أو وظيفة. ويعتبر بحكم الملغى كل نص يشترط لأي عمل أو وظيفة سلامة البنية أو الجسد أو عدم الإصابة بإعاقة أو عاهة أو علة أو ما شابه ذلك من تعابير وألفاظ، ما يؤدي إلى الحؤول دون قبول طلب المعوق. وفتحت وزارة العمل اللبنانية المجال العام الماضي لوظائف لـ39 شخصا تحرص أن يكون من بينهم خمسة من ذوي الاحتياجات الخاصة في الوزارة إلا أن واحدا فقط من ذوي الاحتياجات الخاصة يعمل فيها.
حق الاقتراع
يعاني ذوو الاحتياجات الخاصة في لبنان، الذين يشكلون نسبة لا يستهان بها من عدد السكان، من التهميش وتجاهل أهمية حقهم وتأثيره في الانتخابات وفي تسهيل الوصول المستقل إلى أماكن الإقتراع. وبناء على المادة الثانية من المرسوم رقم 2214 تاريخ 6/6/2009 المتعلق بالإجراءات والتدابير بشأن تسهيل مشاركة ذوي الاحتياجات الخاصة في الانتخابات النيابية والبلدية، فإنه يطلب من الجهات المختصة، لا سيما آمري مراكز الاقتراع في قوى الأمن الداخلي ضرورة اعطاء التعليمات اللازمة للقيام بكل ما يلزم من أجل تسهيل مشاركة ذوي الاحتياجات الخاصة والتأكيد على الإجراءات والتدابير التالية :
1 – وضع إشارات توجه إلى مكان الاقتراع ويافطات بالخط العريض توضح آلية الانتخابات لذوي الاحتياجات الخاصة خارج وداخل أقلام الاقتراع.
2 – السماح لذوي الاحتياجات الخاصة بركن سياراتهم قرب مركز الاقتراع.
3 – العمل قدر الامكان على ضرورة توفير الممرات التي تسمح لذوي الاحتياجات الخاصة بالوصول من سياراتهم إلى قلم الاقتراع.
4 – تشغيل المصاعد الكهربائية في حال وجودها لتسهيل انتخاب ذوي الاحتياجات الخاصة والمسنين والمرضى.
5 – إنفاذا» للمادة /91/ من القانون رقم 25/2008 من حق الناخب المعوق (حركيا، بصريا، سمعيا، ذهنيا) في حال عجزه عن ممارسة حقه في الاقتراع، ان يستعين بناخب آخر يختاره هو ليعاونه على ذلك، تحت إشراف هيئة القلم أو الاستعانة بمرافق لمعاونته على الاقتراع.
6 – توفير الإمكانية لذوي الاحتياجات الخاصة لملء ورقة الاقتراع داخل العازل.
7 – إزالة العوائق الخارجية (أعمال بلدية – حفريات – مطبات) من أمام مراكز الاقتراع (وزارة الداخلية والبلديات).
وبالبرغم من ذلك رصدت الحملة الوطنية لإقرار الحقوق السياسية للأشخاص من ذوي الاحتياجات الخاصة في لبنان، خلال الانتخابات البلدية والاختيارية في أيار/مايو الماضي، مخالفات بحق الأشخاص ذوي الإعاقة تجاوزت الـ 646 مخالفة، بحسب الموقع الرسمي لـ «المردة» الذي رصد في تقرير عن نهلا ناصر الدين أبرز الخروقات من ضمنها إقفال مواقف سيارات عدة تقع قرب مراكز الاقتراع في وجه الناخبين من ذوي الاحتياجات الخاصة، حيث كانت المراكز غير مجهزة، وعملية الاقتراع غير مكيفة للناخبين المكفوفين، وغابت الوسائل البديلة المساعدة، بالإضافة إلى عدم تكييف المعلومات وتبسيطها للناخبين من ذوي الإعاقة الذهنية، وغياب لغة الإشارة أو اللغة الرقمية للناخبين الصم، وترافق ذلك مع أداء غير ملائم من قبل رؤساء الأقلام ومساعديهم.
حق التعليم
وتعاني هذه الفئة من المواطنين من خروقات وتقصير في التعليم المهني والمؤسسات التربوية علماً أن المادة 61 في تغطية نفقات التعليم ضمن المؤسسات المتخصصة تنص بتغطية وزارات التربية والشباب والرياضة والتعليم المهني والتقني، نفقات التعليم والتربية الخاصة أو التأهيل المهني لذوي الاحتياجات الخاصة داخل مؤسسات ومراكز الخدمات المتخصصة بالتربية والتعليم أو التأهيل المهني المتخصص. ويتضمن ذلك تغطية نفقات تطبيق مناهج تعليمية ورياضية واجتماعية طبية مساعدة. ورغم ذلك، فحسب السفير «لا يشكّل الطلاب من ذوي الاحتياجات الخاصة سوى نسبة قليلة جدّاً من الطلاب في معظم كليات الجامعة اللبنانية، فيما ينعدم وجودهم تماماً في كليّات أخرى… كما لا تتوفر كمبيوترات مخصصة للمكفوفين، وكذلك الحال بالنسبة للكتب في مكتبات الكليات. ولا يتواجد في الكادر التعليمي في الجامعة أساتذة يجيدون الشرح لمن يعانون من مشاكل في السمع أو النطق. وبالنسبة للمراحيض في الكليات فهي ضيّقة، مما لا يتيح للزائر إدخال كرسي متحرك، كما لا وجود لمقابض أو مغاسل أو معدات مخصّصة للأشخاص من ذوي الاحتياجات الخاصة.»
الدعم الطبي
تعاني هذه الفئة من قصور في الدعم الطبي لعدم تطبيق القانون المتعلق بهذا الشأن.
وتنص المادة 28 من القانون بحق الشخص من ذوي الاحتياجات الخاصة في الإستفادة من التغطية الشاملة التي تؤمنها وزارة الصحة العامة ويبقى مستفيدا من سائر الخدمات الأخرى (تعويضات عائلية وغيرها) التي تؤمنها الجهة الضامنة التي ينتمي إليها.
كما تنص المادة 30 المتعلقة بالوقاية تأمين حقوق ذوي الاحتياجات الخاصة في الوقاية من بعض الحوادث التي تتسبب بعدة أنواع إعاقة، كما تلزم بوضع معايير صارمة تفرض تجهيزات وبرامج تدريب وبطاقة طبية وتعليم متواصل وأساليب وتكنولوجيات ملائمة في المستشفيات ودور التوليد وغيرها من المؤسسات المماثلة. ورغم ذلك، فأنه ووفقا للمدن، فقد حصر استخدام البطاقة الطبية، التي بدأ العمل بها في العام 1993 في دخول المستشفيات في الحالات الطارئة «وهي غير معممة أو ملزمة للمستشفيات» وتعتمد معظم هذه الحالات على «مزاجية المدراء العامين ورؤساء المصالح، كما الدولة اللبنانية وسلطتها التنفيذية، التي لا تضع الشأن الاجتماعي في أولوياتها». ويرجح الدكتور نواف طبارة، مستشار وزير الشؤون الاجتماعية، عدم تطبيق القانون إلى «عدم أخذه على محمل الجد من قبل الوزارات المعنية منذ صدوره، بسبب غياب القرار السياسي، وعدم قدرة المعوقين على تشكيل قوة ضغط سياسية، لانهم انتخابيا مهمشون، وغير متحدين».
تعريف ذوي الاحتياجات الخاصة حسب القانون اللبناني
وفقا لتعريف المادة الثانية من القانون رقم 220 الصادر في لبنــان لذوي الاحتياجات الخاصة هو «الشخص الذي تدنت أو انعدمت قدرته على: ممارســة نشاط حياتي هام واحد أو أكثر، أو على تأمين مستلزمات حياته الشخصية بمفرده أو المشاركة في النشاطات الاجتماعية على قدم المساواة مع الآخرين، أو ضمان حياة شخصية أو اجتماعية طبيعية بحسب معايير مجتمعه السائدة، وذلك بسبب فقدان أو تقصير وظيفي، بدني أو حسي أو ذهني، كلي أو جزئي، دائم أو مؤقت، ناتج عن اعتلال بالولادة أو مكتسب أو عن حالة مرضية دامت أكثر ما ينبغي لها أن تدوم». ويمكن إختصار الإعاقات وفقا للمادة الثالثة من القانون نفسه بأربعة، كالآتي: الحركية، والبصرية، والسمعية، والعقلية.
ريما شري