خريطة الطريق… أم خرائط؟

حجم الخط
0

قول الرئيس دونالد ترامب «دولتان أو دولة، ما يريده الطرفان»، قضى، كما يبدو، على فكرة الدولتين. وتملص رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو الذي قال: «افضل الانشغال بالجوهر وليس بالتصنيفات»، تصريح رئيس البيت اليهودي نفتالي بينيت في ان «علم فلسطين استبدال بعلم اسرائيل»، وطوفان قوانين الضم على أنواعها الواقفة على الابواب، رفعت إلى البحث من جديد في الخطط البديلة لحل النزاع الاسرائيلي ـ الفلسطيني، والتي غطى الغبار على بعضها في جوارير واضعيها.
أحد النماذج لخطة تحظى هذه الايام بانبعاث متجدد هي خطة الفيدرالية لرئيس الكنيست الاسبق ابراهام بورغ.
ففي نهاية الاسبوع الماضي التقى بورغ في رام الله مع ابو مازن ومع مسؤولين كبار في القيادة الفلسطينية وعرض عليهم مرة أخرى الفكرة التي يحاول العمل عليها منذ 2007 كبديل واقعي، على حد قوله «في هذه الايام بالذات جدير فحصها بجدية كبيرة». في خطته يسعى بورغ لان يرى دولة يحظى كل مواطنيها بمساواة حقوق تامة، ودولتين يمكن فيهما للقوميتين المختلفتين تحقيق حق المصير. ولكن بخلاف مؤيدي الفصل من اليمين ومن اليسار، يسعى بورغ لان يرى كونفدرالية بين دولة إسرائيل ودولة فلسطين المستقلة، وهكذا فان رؤيا «نحن هنا وهم هناك» لن تخلد النزاع، وبدلا منها ينمو تعاون حقيقي بين الشعبين.
نقطة منطلق بورغ هي إقامة فلسطين إلى جانب دولة إسرائيل، في إطار معاهدة سلام نهائية. وهو يتحدث عن دولة فلسطين في حدود 1967، عاصمتها القدس الشرقية، كدولة حرة، مستقلة وسيادية، الدولة القومية للامة الفلسطينية.
ويشدد بورغ على أنه طالما لم تتحقق هذه الفكرة الأساس في ظل حل كل المشاكل المرافقة، لا معنى لكل ما يتبقى. وحسب فكرته، فان حل الدولتين لا يكفي لانه «سطحي جدا»، وهو يقترح ان يضاف إلى حل الدولتين عدة عناصر. «الدولتان هما فقط طابق واحد. وهناك حاجة في واقع الامر إلى طوابق أخرى ومن تحتها هناك حاجة إلى بنية تحتية اخرى»، يقول. «ينبغي تحديد مبدأ يقول انه بين نهر الاردن والبحر يوجد لكل انسان ذات الحقوق وذات الحريات. من فوق هذا يكون طابق الدولتين ـ دولة اسرائيلية ودولة فلسطينية ـ وفوقه يكون مبنى فوق دولة، نوع من الفيدرالية، ينسق بين الدولتين كي يكون ما يصبح احتكاكا في واقع الامر تسليما، تنسيقا وتفاهما».
وعلى حد قوله، فان المبنى المثلث فقط، وفيه دستور انساني ومدني من تحت، فصل دولي في الوسط وتنسيق فوق دولي من فوق، يمكن أن يمنح فرصة لحل النزاع. وعلى حد قوله أيضا، فان المفاوضات بين دولة اسرائيل ودولة فلسطين في موضوع الفيدرالية يجب أن تجري بين شريكين متساويين، بلا ضغط، بمستوى العيون. «هذا البديل هو جسر بين ثلاثة مفاهيم متصادمة: استمرار الكف، دولتان أو دولة واحدة. من خلال فكرة الكونفدرالية يمكن الوصول إلى توافقات واسعة وعميقة أكثر بكثير مما نعرفه اليوم»، كما يجمل بورغ قوله.
«تصريح دونالد ترامب ـ «دولة واحدة، دولتان، لاختياركم» يمنحنا أملا»، يقول عمانويل شاحف، رجل الموساد سابقا، واضع فكرة حركة الفيدرالية، التي تسعى إلى تقسيم بلاد اسرائيل من النهر وحتى البحر إلى فيدرالية من 30 كانتونا. «فهي تمنح اسرائيل، لاول مرة، الشرعية للحل السليم للنزاع مع الفلسطينيين: احل القانون الاسرائيلي على كل بلاد اسرائيل، بما فيها يهودا والسامرة وباستثناء غزة، منح حقوق مواطنة لسكان يهودا والسامرة العرب، وجعل اسرائيل ديمقراطية فيدرالية تقدمية.
المفتاح لهذا الحل هو منح حكم اقليمي ذاتي لكل اقليم في البلاد في اسرائيل وجعلها فيدرالية مع الولايات المتحدة، سويسرا، بلجيكا ودول اخرى من المتقدمة في العالم. دولة فيها اليهود والعرب يمكنهم أن يديروا شؤون بأنفسهم ويحققوا هويتهم الثقافية تحت المظلة الأمنية للجيش الاسرائيلي والمظلة الاقتصادية للاقتصاد الاسرائيلي الحديث والمتطور. وتدعو الحركة إلى ابقاء المستوطنات في يهودا والسامرة على حالها وابقاء الجيش الاسرائيلي كالقوة العسكرية الوحيدة بين البحر والنهر، بدون قطاع غزة».
وحسب الخطة، التي يعمل عليها شاحف من العام 1914، تقسم اراضي الدولة، بما فيها يهودا والسامرة إلى 30 كانتون ـ ألوية ذات حكم ذاتي تدير شؤونها الداخلية حسب احتياجاتها وما تراه مناسبا. ويكون لكل كانتون حكومة ومجلس خاص به، تضع القوانين المحلية وتدير شؤون التعليم، الحكم المحلي، حفظ الامن، التخطيط والسكن، بينما الحكومة الفيدرالية تدير شؤون الامن، الخارجية والعموم اقتصادية. وحسب الخطة، فستتسع كنيست اسرائيل واضافة إلى المجلس التشريعي القائم، يقوم مجلس آخر، نوع من المجلس الأعلى، ليمثل الكانتونات.
وحسب شاحف، يمكن للفلسطينيين أن يحققوا تطلعاتهم الوطنية في إطار الكانتونات. وتسمى الدولة الفيدرالية اسرائيل، ولكن الكانتونات التي فيها اغلبية عربية يمكنها أن ترفع علمها. وبالمقابل، يكون هتكفا النشيد القومي للجميع.
«يمكن تطبيق خطتنا باتفاق او بدون اتفاق»، يقول شاحف ويضيف بان المجموعة التي تأخذ بالاقتراح تعد نحو 50 شخصا، ويوجد بين المؤيدين ايضا النائب يهودا غليك من الليكود.

الثلاثي الاشكالي

«دولتان، وطن واحد»، هي مبادرة من إسرائيليين وفلسطينيين، يقترحون إقامة كونفدرالية من دولة اسرائيل ودولة فلسطينية على اساس حدود 1967، حرية حركة ومؤسسات مشتركة. المستوطنات تبقى بسيادة فلسطينية، والمستوطنون يمكنهم الاحتفاظ بمواطنتهم الاسرائيلية، وعدد مشابه من مواطني فلسطين يمكنهم ان يسكنوا في اسرائيل بمكانة مقيم.
ولدت المبادرة قبل نحو خمس سنوات من سلسلة لقاءات عقدها الصحافي الاسرائيلي ميرون رببورت والنشيط الفلسطيني عوني المشني، من مواليد مخيم الدهيشة للاجئين في بيت لحم والكاتب في الصحف الفلسطينية.
وحسب الخطة، تتقرر الحدود بين الدولتين حسب خطوط 4 حزيران 1967، في ظل الانهاء التام لوضع الاحتلال. وتكون الدولتان ديمقراطيتين، ويكون نظامهما قائم على مبدأ سلطة القانون والاعتراف الكوني بحقوق الانسان، كما اعترف بها في القانون الدولي، إلى قيمة المساواة، الحرية وقدسية حياة الانسان.
تمنح الدولتان الحق بتقرير شكل الهجرة إلى نطاقهما وقوانين المواطنة فيهما. وبالتالي، تكون فلسطين حرة في أن تمنح المواطنة للاجئين الفلسطينيين ودولة اسرائيل تكون حرة في منح المواطنة ليهود الشتات، كما تشاءان. وتكون الدولتان ملتزمتين برؤيا البلاد المفتوحة ويكون لمواطني الدولتين الحق في الحركة والسكن في كل أرجاء البلاد.
كما تقول الخطة ان السكان الدائمين الاسرائيليين في فلسطين يحققون حق اقتراعهم في اسرائيل، والسكان الدائمين الفلسطينيين في اسرائيل يحققون حق اقتراعهم في فلسطين. كما أن القدس تكون عاصمة للدولتين، والمقيمون الفلسطينيون يكونون مواطني فلسطين والمقيمون الاسرائيليون يكونون مواطني اسرائيل.
في الخطة أيضا آليات مشتركة لتحقيق المصالحة بين الشعبين، بينها تشكيل لجان مصالحة مشتركة، تتيح نقاشا معمقا وشاملا في مظالم الماضي في الطرفين، كما تتبلور خطط مشتركة لتحقيق المصالحة على المستوى المجتمعي، اجهزة التعليم ومؤسسات الثقافة.
لغرض تحقيق اتفاق المصالحة تتشكل هيئة دولية تكون مقبولة من الطرفين، تتمثل فيها ايضا الجامعة العربية، الاتحاد الاوروبي والامم المتحدة. وتضمن هذه الهيئة مسيرة تطبيق صيغة «دولتان، وطن واحد» وتمنحها الاسناد الدبلوماسي، القانوني والاقتصادي. وتكون رؤيا «دولتان، وطن واحد» اساسا لدمج الدولتين المستقلتين في إطار اتفاق سلام مع دول الشرق الاوسط.
«فكرة الدولتين تتجاهل نقطتين مركزيتين ـ التداخل الديمغرافي والتداخل العاطفي»، يقول رببورت، من مبادري الخطة. «ففي الضفة يوجد قرابة 15 في المئة اسرائيليين وفي اسرائيل نحو 20 في المئة عرب. اختلاط آخر اكثر جوهريا هو الاختلاط العاطفي. فالشعبان، معظمهما على الاقل، يريان في البلاد كلها وطنهما. وعليه، فالفصل بمفهوم «نحن هنا وهم هناك» وكأن هذا نزاع حدودي بين فرنسا والمانيا، هو فهم غير صحيح للنزاع وهو غير ممكن حقا. يجب أن يكون عنصر مشاركة، لان البلاد مشتركة. جزء من فكرتنا هي محاولة مواجهة ثلاث مشاكل اساسية: المستوطنين، اللاجئين والقدس. يمكن للاسرائيليين ان يعيشوا بشكل حر في فلسطين تحت سيادة فلسطينية، مع احتفاظهم بمواطنتهم الاسرائيلية، دون أن تكون حاجة إلى اخلاء جماعي. بينما المواطن الفلسطيني يمكنه أن يسكن في حيفا، في يافا او في تل ابيب. ومن الصعب حتى المتعذر مد خط حدود الفصل في القدس بشكل عام وفي البلدة القديمة بشكل خاص، ومن الصعب حتى المتعذر مطالبة الفلسطينيين الاعلان في الاتفاق بالتخلي عن حق العودة. وعليه، فان الطريق إلى دولتين مستقلتين وسياديتين تمر عبر حلول المشاركة من النوع الذي نتحدث عنه».

ليس الحل الكامل

«توجد طريق قابلة للتطبيق للحل، تؤدي إلى الهدوء والسلام الاقليمي، وهي دولة واحدة بين البحر والنهر»، يقول النائب السابق موشيه فايغلين.
في خطة فايغلين السياسية وحركته، ثلاثة بنود مركزية: بسط السيادة الكاملة على كل اراضي يهودا والسامرة ومنح مكانة مقيم، وفيها حقوق انسان كاملة لكل سكان يهودا والسامرة؛ خطة تشجيع هجرة تساعد اقتصاديا سكان يهودا والسامرة العرب المعنيين بالهجرة إلى دولة اخرى وفتح مسار تلقي الجنسية لمن يربط مصيره بدولة اسرائيل ويثبت ولاءه.
مبادىء الخطة التي يفصلها حزب «هوية» بقيادة فايغلين، تتحدث عن السيطرة الكاملة للجيش الاسرائيلي وشرطة اسرائيل فقط من البحر وحتى النهر، احلال السيادة الكاملة في كل أراضي اسرائيل ومنح ثلاثة امكانيات لنحو 300 الف عائلة «غير يهودية» تسكن في يهودا والسامرة.
«هناك طريق للتعايش مع جيراننا هنا في المنطقة، دون التخلي عن سيطرتنا في بلاد آبائنا وأجدادنا ودون المساومة على أمن بلاد اسرائيل»، يقول فايغلين، «من يريد أن يعيش معنا بسلام ـ مدعو لان يبقى هنا، ولكن بشروطنا».
ومؤخرا اقترح النائب يوآف كيش من الليكود خطة تقوم على اساس خطة الحكم الذاتي لرئيس الوزراء مناحيم بيغن الراحل، التي وضعها في 1977. وتتناول الخطة مناطق يهودا، السامرة والقدس، ولا تتضمن قطاع غزة.
وترفض خطة الحكم الذاتي اقامة دولة فلسطينية وتسعى إلى الغاء اتفاقات اوسلو، وفيها عدة مراحل ايضا. في المرحلة الاولى ـ احلال السيادة الاسرائيلية على مناطق يهودا والسامرة باستثناء مناطق الحكم الذاتي التي تعطى للفلسطينيين، والغاء اتفاقات اوسلو. ومع حل السلطة الفلسطينية تلغى الادارة العسكرية في يهودا والسامرة أيضا.
في المرحلة الثانية يقوم الحكم الذاتي، يعاد تأهيل مخيمات اللاجئين وتسعى اسرائيل إلى سلام اقتصادي وتسوية مسألة القدس. كل عربي يسكن في يهودا والسامرة ولكن خارج نطاق الحكم الذاتي يمكنه أن يختار الاقامة الاسرائيلي او الاقامة في الحكم الذاتي. في حالة اختياره الاقامة الاسرائيلية، تكون تحت تصرفه امكانية تلقي الجنسية الاسرائيلية. في حالة اختيار الاقامة في الحكم الذاتي يعرف كمقيم الحكم الذاتي في اسرائيل. في المرحلة الثالثة تسعى اسرائيل إلى تسوية سياسية اقليمية، تعطي جوابا ايضا لمسألة مكانة اللاجئين ـ المواطنين من عرب الحكم الذاتي. ويقوم الحكم الذاتي على ارض بمساحة نحو 38 في المئة من مساحة يهودا والسامرة، حيث لا توجد اليوم مستوطنات يهودية. وهو سيسمح بادارة ذاتية قصوى للسكان المحليين، ويديره مجلس اداري ينتخبه السكان المحليون. ويكون الامن في الحكم الذاتي في يد الحكم الاسرائيلي، وتحفظ حرية الوصول والعبادة لكل ابناء الاديان في أماكنهم المقدسة.
وعلى حد قول النائب كيش، فان «خطة الحكم الذاتي» تطرح صيغة لتسوية النزاع في اليوم التالي لادارة اوباما في الولايات المتحدة. وينطوي عهد ترامب على نافذة فرص لتنفيذ الخطة، التي لا تدعي كونها حلا كاملا لواقع غير كامل، ولكنها تطرح أفقا ورؤيا وتحافظ على المصالح الحيوية لدولة اسرائيل في غابة الشرق الاوسط في عصرنا.

أريك بندر
معاريف 20/2/2017

 

خريطة الطريق… أم خرائط؟

صحف عبرية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية