خريطة صراعات الحشد الشعبي والتيار الصدري

حجم الخط
1

تصاعدت حدة الخلافات بين قيادات الحشد الشعبي والحكومة المركزية ممثلة برئيس الوزراء حيدر العبادي على خلفية سعي الأخير للحد من هيمنة الحشد على قرارات المؤسسة العسكرية على الرغم من تصريحات في مناسبات عدة أكد فيها على ان الحشد الشعبي جزء من المؤسسة الأمنية العراقية، ويشكل العمود الفقري لها، ويرتبط مباشرة بالقائد العام للقوات المسلحة عن طريق هيئة الحشد الشعبي.
مراقبون مطلعون أشاروا إلى ان قرار رئيس الوزراء بإقالة أبو مهدي المهندس، نائب رئيس هيئة الحشد، وتعيين الفريق الركن محسن الكعبي بدلا منه، قد يكون السبب الأبرز الذي أدى إلى خلافات الفصائل مع الحكومة من جهة، وخلافات بين الفصائل ذاتها من جهة أخرى.
وتتركز معظم الخلافات وأوسعها، بين فصائل متوافقة مع رئيس الوزراء ومؤيدة لقراراته، مثل سرايا السلام، الجناح العسكري للتيار الصدري، وفصائل مسلحة مرتبطة بالمجلس الأعلى الإسلامي، من جهة، ومن جهة أخرى، فصائل أخرى تدين بالولاء لإيران وهي على توافق تام مع رئيس الوزراء السابق نوري المالكي، وداعمة له في توجهات يراد منها الهيمنة على القرار السياسي والأمني والعسكري، وفي مقدمتها حركة عصائب أهل الحق التي يقودها رجل الدين الشيعي المنشق عن التيار الصدري، قيس الخزعلي، وحزب الله العراقي وسرايا الخراساني وغيرها.  
تتخذ القوى الشيعية مواضع جديدة تتخندق فيها ضمن معسكر تدعمه إيران يلتزم بوحدة التحالف الوطني التي يرى مراقبون ان الإصلاحات التي من المزمع إجراءها من قبل رئيس الوزراء تشكل تهديدا لوحدته وصدارته للمشهد السلطوي في العراق. وفي مقابل هذا، يبرز معسكر آخر يقوده زعيم التيار الصدري يحاول ان يعطي صبغة وطنية عراقية. 
وعلى ما يبدو، فان خريطة الخلافات بين الكتل الشيعية انعكست على العلاقات بين الفصائل المسلحة التي باتت تمثل أجنحة عسكرية لتلك الكتل. وتعد سرايا السلام المرتبطة بالتيار الصدري، الفصيل الأكثر خلافا مع الفصائل الأخرى، وتصاعدت حدة هذه الخلافات بشكل متسارع بعد ان قاد زعيم التيار تظاهرات لجمعتين متتاليتين دعت إلى تشكيل حكومة تكنوقراط ومحاربة الفساد في مؤسسات الحكومة والدولة العراقية.
وحتى اللحظة تشير قراءة خريطة التحالفات والخلافات إلى موقف المجلس الأعلى الإسلامي الذي يتزعمه عمار الحكيم، كموقف هو الأقرب إلى موقف التيار الصدري في دعم سياسة رئيس الوزراء الداعية إلى الإصلاح السياسي، والقضاء على الفساد، وملاحقة الفاسدين، وفق رؤية مشتركة للتيار الصدري والمجلس الأعلى تتلخص في تنفيذ مشروع الإصلاح الحكومي عبر لجنة «موثوقة» بعيدة عن «التحزب والشخصنة» بحسب تصريحات لقيادي في المجلس الأعلى لوسائل إعلام محلية.
وتتزامن خلافات الفصائل مع الأزمة الاقتصادية التي يمر بها العراق بعد تدني أسعار النفط في السوق العالمية، واستمرار الانفاق العسكري متشعب الفروع على التشكيلات العسكرية النظامية وغير النظامية التي تمثلها فصائل الحشد الشعبي التي تتقاضى رواتبها من خزينة الدولة المركزية.
وتشكل المنافسة على تقاضي الرواتب سببا من أسباب الخلافات والصراعات بين المجموعات الشيعية المسلحة المعروفة باسم «الميليشيات» التي تتنافس لزج المزيد من مقاتليها في منظومة هيئة الحشد الشعبي لما توفره هذه الهيئة من امتيازات تتعلق بالرواتب وامتيازات خاصة بالقيادات، إضافة إلى التسليح اللازم.
وكان قرار رئيس الوزراء بتخفيض عدد منتسبي الحشد الشعبي بنسبة 30٪ بسبب «الأزمة المالية التي يشهدها العراق» سببا من أسباب الأزمة الداخلية التي تعيشها فصائل الحشد الشعبي، وهو القرار الذي سيؤدي إلى تسريح «ما لا يقل عن أربعين ألف منتسب والإبقاء على مائة الف منتسب فقط تابعين لهيئة الحشد الشعبي»، حسب تصريحات منقولة عن مسؤولين في الهيئة.
وترى حركة عصائب أهل الحق، ان قرار تسريح عشرات آلاف من الحشد الشعبي يأتي ضمن «مؤامرة وضغوط تمارسها الإدارة الأمريكية على رئيس الوزراء، حيدر العبادي، الذي استجاب لها لتقليص دور الحشد الشعبي»، بحسب تصريحات منسوبة إلى المتحدث الرسمي باسم عصائب أهل الحق، جواد الطليباوي.
في مقابل اعتراضات حركة عصائب أهل الحق، تؤيد سرايا السلام قرارات تخفيض أعداد منتسبي الحشد الشعبي الذي يعاني من ترهلات كبيرة بسبب ارتفاع أعداد المقاتلين الوهميين المعروفين باسم «الفضائيين» الموجودين فقط في سجلات الفصائل وتشكل نافذة لتحقيق مكاسب مادية لقادة الفصائل والقيادات البارزة، كما يدعو التيار الصدري إلى دمج مـــقــاتليه في المؤسسة الأمنية والعسكرية.
وعلى الرغم من الأعداد الكبيرة لسرايا السلام ضمن الحشد الشعبي، لكن زعيم التيار الصدري يدعو بشكل دائم إلى إعادة العمل بقانون الخدمة الإلزامية لسحب الكرة خارج ملعب الحشد الشعبي وتحقيق توازن عادل لانتساب العراقيين إلى الوحدات النظامية بعيدا عن الأسس المعتمدة بعد حل الجيش والمؤسسات الأمنية بقرار أمريكي اعقب غزو العراق.
الدعوة إلى التجنيد الالزامي لا تلقى قبولا من فصائل الحشد الشعبي الأخرى، كما هو حال دعوة زعيم التيار الصدري الأخرى بدمج مقاتلي الحشد الشعبي في القوات الأمنية العراقية للحد من هيمنة قياداته على ملفات امنية هي من اختصاص مؤسسات الدولة الرسمية، كما يحدث في بعض مدن ديالى الخارجة عن سيطرة القوات الأمنية العراقية. 
ومنذ أسابيع طغت على المشهد الشيعي حالة الخلاف الذي لم تعد القوى الشيعية قادرة على التستر عليه، أو تجاوزه وحله عبر وسطاء محليين أو إقليميين قبل ان تتصاعد حدته وينتقل اما إلى تبادل الاتهامات على وسائل الإعلام أو عبر عمليات اغتيال منظمة يتم تبادل الاتهامات بين فصيلين أو أكثر.
وكانت عصائب أهل الحق قد اتهمت سرايا السلام باغتيال القيادي البارز رضا الركابي في منزله ببغداد الجديدة، شرق العاصمة، في 11 شباط/ فبراير اندلعت بعدها مواجهات مسلحة بين الفصيلين. وشهدت المنطقة نفسها في 14 شباط/فبراير تفجير عبوة ناسفة على موكب لقيادات في سرايا السلام أدت إلى مقتل قيادي واصابة اثنين اخرين، ونقل شهود عيان لوسائل اعلام مختلفة، انتشار المئات من مقاتلي سرايا السلام في المنطقة مع غياب تام لمقاتلي حركة عصائب اهل الحق من المنطقة التي هي المعقل الرئيس للحركة. 
من جانب آخر، خرجت سرايا السلام بتظاهرة مسلحة بعد ظهر الجمعة 04 آذار/مارس. وكان مسؤول في التيار الصدري قد أعلن عن «معلومات موثقة عن أكثر من مخطط لاستهداف زعيم التيار» وهو سبب انسحاب سرايا السلام من محافظة صلاح الدين إلى العاصمة بغداد، وهو الانسحاب الذي أدى إلى خلافات واسعة مع فصائل أخرى، مثل عصائب أهل الحق التي اتهمت سرايا السلام بـ «التخاذل والخيانة». 
وأخيرا، لم تكن إيران الوحيدة التي دخلت على خط نزع فتيل الخلافات، فقد أدرك المرجع الشيعي الأعلى علي السيستاني خطورة الخلافات التي تعصف بالبيت الشيعي ونأى بنفسه عن التدخل في الشؤون السياسية، حسب ما قاله ممثله في خطبة الجمعة، وهو إعلان يمثل تطورا مهما في العلاقات بين الكتل الشيعية التي عادة ما تلجأ إلى المرجع الشيعي كلما بدت بوادر خلافات عاصفة يخشى ان تؤدي إلى انشقاقات بينية في البيت الشيعي تُفقدهم الأغلبية السياسية التي من خلالها يقودون السلطة في العراق.
ويبقى رهان كل من الولايات المتحدة والقوى العراقية خارج إطار البيت الشيعي على قدرة رئيس الوزراء في المضي قدما بتحقيق وعوده الإصلاحية والحد من هيمنة فصائل الحشد الشعبي على المؤسسة العسكرية التي يقودها، وبالتالي استثمار الدعم الأمريكي لتوجهاته من أجل وضع حد لتنامي النفوذ الإيراني عن طريق أدواته التوسعية التي تعززها القدرات المتزايدة لفصائل الحشد الشعبي.

 عبيدة الدليمي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية