خريطة مناطق السيطرة في الشمال توضح أسباب «الرعب التركي» من تسليح ترامب لـ «قوات سوريا الديمقراطية»

حجم الخط
1

إسطنبول ـ «القدس العربي»: بنظرة واحدة فقط إلى خريطة توزيع مناطق سيطرة القوى الكبرى في شمالي سوريا والتي يطغى عليها اللون الأصفر بشكل كبير جداً يمكن فهم أسباب «الرعب التركي» من قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الأخير والمتعلق بالسماح بتزويد «الوحدات الكردية» في سوريا أسلحة ثقيلة تساعدها في توسيع مناطق سيطرتها إلى الرقة وما بعدها.
اللون الأصفر الذي يشير إلى مناطق سيطرة تنظيم «وحدات حماية الشعب الكردية» أو «قوات سوريا الديمقراطية» التي تتكون في غالبيتها العظمى من الوحدات نفسها بات ينتشر على قرابة 75% من طول الحدود السورية مع تركيا الممتدة لمسافة 930 كيلومتراً.
وتمتد هذه السيطرة لمئات الكيلومترات من بداية التقاء الحدود التركية السورية – العراقية قرب مدينة سيلوبي التركية وصولاً إلى آخر نقطة شرقي نهر الفرات وبشكل ملاصق ومباشر تماماً للحدود التركية، ومن ثم مدينة منبج غربي نهر الفرات لكن تفصلها عن الحدود التركية عدة كيلومترات تسيطر عليها قوات المعارضة السورية، كما تسيطر على مدينة عفرين ومحيطها الملاصقة للحدود التركية.
وفي المقابل، تسيطر قوات المعارضة السورية المدعومة من أنقرة ـ «الجيش الحر» وفصائل عسكرية أخرى ـ على المنطقة الممتدة من بداية غربي نهر الفرات حتى أطراف مدينة أعزاز السورية، وعلى شريط آخر ممتد من مدينة أطمة حتى أطراف مدينة اللاذقية وما تعرف بمنطقة جبال التركمان.
وعلى الرغم من أن مناطق سيطرة الوحدات التركية تمتد بشكل أوسع شرقي نهر الفرات، إلا أن تركيا اعتبرت على الدوام أن تمدد هذه الوحدات إلى غربي النهر يمثل تهديداً مباشراً لأمنها القومي ووضعت خطوطاً حمراً انتهكت مراراً من وحدات حماية الشعب التي تمددت غربي النهر لا سيما في مدينة منبج كبيرة المساحة، وذلك وسط عجز تركي عن منعها لتمتعها بغطاء أمريكي في كثير من الأحيان وروسي في أحيان أخرى بحجة محاربة تنظيم «الدولة».
والثلاثاء وافق الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على تقديم أسلحة ثقيلة للوحدات الكردية لدعمها في تقدمها المتواصل نحو مدينة الرقة، وذلك بالتزامن مع إعلان الوحدات سيطرتها الكاملة على مدينة الطبقة التي ستمنحها أفقاً جديداً للتمدد في مناطق جديدة غربي نهر الفرات.
وبينما تخشى تركيا من توسع مناطق سيطرة الوحدات الكردية في شمالي سوريا بشكل عام، وتخاف من خطط الوحدات للتغير الديموغرافي والسيطرة على المناطق ذات الأغلبية العربية والتركمانية، إلا أنها «ترتعب» من أن يؤدي الدعم الأمريكي وسيطرة الوحدات على الرقة إلى التفرغ من أجل وصل مناطق سيطرتها شرق وغرب نهر الفرات وهو ما قد يعني البدء الفعلي في خطوات إقامة كيان كردي تسيطر عليه «وحدات حماية الشعب» يمتد على طول معظم الحدود التركية – السورية.
ولوصل هذه المناطق مع بعضها البعض، تحتاج الوحدات الكردية إلى ربط مناطق سيطرتها في مدينة منبج بأقرب نقطة تسيطر عليها في الجهة المقابلة على أطراف عفرين، وهي المنطقة التي تسيطر عليها قوات المعارضة السورية مدعومة بالجيش التركي في إطار عملية «درع الفرات» التي أطلقتها أنقرة في شمالي سوريا ولم تتمكن من إكمال طريقها نحو منبج لتقليل هذا الخطر، وذلك بفعل «الفيتو» الأمريكي – الروسي.
وإلى جانب خشية أنقرة من إمكانية وصول هذه الأسلحة إلى تنظيم «بي كا كا» في تركيا الذي تقول إن «ب ي د» بمثابة الامتداد السوري له وأنهما تنظيمان «إرهابيان»، ستؤدي أي خطوة فعلية نحو إقامة كيان كردي في شمالي سوريا إلى تعزيز مطالب أكراد تركيا بكيان مستقبل جنوبي وشرقي البلاد وهي القضية الأخطر في البلاد منذ عشرات السنوات.
وإذا لم يحصل ما يجبرها على ذلك، لا يبدو أن تركيا في وارد سحب قواتها المنتشرة في مدينة الباب وأطرافها كون المدينة تشكل الحصن الأخير لمنع ربط مناطق سيطرة الوحدات الكردية، ومن الصعب أن تعتمد أنقرة على قوات الجيش السوري التي باتت أضعف من الوحدات الكردية التي تتلقى تدريباً وتسليحاً متطوراً على يد القوات الأمريكية بشكل مباشر.
وفي إشارة إلى ذلك، أكد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، الأربعاء، على أن «كل تطور في سوريا والعراق مسألة تتعلق بالأمن القومي لتركيا بشكل مباشر»، مشدداً على أن الحرب في سوريا ساهمت في ظهور منظمات إرهابية مثل «ب ي د» وأن «موقف تركيا منذ البداية مع الديمقراطية والشرعية ووحدة الأراضي السورية»، وهي الإشارة المتكررة لرفض تركيا قيام كيان كردي شمالي سوريا.
وحول الدعم الأمريكي للوحدات الكردية، قال أردوغان: «نريد أن نصدّق بأن حلفاءنا سيختارون الوقوف إلى جانبنا بدلاً من الوقوف إلى جانب التنظيمات الإرهابية وسأقول ذلك بالتفصيل للرئيس (الأمريكي دونالد) ترامب خلال لقائنا في 16 أيار/ مايو الجاري»، وذلك بعد أن طالب نائب رئيس الوزراء التركي واشنطن بضرورة سرعة التراجع عن القرار الذي وصفه بـ»الخاطئ».
لكن المعطيان والتصريحات لا تشير بأي حال من الأحوال إلى وجود نية أمريكية بالتراجع عن القرار أو انتظار نتائج لقاء أردوغان – ترامب بعد أيام، حيث أكد العقيد جون دوريان المتحدث الأمريكي باسم التحالف الدولي أن واشنطن ستبدأ سريعاً تسليم شحنات أسلحة إلى الوحدات الكردية في سوريا، لافتاً إلى أن «قسماً من العتاد موجود أصلاً في المكان نفسه ويمكن توزيعه سريعاً جداص».
والقرار الأمريكي الأخير «حطم» الآمال التركية التي كانت كبيرة خلال الأيام الأخيرة في إمكانية بناء علاقات أفضل مع إدارة ترامب الجديدة الذي سيسعى خلال اللقاء إلى تقديم ضمانات وتطمينات إلى أنقرة تتعلق بمراقبة طريقة استخدام الأسلحة التي ستقدم للوحدات الكردية وضمان عدم استخدامها ضد تركيا أو بتقديم وعود تتعلق بسحب الوحدات الكردية من الرقة وتسليمها لمجلس من سكان المدينة عقب طرد تنظيم الدولة منها.
لكن أنقرة التي ما زالت تنتظر منذ 3 سنوات تنفيذ الوعد الأمريكي بسحب الوحدات الكردية من منبج لم تعد تصدق هذه الوعود والتطمينات وستسعى لمحاولة بناء إستراتيجية جديدة في العلاقات المقبلة مع واشنطن والتعامل مع التطورات الميدانية في شمالي سوريا، في ظل انحسار كبير بالخيارات السياسية والعسكرية.
وفي هذا الإطار جرت لقاءات مكثفة بين رئيسي أركان الجيش والاستخبارات التركية في واشنطن، كما هاتف، الخميس، رئيس الوزراء التركي بن علي يلدريم وزير الدفاع الأمريكي، لكن يبدو أن العرض التركي باستثناء الوحدات الكردية وشن عملية أمريكية تركية لتحرير الرقة لتحويلها لـ «مقبرة» لتنظيم «الدولة» على حد وصف أردوغان، بات بعيداً عن الواقع في ظل حسم واشنطن لقرارها بالاعتماد على وحدات حماية الشعب.

خريطة مناطق السيطرة في الشمال توضح أسباب «الرعب التركي» من تسليح ترامب لـ «قوات سوريا الديمقراطية»
«الوحدات الكردية» تسيطر على قرابة 75% من 930 كيلومتراً من الحدود مع تركيا
إسماعيل جمال

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية