خسائره مليارات ويستنزف الاقتصاد المحلي: التهريب معضلة اقتصادية وأمنية تهدد تونس

حجم الخط
2

تونس ـ «القدس العربي»: أصدر الرئيس الباجي قائد السبسي قرارا يتعلق بالتمديد في إعلان منطقة حدودية عازلة في الجنوب التونسي لسنة إضافية ابتداء من تاريخ 29 آب/أغسطس الماضي. ويعد هذا التمديد الثاني من نوعه اثر قرار جمهوري يتعلق بإعلان مناطق صحراوية في تونس منطقة عازلة. يأتي ذلك في إطار الاستراتيجية التي تعتمدها الدولة التونسية من أجل التصدي لعمليات التهريب. ولضمان فعالية أحداث المنطقة العازلة وبالتعاون مع دول الجوار التونسي، كما جرى انجاز خندق وساتر ترابي على الحدود مع ليبيا والعمل جار قصد تركيز منظومة مراقبة الكترونية.
ويرى الخبراء الاقتصاديون أن التهريب هو نقطة ضعف الاقتصاد التونسي ويشمل مختلف القطاعات التجارية والفلاحية وغيرها.. وتؤكد التقارير ان التهريب والاقتصاد الموازي بات يشكل 50 في المئة من اقتصاد البلاد. وفي الأعوام الأخيرة، ومع تعرض تونس إلى سلسلة من العمليات الإرهابية، بات التهريب معضلة كبرى تواجه البلاد باعتبار ان له صلة كبيرة بتمدد الإرهاب عبر الحدود. وكان رئيس حكومة تصريف الأعمال الحبيب الصيد قد أشار في تصريح إلى ان الدولة التونسية تتكبّد خسائر بنحو 1.2 مليار دينار سنويا بسبب التّهريب والاقتصاد الموازي.

في منظومة التهريب

الباحث والناشط السياسي مصطفى الجريء من مدينة بن قردان الحدودية التونسية المجاورة للتراب الليبي، تحدث لـ «القدس العربي» عن مختلف المشاكل والتحديات التي تواجه منطقته بسبب تفشي ظاهرة التهريب وتداعياته. واعتبر ان هناك تساؤلات عديدة تطرح حول مدى نجاعة أحداث منطقة عازلة وتمديدها لسنة إضافية وذلك من أجل الحد من ظاهرة التهريب بجميع أنواعه من القطر الليبي المجاور ولوقف تسلل الإرهابيين في الاتجاهين. وقال ان هناك تساؤلات أيضا تطرح حول مدى قدرة أجهزة الرقابة على طول الحدود من جيش وحرس وطني وديوانة على التصدي لمافيا التهريب، وأيضا ما مدى ارتباط وعلاقة التهريب بالإرهاب.

بناء هرمي

 فيما يتعلق بالبناء الهرمي للتهريب يتابع الباحث موضحا ان لقطاع التهريب منظومة وهيكلية خاصة بداية من القاعدة في البناء وصولا إلى قمة الهرم حيث نجد في القاعدة أصحاب البضاعة المعروفة علانية ثم بعد ذلك يأتي الحامل للبضاعة المهربة ومن ثم من سيقوم بالتهريب. ويستوجب على هؤلاء ان تكون لديهم دراية جيدة بمسالك التهريب، ومن شروط التهريب أيضا توفر سيارات رباعية الدفع بالنظر إلى الجغرافيا القاسية بعيدا عن الطرق الرئيسية والمعابر المعروفة. ويتابع بالقول: «وهناك أيضا مسؤول في التهريب يسمى «شواف» وهو الذي تناط به مهمة تلمس الطريق واكتشاف وجود مسؤولي الحرس والديوانة .. وقال ان هذه الشريحة مستهدفة برصاص دوريات الحرس والجيش عند عدم امتثال المهرب لشارة الوقوف. وفي وسط الهرم نجد التجار بالجملة الذين يتلقون البضاعة من سجائر ومحروقات ويكونون عادة في المدن الكبرى والعاصمة ويسمى هؤلاء «البارونات» ويمتلكون علاقات واسعة جدا وتواصل مع مافيات التهريب الدولية.

عوائق وتحديات

وفيما يتعلق بمدى فاعلية الإجراءات المتخذة من قبل الدولة التونسية، أشار محدثنا إلى انها حققت أشياء وعجزت عن تحقيق أخرى. حيث نجحت أمنيا في وقف تسلل الإرهابيين لكن فشلت في الحد من ظاهرة التهريب، ففي أكثر من مدينة تم غلق محطات بيع المحروقات بعد ان بات أرباب مؤسسات النفط في وضع معلق نظرا لوفرة المعروض القادم عبر التهريب وهو أرخص في السعر. وأوضح ان تداعيات التهريب مست البنوك أيضا جراء تصريف العملة الصعبة خارج الأطر القانونية. لذلك فإن النجاح الأمني، برأيه، قابله فشل اقتصادي لافت.

بين التهريب والإرهاب

لقد أثارت علاقة التهريب بالإرهاب وتبييض الأموال جدلا واسعا بين مقر بوجود علاقة مباشرة وارتباط بين المجالين وبين ناف له. في هذا السياق يوضح الجريء ان الأبحاث والتحقيقات التي جرت مع من تم القبض عليهم من قيادات عملية بن قردان الإرهابية في 7 آذار/مارس الماضي، جاءت لتؤكد وجود تلك العلاقة فأهم القيادات الإرهابية وهو المدعو عادل الغندوري هو في الأصل مهرب.
وتابع بأن التهريب تواصل حتى مع انجاز الخندق المائي والساتر الترابي واعلان المنطقة العازلة، حيث نجح المهربون بمساعدة أطراف أخرى في ايجاد منفذ عبر الساتر الترابي مكن من عبور سيارات التهريب. وأشار محدثنا إلى ان المهربين يلجؤون إلى دهن السيارات بلون يماثل لون الرمال ليصعب رصدها. ويؤكد محدثنا أيضا أنه، ومع توسيع شبكة الطرقات المعبدة، لم يعد ممكنا الحديث عن مسالك صحراوية للتهريب كما أصبح المهربون يتجرؤون على العبور عبر منفذ رأس الجدير ويقومون بإخفاء البضاعة وفي الغالب ينجحون في ذلك وحتى وان تفطنت إليهم الجهات المعنية فإن اقصى اجراء يتخذ هو محضر ديوانة (جمارك) قابل للتخفيف في مبلغه المالي بعد عملية تسمى بالصلح الديواني.

احتجاجات اجتماعية

يجمع المراقبون على ان قطاع التهريب أضحى غولا ومصدر قلق للحكومات المتعاقبة بعد 14 كانون الثاني/يناير وباتت هذه الحكومات بين نارين فإما الرضوخ لمطالب المحتجين من أهالي المدن المعروفة بالتهريب ومنها بن قردان وتطاوين وغيرها جراء وقف التهريب أو ترك الأمور كما هي والاكتفاء بالإقتصاد وهو ينهار. في هذا الإطار، وعن الحلول الممكنة، يرى الجريء ان الحل ليس بيد تونس ولكن بيد السلطات الليبية ويقوم على رفع الليبيين للدعم عن السلع نهائيا وتعويضه بدعم مالي للمواطن الليبي وهذا الحل موجود على طاولة المسؤولين الليبيين في انتظار تفعليه. وأكد ان مصاعب الدولة التونسية ستتواصل إلى أجل غير مسمى ما دامت بارونات التهريب تواصل عملها الذي لم يعد سريا وأنما أصبح نهارا وجهرا ـ بحسب محدثنا.
ويدافع نشطاء في المجتمع المدني التونسي على خيار تقنين التهريب غير الضار أمنيا تحت مبرر تشغيل الآلاف من العاطلين بالتجارة الموازية بالمدن المرتبطة بالتهريب ويطالب أبناء تلك المدن بتوفير عمل قار لترك التهريب.

شبكات مختصة

يشار إلى أنه في العشرية الأخيرة تم توقيف عديد شبكات التهريب. وبعد «الثورة» أصبح التهريب في علاقة مباشرة بالإرهاب. في هذا السياق أوضح الجريء انه منذ تنفيذ الإرهابيين الهجوم على بن قردان تم الكشف عن تسعة مخازن للأسلحة والذخيرة التي تدخل الأراضي التونسية عبر منفذ رأس جدير. وأوضح ان شبكات التهريب هي المسؤولة عن انتقال الإرهابيين عبر الحدود، فكل عملية تهريب لها مقابل مالي محدد. وكبار رموز الإرهاب يدفعون مقابلا ماليا أعلى من سواهم إلى المهرَبين يصل إلى حدود 50 ألف دينار تونسي للشخص الخطير، وألف دينار للشخصية العادية. ونظرا لحساسية نشاطهم فإن المهربين في الغالب يستعملون أجهزة اتصال متطورة ويصعب رصد مكالماتهم. ورغم غياب الإحصائيات الرسمية من الجهات المعنية فان نسبة كبيرة من المهربين هم من المطلوبين للعدالة.
ولفت محدثنا النظر إلى ان البعض ورث نشاط التهريب عن الآباء والأجداد وشريحة ثانية ارغمتها البطالة على الولوج للتهريب مكرهة. وقد أكدت تفاصيل وملابسات عمليات اختراق الحدود عبر المنطقة العسكرية العازلة الجنوبية التونسية من قبل ارتال سيارات المهربين ان الضالعين في تلك العمليات هم من الشريحة الأولى من المهربين. والتهريب بحسب محدثنا متوارث من جيل إلى جيل منذ القرن التاسع عشر بين المناطق الجنوبية التونسية وما يقابلها من مناطق شمال غرب ليبيا. وأشار إلى ان هذا التهريب له اصوله وقيمه وهناك ما هو متعارف عليه ويسمى «شرف المهنة»، فالمهرب في نظر أبناء هذه المناطق لا يجازف أبدا بتهريب المحظورات أو نقل سلع تمس أمن بلده مثل السلاح والمخدرات. لكن الجيل الجديد من المهربين لا يحرصون على قيم المهنة على حد قول محدثنا، لذلك يقومون بتهريب كل شيء بدءا من الأسلحة مرورا بالإرهابيين.

الحدود الجزائرية

وللإشارة فإن الحدود الجزائرية التونسية تشهد بدورها عمليات تهريب شأنها شأن الحدود الليبية التونسية. ولعل أهم البضائع التي يجلبها التونسيون من الجزائر من خلال المسالك الجبلية الوعرة والأحراش الغابية هو النفط الذي يجلب من هناك ويباع بسعر زهيد مقارنة بسعر النفط التونسي.
كما يدخل تونس تهريبا وعبر الجزائر القنب الهندي المخدر (الحشيش) الذي يتم تهريبه أيضا إلى الجزائر من الأراضي المغربية حيث يزرع هناك، وذلك بالرغم من أن الحدود مغلقة بين الجزائر والرباط. ولعل هذا ما يفسر شروع الجزائر في بناء جدار في الآونة الأخيرة على حدودها مع المغرب يبدأ من مدينة تلمسان.
وينشط أغلب سكان المدن الحدودية التونسية المجاورة للتراب الجزائري في التهريب الذي يساهم رغم مساوئه في الحد من البطالة في مدن ولايات جندوبة والكاف والقصرين وقفصة وتوزر. وبالتالي فإن القضاء على هذه الآفة يطرح تحديا على الجانب التونسي متمثلا في ضرورة تشغيل مواطني هذه المدن الحدودية وهو أمر غير متاح في الوقت الراهن بالنظر إلى الأوضاع الاقتصادية الصعبة التي تمر بها البلاد.
ويعتمد المهربون في هذه المناطق، إضافة إلى السيارات والشاحنات، على الدواب لنقل البضائع المهربة وذلك بالنظر إلى صعوبة التضاريس في تلك المناطق التي تعتبر امتدادا لسلسلة جبال الأطلس المغاربية. فهناك حمير باتت ذائعة الصيت تعبر الحدود بصورة منفردة لتعود محملة بالبضائع من الجهة المقابلة وهي تعرف طريقها وتحفظه عن ظهر قلب ولا تخطئه في كل الأحوال.
ومن بين الحلول المقترحة لمحاربة نشاط التهريب على الحدود الغربية التونسية وجوب التعاون مع الطرف الجزائري على تنمية المناطق الحدودية من خلال دمج اقتصادياتها ببعضها البعض وخلق مناطق للتجارة الحرة البينية خاصة وأن الروابط القبلية الجامعة بين الساكنة على طرفي الحدود تساعد على هذا الإندماج الطبيعي للاقتصاد. ويبدو أن الطرف الجزائري متحمس بدوره لهذا الطرح الذي يتم الإتيان عليه في البيانات المشتركة للزيارات التي يؤديها مسؤولو البلدين لبعضهم البعض.
و لعل ما يدفع إلى ضرورة الإسراع بتنمية هذه المناطق والحد من نشاط التهريب فيها هو تنامي خطر الإرهاب. فجبال الشعانبي وجبل سمامة ومنطقة وادي مليز وجبال ورغة وغيرها، والتي ارتبطت بنشاط مكافحة الإرهاب في تونس وتعقب المتورطين فيه، تقع تحديدا بهذه المناطق أي الحدود الغربية التونسية المتاخمة للتراب الجزائري، والتي كانت فيما مضى معاقل للمقاومين التونسيين للإستعمار الفرنسي، ثم وبعد استقلال تونس، استقر عناصر جبهة التحرير الجزائرية وانطلقوا منها لاستهداف المستعمر للأرض الجزائرية.

خسائره مليارات ويستنزف الاقتصاد المحلي: التهريب معضلة اقتصادية وأمنية تهدد تونس

روعة قاسم

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية