خسائر ثورة يناير ومكاسبها في الذكرى الخامسة لاندلاعها

حجم الخط
4

القاهرة ـ «القدس العربي»: بعيدا عن الجدل التقليدي بشأن الأوضاع الآنية، استدعت الذكرى الخامسة لثورة يناير في مصر اسئلة أكثر عمقا حول أهدافها التي ما زالت تنتظر من يحققها، دون اغفال بعض المكاسب والتطورات الحقيقية التي شهدها المجتمع وما كانت لتحصل من غير 25 يناير. وخرجت أصوات تطالب بعدم الاغراق في التشاؤم مذكرة بأن الرئيس المخلوع حسني مبارك اجبر على التنحي بعد ان كان يقول انه «لن يترك الرئاسة طالما في صدره قلب ينبض» وهو اليوم مدان بحكم نهائي بأنه لص ومختلس، كما تمكن المصريون من إسقاط جدار الرعب الذي طالما أحاط بسلطة «الفرعون» لآلاف السنين.
وبشهادة الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي نفسه فان «الشعب ما زال قادرا على التغيير ان اراد ذلك». واعتبرت تعليقات عديدة من خبراء ونشطاء ان الحشود الأمنية التي صاحبت الذكرى الخامسة للثورة أظهرت ان النظام يشعر بقلق حقيقي تجاه امكانية حصول مظاهرات واسعة لن يستطيع أحد ان يقف في وجهها.
وفي المقابل كانت الذكرى الخامسة للثورة مناسبة لتجديد مشاعر الحزن والأسى من الأوضاع التي آلت اليها، وخاصة عودة فلول مبارك لتصدر المشهد في العديد من المؤسسات الحاكمة، بالإضافة إلى وجود عشرات الآلاف من المعتقلين في السجون دون محاكمة، وهو تحديدا نوع من الانتهاكات التي قامت الثورة للتخلص منها. اما على صعيد العدالة الاجتماعية فان الزيادة الواسعة في الأسعار، خاصة خلال الشهور القليلة الماضية دون أي معادلة لها على صعيد الاجور تكفي لابراز جانب من مدى المعاناة بين المواطنين الأكثر فقرا الذين كانوا تفاءلوا ابان اندلاع الثورة لكن سرعان ما عاد بعضهم إلى الترحم على أيام مبارك الذي ثاروا ضده.

معاناة الناس وصلت حدودا خطيرة

واستطلعت «القدس العربي» هذا الاسبوع المزيد من الآراء حول المناسبة، وقال ناشط مقرب من جماعة»الإخوان» مفضلا عدم ذكر اسمه»ان معاناة الناس وصلت إلى حدود خطيرة. لقد تظاهر المئات من الناس في ذكرى الثورة رغم الحشود الأمنية وتعرض بعضهم للاعتقال فعلا. وحتى الذين لم يتظاهروا ليسوا مؤيدين للنظام ولكنهم يخافون من قانون التظاهر ولا يمكن لومهم على هذا». ويضيف «أنا كمواطن مصري وغيري كثيرون لم يعد يهمنا من يحكم لكننا نريد حكما يدافع عن الناس وحقوقها ويحافظ على كرامتهم، واعتقد ان هذا يمكن ان يحصل فقط بحكم مدني ديمقراطي».

الثورة تحتاج عشرات السنين حتى تحقق أهدافها

وقال الدكتور سعيد صادق، استاذ علم الإجتماع السياسي لـ «القدس العربي»: «الثورة لم تحقق أهدافها إلا بعد حدوثها بعشرات السنين، فالثورة بها جانب سياسي واجتماعي وثقافي وديني، فأي إصلاح يحدث في الدولة يحتاج إلى عشرات السنين، فما تم في الربيع العربي في مصر وتونس كان في مجال السياسة منذ عودة السياسة للمجتمع المصري الذي يتمثل في الاقباط والمرأة والشباب، لانه قبل2011 لم يكن أحد يهتم بالسياسة، كما ان نفوذ رئيس الجمهورية قل وأصبح موزعا على مجلس النواب ورئيس الوزراء وأصبح الرئيس يحكم لفترتين فقط. كما ان الثورة كسرت حاجز الخوف لدى الجميع وفي الماضي كانت وزارة الداخلية تقوم بالتغطية على امور تقوم بفعلها مثلما حدث في قضية شيماء الصباغ ولكن السيسي حقق في الأمر وأكد ان الأمر بالفعل يعود إلى الداخلية واتخذت الإجراءات اللازمة واستقال وزير الداخلية، فهناك تحولات حدثت بالفعل ولكن في مجال السياسة، فمجلس النواب الحالي هو أكبر مجلس في تاريخ مصر وبه أعلى نسبة شباب وأعلى نسبة تمثيل للمرأة والأقباط، وله الحق في رفع الحصانة وعزل رئيس الجمهورية وهو الأمر الذي لم يحدث من قبل».
وأضاف «لا توجد امكانية للمصالحة الوطنية مع الإخوان، لان الإخوان أصبحت علاقتهم مع كل القوى السياسية سيئة، ولانهم عندما استقلوا بالحكم حاولوا احتكار كل شيء وعندما هزموا طالبوا بإقامة اصطفاف وطني من جديد فلم يستجب لهم أحد لانهم فقدوا مصداقيتهم، وبالتالي لم يستطع الإخوان في الذكرى الخامسة للثورة ان يقوموا بأي عمليات إرهابية ما يؤثر على مصداقيتهم، وبالتالي لا يوجد داع أن تقوم الدولة بأي مصالحة معهم لانهم أصبحوا عاجزين عن فعل شيء، وبالتالي فأصبحت الدولة لا تعيرهم أي اهتمام».

موجة ردة انعكاسية

وقال السفير معصوم مرزوق، مساعد وزير الخارجية الأسبق: أهداف الثورة تحقق منها اختفاء جدار الخوف من السلطة وهذا من غير رجعة، والشباب المصري اكتشف قدراته في التغيير وبقي ان يكتشف ويتدرب على تنظيم وتوجيه هذه القدرات، كما تحقق انه لجيل مثل جيلي رأى أملا أو ضوءا في آخر نفق كان يبدو بدون نهاية. ولكن شأن كل الثورات شهدت ثورة 25 يناير موجة ردة انعكاسية آو ما يسمى بالهجوم المضاد تحالف فيه اليمين المصري المتعفن والذي يتمثل في طبقة الكمبرادور وهم السماسرة ومن نهبوا اقتصاديات مصر على مدار 40 عاما ومعهم آشباح الدولة العميقة الموجودة تقريبا في جميع هياكل الدولة ومعهم بالطبع التيار المسمى خطأبالتيار الإسلامي السياسي» .
وأوضح «ان هذا الانقضاض يعني اننا نعيش في حالة انحسار شديد للمد الثوري الذي كان موجودا منذ 25 يناير وحتى سقوط الإخوان المسلمين، وهذا الانقضاض المضاد يشبه عملية انحسار الموج عن هذه الثورة ولكن بمقدار قوة الانحسار اتصور ان تكون قوة المد المقبل، لان اللأسباب التي لأدت إلى ثورة 25 يناير هي التي تتجمع الآن كى تمهد للثورة المقبلة والتي اظن انها سوف تتميز عن سابقتيها بأنها سوف تستفيد من كل الأخطاء السابقة فضلا عن انها الآن قد تبين لها بالضبط مواقع اعداء الثورة والشعب لانهم أصبحوا بلا اقنعة وخرجوا جميعا إلى العلن وبالتالي أصبحوا واضحين وسوف يكون على الثوار في الفترة المقبلة التعامل معهم بكل الحزم القانوني لكى ينتهي اثرهم للابد في التاريخ المصري».
وأضاف «منذ قيام 30 يونيو لا ينبغي ان نعتبر الإخوان المسلمين جيشا مهزوما وينبغي ان تتوقف على الفور أساليب شيطنة الآخر وموجة المكاريخية نسبة إلى «جون مكاريخي» وهو السيناتور الأمريكي في الخمسينيات والذي أشاع في أمريكا جوا من الرعب حتى انقض المجتمع عليه بوعي وقضى على هذه الموجة المكاريخية، كنت اتمنى ان تتوقف على الفور المكاريخية الجديدة في مصر ومحاكم التفتيش، واحدى مهام الرئيس ان يحقق الوفاق والمصالحة الوطنية الشاملة وان يحل ثقافة الحب محل ثقافة الكراهية، وهو ما عجزت عنه الثورة المضادة لانه ليس من مصلحتها ان تستقر الأوضاع، كما لاحظت ان جحافل فلول نظام مبارك هي أكبر تهديد لنظام السيسي من حيث انها لا تريد للمجتمع الاستقرار لانه إذا استقر سوف يتم البحث في الدفاتر والتفتيش والدليل على ذلك هشام جنينة الذي انقضوا عليه بطريقة وحشية بغض النظر عن قضية الفساد».

الدولة تخطو خطوات بطيئة نحو تحقيق أهداف الثورة

وقال سامح عيد، الباحث في شؤون الجماعات الإسلامية: «ان الثورة لم تحقق الكثير من أهدافها وذلك لاننا نخطو خطوات بطيئة وتخطينا الكثير من المراحل الصعبة، ولكننا نأمل في الفترة المقبلة ومع وجود البرلمان ان نستطيع تجاوز بعض الأزمات وان يستطيع البرلمان تحقيق جزء من أهداف الثورة، ولكن ما زالت العدالة الاجتماعية بها الكثير من المشاكل والاصلاح السياسي به الكثير من العراقيل، وما زالت الامور تحتاج إلى رؤية وفكر». وأضاف «ان الثورة تخطت عقبات كثيرة ولكنها لم تحقق أهدافها، فما زال الاصلاح السياسي والديمقراطية والأحزاب تمر بمرحلة صعبة للغاية».
وأكد «ان المصالحة الوطنية تكاد تكون عملية شديدة الصعوبة ولكن على الأقل لابد من وجود عملية دفع تعويضات وجبر الضرر، فنحن بحاجة إلى تحقيق هذا حتى نمر بمرحلة الانقسام الشديدة الموجودة الآن، ولكن ليس من الضروري ان تكون المصالحة بالمعنى المفهوم والكامل ولكن لابد من تعويض وجبر الضرر لمن ماتوا في المظاهرات والاعتصامات». واوضح «ان فكرة مظاهرات الإخوان أصبحت دون جدوى ومن يريد القيام بعنف بعد الآن سوف يقوم بالانضمام إلى داعش او غيره، ولكن فكرة النزول في مظاهرات والتي من الممكن ان تؤدي إلى القتل لا مجال لها الآن، كما ان الداخلية أصبحت مسيطرة على المظاهرات وبالتالي اما سيتم قتل المتظاهر أو القبض عليه وحبسه لمدة لا تقل عن 6 سنوات».

ظروف تعيق المسيرة الديمقراطية

وقال المستشار نجيب جبرائيل، من المنظمة المصرية لحقوق الإنسان، «هناك الكثير من الأمور التي لم تتحقق من أهداف الثورة وأهمها اعتقال بعض النشطاء وأيضا فيما يتعلق بحرية الفكر والتعبير والنشر وأيضا ما يتعلق بعدم تحقيق الأمان بقدر كاف في البلاد، ولكن اعتقد ان ظروف البلاد والعمليات الإرهابية التي تحيط بمصر ربما تعيق المسيرة الديمقراطية إلى حد ما، ولكن في العموم أهداف ثورة يناير لا نستطيع القول أنها تحققت كاملة بسبب الكثير من العوامل الاقتصادية وعوامل وأد حقوق الإنسان والانتقاص منها في مصر».
وأضاف «من الصعب تصور حدوث مصالحة مع الإخوان لانهم لم يبدوا أي نوع من أنواع التخلي عن العنف أو الاقرار بالواقع الموجود في مصر حاليا أو الاعتراف بثورة 30 يونيو، وبالتالي فإن مسألة الصلح صعبة للغالية». وأوضح «ان جماعة الإخوان قاموا بإصدار فزاعة للشعب المصري بأن هناك الكثير من الأمور والاضطراب في الأوضاع، ولكنهم على علم جيد بأنهم لا يستطيعون القيام بأي شيء وان الشعب المصري أصبح أكثر وعيا واستنارة وفاعلية وحرصا على الاستقرار وليس الأمن هو من يواجه الإخوان ولكن الشعب نفسه».

منار عبد الفتاح

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية