تونس ـ «القدس العربي» عبدالدائم السلامي: يمثل النص القرآني فضاء مخصوصا بالمقدس، بل هو الفضاء الذي يمتزج فيه المتخيلُ المُتعالي بالواقعي المادي ويتبادلان التأثرَ والتأثير، إذْ في الوقت الذي يراقب فيه المتخيلُ، عبر سلطةِ أعوانه الرمزيين، مجريات الواقع ويحمي عناصرَه من التدنيس، تنزع هذه العناصر إلى التخلصِ من ثقلِها المادي معبرة عن احتياجها أحكاما صارمة (هي أسباب النزول) لتُنظم اشتغالَها وتُحِلها محلاتٍ في الوجودِ جديدة تكون فيها بعيدة عن كل انتهاك. وخلال هذه العلاقة الجدلية بين المتخيلِ والواقعي، ينهض المقدسُ مؤسسة ترعى ما بينهما من حوارٍ، وتضمن ترحلَ المعنى من أحدهما إلى الآخر ذهابا وإيابا، وهو ما يمكنُ نبتَ المقدسِ من النماءِ ويسهل على عناصر الواقع الاغتناءَ منه إشباعا لحاجاتها الدلالية الطارئة.
النص المكي والمدني
وقد توزع هذا الحوار داخل النص القرآني من حيث الزمنُ، ومن حيث المكانُ على صنفيْن من التنزيل: أولهما التنزيل المكي لفترة ما قبل الهجرة النبوية، وتركزت وظيفته على المسألة الإيمانية، وما تقوم عليه من دعوة الناس إلى توحيد الله والإيمان بالبعث وتعرف حدود الخير وحدود الشر، وعرض قصص الأنبياء وما لاقوا من تكذيب أقوامهم لهم، والترغيب في الجنة والترهيب من النار، وانتقاد سلوك المشركين من سفك الدماء ووأد البنات والتعدي على الحرمات. وثانيهما التنزيل المدني للفترة التي تلت الهجرة النبوية، رغم ما نجد في هذا الشأن من اختلاف في الآراء، من ذلك أنه قيل إن «للناس في ذلك ثلاثة اصطلاحات أحدها: أن المكي ما نزل في مكة، والمدني ما نزل في المدينة. والثاني وهو المشهور: أن المكي ما نزل قبل الهجرة وإن كان في المدينة، والمدني ما نزل بعد الهجرة وإن كان في مكة. والثالث: أن المكي ما وقع خطابا لأهل مكة، والمدني ما وقع خطابا لأهل المدينة، وعليه يحمل قول ابن مسعود الآتي؛ لأن الغالب على أهل مكة الكفر فخوطبوا (يَا أَيهَا الناسُ) وإن كان غيرهم داخلا فيها، وكان الغالب على أهل المدينة الإيمان فخوطبوا (يَا أَيهَا الذِينَ آمَنُوا) وإن كان غيرهم داخلا فيهم» (الزركشي: البرهان في علوم القرآن). وتكفلت الآيات المدنية بتفصيل جميع التشريعات وبيان أهدافها، سواء ما تعلق منها بالعبادات ومخاطبة أهل الكتاب لترغيبهم في الدخول إلى الإسلام، وتنبيه المؤمنين إلى خطر المنافقين على الدين الجديد ودعوتهم إلى الجهاد، أو ما كان متصلا منها بحدود المعاملات الاجتماعية، إنْ كان في فضاء الأسرة وتنظيمها أو في فضاء الحكم وتدبيره، إضافة إلى مسائل واقعية أخرى كشن الحرب وإعلان السلم والبيع والشراء.
المقدس وتبعاته
وعلى مدار هذين الصنفين من التنزيل، حضر المقدسُ وتنامت فاعليتُه الخِطابيةُ داخل النص القرآني عبر سبيل مجموعة من الدوال حصرناها في ثمانية جذور فعلية يمكن توزيعها إلى أربعة أزواج، بالنظر إلى ما بينها من تضاد دَلالي ثنائي، وهذه صيغتها: (قدس – دنس؛ لا يوجد هذا الجذر بالنص القرآني)، (حلّل – حرّم)، (طهر – رجس)، (طيب – خبث)، أو توزيعها إلى رباعيَين اثنين، باعتبار ما نلحظ بينها من تناقض معنوي، فتكون على الصيغة (قدس، حلل، طهر، طيب) و(دنس، حرم، رجس، خبث). ولا شك في أن حضور المقدس عبر محمل هذه الجذور الفعلية في توزعها بين التنزيل المكي والتنزيل المديني أثار فينا الرغبة في التساؤل عن طبيعته الدلالية: هل هو مقدس إيماني بَحْتٌ يقف دورُه عند تمتين علاقة المؤمن بربه وتحديد أشراط صفائها؟ أم هو مقدس واقعي يتكفل بتنظيم علاقات الناس في الأرض وينتظِمُ به سلوكُهم الاجتماعي؟
الفعل وحضوره الأقصى للمقدس
إن الإجابةَ عن هذا التساؤل تستوجب منا النظرَ في «كمية» حضور المقدس في الآيات المكية و«كمية» حضوره في الآيات المدنية، على ضوء اختصاص آيات الصنف المكي بالإيمان واختصاص الآيات المدنية بالتشريع الاجتماعي. وعليه لا تَخْفى في النص القرآني كثافة حضور الجذور (حلل، حرم، طهر، رجس، طيب، خبث) في الآيات المدنية، ذلك أن الواحد منها ورد على الأقل مرتيْن في الآية الواحدة من مجموع الآيات المذكورة. وهي كثافة تشي بانصباب محامل هذه الجذور التوجيهية على مجريات حياة الناس. كما ينعدم وجود الجذر (دنس) في كامل النص القرآني. وهو أمر يمكن أن نرده إلى كون قداسة النص القرآني، في لغته وفي محتواه التشريعي، بلغت حدا انتفى فيه ظهور المدنس حتى على مستوى الحضور اللفظي. وتفيد الأعمال القولية التي أُنجزت عبر محامل هذه الجذور إما النهيَ، بالنسبة إلى الجذور (حرم ورجس وخبث) وإما الترغيبَ، بالنسبة إلى الجذور ( قدس وحلل وطهر وطيب)، وذلك في سياق تكفلِ الشرع بتوجيه المؤمنين إلى ما به تصلح حياتُهم الاجتماعية. وعلى هَدْيٍ من هذه الاستنتاجات الأولية، يمكن الخلوص إلى استنتاجٍ رئيسٍ بالنسبة إلى مسألة حضور المقدس في النص القرآني، وصورتُه أن الطابع الواقعي الاجتماعي يطغى على دَلالاتِ المقدس أكثر من طغيان الدلالة الإيمانية عليه؛ إذْ، بالعودة إلى ما كنا ذكرنا من أمرِ اختصاص السور المدنية بالتشريعات الاجتماعية، والسور المكية بالأحكام الإيمانية، نقف على أن نسبة حضور المقدس في الآيات المدنية بلغت 60٪ بينما بلغت نسبة حضوره في الآيات المكية 40٪، وهو ما يُجيز لنا القول بأن المقدس في النص القرآني ينحو، من جهة وظيفته التمييزية، منحى اجتماعيا واقعيا تتوزع بمقتضاه جميع الأشياء والأفعال على صنفين، أولهما محمود وطيب وحلال، وثانيهما ممنوع وخبيث وحرام ومذموم ومدنس، وذلك على اعتبار أن «ما يهيمن على علاقات الإنسان بعالَمه الخارجي هو التمييز الذي يُجريه بين ما هو حرام، وغير شرعي، وممنوع، ومنهى عنه من جهة، وما هو حلال، وشرعي، ومباح، وغير محظور من جهة ثانية. وإن القول بأن فلانا يخلط بين الحرام والحلال ليس إلا اتهاما له بجهله التام بأمور دينه» (يوسف شلحت: بُنَى المقدس عند العرب قبل الإسلام وبعده). ونجد صَدى لهذا في الحديث القائل: «إن الحلال بينٌ وإن الحـرام بينٌ وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات فـقـد استبرأ لديـنه وعـرضه، ومن وقع في الشبهات وقـع في الحرام، كـالراعي يـرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه، ألا وإن لكل ملك حمى، ألا وإن حمى الله محارمه» (رواه البخاري ومسلم).