أحدث رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يوم الثلاثاء (3/3/2015) في المشهد السياسي الأمريكي «زوبعة في فنجان» ويصدق عليه المثل «أسمع جعجعة ولا أرى طحنا»، فقد جاء كعادته متسلحا ومدعوما بنواب اختاروا أمن إسرائيل على مصالح بلدهم القومية ويخافون من رئيس لجنة العلاقات الإمريكية- الإسرائيلية (أيباك) أكثر مما يخافون رئيسهم. جاء نتنياهو للكونغرس وهذه ليست المرة الأولى حاملا رسالة مفادها ان لا صلح جيدا مع إيران وعلينا أن لا نضيع وقتنا وعلينا أيضا استخدم لغة القوة معها. وقد استخدم هذا المنطق بطريقة مقيتة واستدعى التاريخ القديم والحديث واستخدم فكرة «المظلومية» التاريخية لليهود. وفي هذه المرة أعمل مع «نوابه» لغة التخويف، وصور لهم الحال وكأن البرابرة/ الفرس يقفون على باب المدينة ويحتاجون والحالة هذه إلى ملك أو ملكة يهودية تخرج من رماد التاريخ التوراتي لينقذهم من «تنظيم الدولة» الإيراني. كان نتنياهو في خطابه الذي استمر 40 دقيقة كرئيس أمريكي يلقي خطابا عن «حالة الإتحاد» ويحدد من خلاله مهام إدارته الخارجية والداخلية. وكان رئيس الوزراء الأمريكي مشغولا بالسياسة الخارجية والتي تشمل إسرائيل مؤكدا أن الرئيس الأمريكي باراك أوباما ليس الرجل الصالح لحماية مصالح إسرائيل القومية، وبهذه المثابة كان نتنياهو «الذكي» يضرب على وتر حساس لدى النواب الجمهوريين والذين لا يثقون أنفسهم بقدرة الرئيس على حماية مصالح أمريكا الحساسة.
ليست هذه هي المرة الأولى التي يحل فيها بنيامين نتنياهو ضيفا على الكونغرس، فقد جاءها مرتين وهو بهذه المثابة مثل الزعيم التاريخي البريطاني وينستون تشرتشل بخلاف أن الأخير تحدث أمام مجلس نواب أمريكي متحد وعلى قلب رجل واحد. فقد جاء نتنياهو كضيف ثقيل ولم يتورع أن يقف مع طرف ضد طرف آخر في سياسة النزاع بين الحزبين. ووضع النواب الديمقراطيين أمام خيار واحد اما إسرائيل أو أوباما. امتنع بعضهم وحضر آخرون على تردد خوفا من اللوبي الإسرائيلي وحفاظا على مراكزهم.
ألقى نتنياهو خطابا اعتبره مؤيدوه «عظيما» ولكنه «أضر بعلاقات # إسرائيل مع أمريكا» كما كتب نيكولاس بيرنز، المسؤول السابق في الخارجية الأمريكية أثناء ولاية جورج دبليو بوش في تغريدة له. وفي التقييم العام وبعد كل هذا الحديث والتحليل الممل أحيانا من المعلقين الأمريكيين لم يأت الخطاب بجديد حول طريقة مواجهة إيران حالة قررت إدارة الرئيس أوباما وقف المحادثات النووية التي على ما يبدو يتشكل من خلالها «اتفاق» سيكون بالتأكيد إن تم «إرث» أوباما في مجال السياسة الخارجية. ورغم كل هذا فقد كان فقد كان أوباما سريعا للرد على الضيف الثقيل ويقول إنه قرأ نسخة الخطاب ولم يجد فيه جديدا. ونقلت محطة «سي أن أن» عن مسؤول أمريكي تأكيده أن خطاب نتنياهو لم يأت بجديد أو بديل واحد «كلام بدون فعل».
مسرح
وقد أحسنت صحيفة «نيويورك تايمز» وصف المشهد ودخول نتنياهو قاعة الكونغرس وسط ترحيب النواب وقالت «لم يكن يأمل رئيس الوزراء الإسرائيلي بترحيب أفضل من الذي لقيه. ترحيب عاصف في الكونغرس، من الجمهوريين كافة ومعظم الديمقراطيين، فقد دخل مجلس النواب وسط تصفيق عاصف ملوحا بيده مثل بطل فاتح وأحاط به مشرعون متملقون حيث مضى إلى المنبر. ولا تشهد واشنطن في العادة هذا المستوى من المسرح السياسي الإستغلالي، وما جعله سيئا أن المقصود منه وبشكل واضح كان تحدي الرئيس أوباما في سياسته الخارجية». وكانت الصحيفة واضحة في تقييمها أن نتنياهو لم يقدم شيئا له قيمة جوهرية. وهدفه الواضح من هذا الأداء هو الظهور بمظهر المتشدد في مجال الأمن قبل الإنتخابات الإسرائيلية في 17 آذار/مارس المقبل «فلم يقدم جديدا حول إيران ولا أسبابا جديدة تدعو لرفض الإتفاق الذي يتم التفاوض عليه بين إيران والولايات المتحدة وخمس دول كبرى». وتذهب الصحيفة بعيدا في تقليلها من أهمية خطاب فشل في تقديم بديل منطقي للتعامل مع الملف النووي الإيراني. وترى أن الإتفاق النووي لن يؤدي إلى نهاية النشاطات الإيرانية بل سيقننها فلن يسمح لطهران مثلا تخصيب اليورانيوم فوق نسبة 5٪ وهي النسبة التي تحتاجها لإدارة برنامج نووي مدني. وفي السياق نفسه لن يوقف تدمير المنشآت النووية الإيرانية، كما يطالب الإسرائيليون، نشاطاتها فقد اكتسب الخبراء النوويون الإيرانيون خبرات عمرها 6 عقود تجعلهم قادرين على إعادة بناء مشروعهم. والصحيفة وإن اتفقت مع نتنياهو في رفضه لتصرفات إيران وطموحاتها في المنطقة إلا أن هذا هو بالتأكيد سبب حرص أوباما على توقيع اتفاق معها. وينسى نتنياهو أن نفوذ إيران في العراق سببه الغزو الأمريكي له والذي دعمه. وتذكر الصحيفة أن أوباما لن يوقع اتفاقا وهو يعرف ان إيران ستخرقه. ومن هنا يجب على الكونغرس الذي رحب بنتياهو وصفق له أن لا ينسى مسؤوليته وهي تبني خيارات تدعم مصالح أمريكا القومية. وفي حالة تخريبه جهود أوباما فسيتحمل نوابه المسؤولية .
وتعبر «نيويورك تايمز» عن واقع أمريكي يدعم اتفاقا مع إيران كما وجد استطلاع لجامعة ميرلاند أجراه برنامج المشاورة العامة وكرسي السادات للسلام والتنمية مركز السادات حيث عبرت نسبة 61٪ من المشاركين عن دعمها لعقد صفقة. ويقول ستيفن كال المسؤول عن الإستطلاع أن الأمريكيين قد يقتنعون بنقاش الطرفين، وقف المحادثات وفرض عقوبات أو التوصل لاتفاق «ولكن عندما سئلوا في النهاية لاتخاذ قرار» كانت «الغالبية مع عقد صفقة».
مقامرة
وفي هذا السياق تناولت صحيفة «لوس أنجليس تايمز» ما جاء في مرافعة نتنياهو والتي قامت على تحذير الأمريكيين من المقامرة والثقة بإيران ولكنها «حسب رأينا مخاطرة تستحق المحاولة». وقالت إن خطاب نتنياهو خيب الأمال «فعندما قبل دعوة من الجمهوريين إلقاء خطاب حول إيران، توقع البعض أن يقدم رئيس الوزراء الإسرائيلي تفاصيل جديدة عن الإتفاق النووي الذي يتشكل، وفي الحقيقة لم يركز خطابه على التفاصيل ومظاهر القصور فيما وصفه «صفقة سيئة» وركز على فكرة أنه سيعزز من قوة المتطرفين الدينيين».
وقالت إن ما جاء في الخطاب كله صحيح حول القمع في إيران للمعارضين والصحافيين وتحالفها مع بشار الأسد ودعمها للمتطرفين الشيعة في لبنان وكل ما يصدر عن قادتها ضد إسرائيل من تهديدا هذا شيء والإستفادة من استعداد القيادة الإيرانية للتفاوض حول قيود على برنامجهم النووي شيء آخر. مشيرة أن تقييد البرنامج النووي الإيراني مصلحة إسرائيلية أيضا. ورأت أن الخلاف بين نتنياهو وأوباما ليس حول تفاصيل الإتفاق التي لم تظهر بعد، ولكن حول مفهوم التفاوض، فإيران حسب مفهومه بلد كله شر ولا يمكن التفاوض معها أو الثقة بها. أما أوباما وفريقه فيرون أنها بلد عقلاني يرد الحوافز والعقوبات. وتعتقد الصحيفة أن خيار الدبلوماسية يظل الخيار الأكثر حكمة مقارنة بالخيار العسكري الذي يدعو إليه البعض.
أين التفاصيل؟
وفي تحليله للخطاب لاحظ ريتشارد هاس، مدير مجلس العلاقات الخارجية الأمريكي بمقالة نشرتها «فايننشال تايمز» اللغة العامة والنزعة الأبوية لنتنياهو فهو لم يقدم في كل نقاشه عن الملف النووي الإيراني وخطره تفاصيل محددة وبالتالي لم تكن لديه رؤية وحلولا لمواجهة إيران بدون الإتفاق معها. كل هذا أضعف قضيته التي حملها معه إلى واشنطن، وحتى عندما طالب بصفقة مع إيران يمكن لإسرائيل وجيرانها التعايش معها لم يقدم تفاصيل عن الصفقة التي يريدها. وكما علق هاس «مع كل هذا العرض المسرحي، لم يجب الخطاب على الإسئلة الرئيسية: ما هو الإتفاق الجيد بصورة كافية، اتفاق يتم التوصل إليه مع إيران ويكون أفضل من لا اتفاق؟ وما هو المقترح المنطقي الذي إن رفضته إيران فسيقود الدول الغربية لنتيجة وهي أنها هي الملامة ويجب والحالة فرض عقوبات أشد عليها».
إذا لم ينجح نتنياهو كما يرى هاس في تحسين منظوره الإنتخابي في إسرائيل ولا تحسين موقعه للمناورة ضد الإتفاق الذي يتشكل مع إيران. فقبل ساعات من إلقائه خطابه أظهر استطلاع إسرائيلي أن الليكود سيحصل على 21 مقعدا مقارنة مع 24 لمنافسيه وهذا يعني ان نتنياهو في طريقه للخروج من السلطة. جزء من فشل رئيس الوزراء الإسرائيلي أنه تجنب كل التفاصيل الكافية لدحض جهود أوباما وركز جهوده على إرعاب السياسيين الأمريكيين حتى الموت كما وصف كريس ماغريل مراسل صحيفة «الغارديان» في واشنطن. وفي هذا الإطار استخدم اللغة التخويفية كي يؤكد للنواب أن أوباما كرئيس لا يمكن لإسرائيل الثقة به لحمايتها. وهنا يكمن إنجاز نتنياهو الكبير وهو أنه وسع من درجة عدم الثقة بين الأمريكيين والإسرائيليين.
عقدة إيران
نتنياهو ليس السياسي الوحيد في إسرائيل من دق ناقوس الخطر ضد إيران لكنه حسب روبن رايت في مجلة «نيويوركر» الوحيد الذي بنى مسيرة سياسية من خلال شن حملات عليها. ففي عام 1992 وعندما كان نائبا في الكنيست قال إن إيران ليست بعيدة سوى ثلاثة أو خمسة أعوام عن انتاج قنبلة نووية ودعا إلى «محو برنامجها من خلال تحالف دولي تقوده الولايات المتحدة». وعاد للموضوع عام 1995 في كتابه «مكافحة الإرهاب». وفي الحقيقة كانت إيران بعيدة أكثر من عقد من الزمان عن اكتساب تكنولوجيا القنبلة النووية، فلم يتوصل الخبراء الأمريكيون حسب التقدير الأمني القومي إلا عام 2007 أن إيران قد طورت فعلا قدرات في مجالات معينة مثل تخصيب اليورانيوم وتصنيع الرؤوس النووية. وبنفس القدر وتساوقا مع عدائه لإيران دعم نتنياهو التدخل العسكري الأمريكي. وقدم في عام 2002 شهادة أمام الكونغرس لصالح غزو العراق وتوقع أن تترك الإطاحة بصدام حسين «اهتزازات ضخمة وإيجابية في المنطقة» وتعبد الطريق أمام ثورة في إيران ضد رجال الدين. وقال « السؤال ليس فيما إن كنا نريد تغيير النظام في إيران ولكن كيف لنا تحقيقه»، واليوم تسيطر إيران على العراق وتؤثر في مصيره أكثر من بلد آخر. ولم ينس جون كيري، وزير الخارجية تذكير الكونغرس قبل سفره لسويسرا للقاء وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف «كان رئيس الوزراء كما تتذكرون من المتحدثين وفي مقدمة من دعا لغزو العراق أثناء حكم جورج دبليو بوش. وكلنا يعرف ما حدث نتيجة ذلك القرار». ورغم مرور 12 عاما على غزو العراق إلا أن نتنياهو لا يزال وفيا لخطاب المحافظين الجدد وما يمثله جورج بوش، ففي مقاربته بين تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام وإيران يذكرنا باتهام الرئيس بوش صدام حسين بالتعاون مع القاعدة رغم علمه وبوش أنهما أضداد.
بيتر بان
بالنسبة لفريد زكريا في «واشنطن بوست» فخطاب نتنياهو هو تعبير عن مسؤول منفصم عن الواقع ويعيش في عالم بيتر بان «نيفرلاند». ويناقش زكريا أن رئيس الوزراء الإسرائيلي ظل مخطئا في تكهنانه، فقد كان بإمكان إيران تصنيع قنبلة نووية قبل وقت طويل ولكنها لم تقدم على العمل رغم حصولها على المعرفة اللازمة. والسبب كما يقول زكريا هو عدم رغبة إيران التعرض لضغوط دولية كبيرة، رغم تحملها الحصار منذ 36 عاما. وحتى المعلق توماس فريدمان الذي تعاطف في مقالة له بنيويورك تايمز مع قضية نتنياهو لم يعجبه ما جاء في الخطاب. ويعتقد ان اتفاقا مع إيران من مصلحة أمريكا إن اشتمل على نظام تفتيش قاس يحدد من قدرة طهران على تعزيز قدراتها من جديد. وبعيدا عن مواقف نتنياهو من الإتفاق يتساءل فريدمان إن «كانت رسالة بيبي هي لا شيء أهم من ردع إيران. صحيح، ولكن هل أولويتي هي هندسة دعوة من أجل التحدث أمام كونغرس لا نفوذ لي فيه إلا على الجمهوريين وأفعله حتى بدون إعلام الرئيس الذي يدير المفاوضات مع إيران؟ وهل ألقيه قبل أسبوعين من الإنتخابات الإسرائيلية، حيث يظهر أنني أستخدم الكونغرس كخلفية لدعاية الحملة الإنتخابية مما يطرح أسئلة أن موقفي منة إيران ليس إلا تصنعا سياسيا؟» وتساءل فريدمان إن كان هدف نتنياهو الحصول على دعم الأوروبيين فلماذا يستمر في بناء المستوطنات في الضفة الغربية؟ حيث الخطر الحقيقي هنا كما تقول صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية فـ «تصميم إسرائيل على حكم أكثر من مليون فلسطيني في الضفة الغربية ممن يحرمون من حقوقهم المدنية وتوسيع المستوطنات واستمرار حصار غزة هو الخطر الذي يهدد المستقبل».
إبراهيم درويش