خطاب نتنياهو في الكونغرس: رسالة حرب

حجم الخط
1

في خطوة رأى فيها المراقبون تحديا للسيادة الأمريكية نجح رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بدعوة من لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية لزيارة الولايات المتحدة وإلقاء خطاب ناري في الكونغرس، من دون حضور ولا حتى موافقة الرئيس الأمريكي بارك أوباما ولا نائبه جون بادين ولا وزير خارجيته جون كيري. ذلك يعكس قوة اللوبي الصهيوني من داخل الولايات المتحدة، وقدرته على توجيه الرأي العام الأمريكي سياسيا وإعلاميا. كان موضوع نتنياهو إيران وبرنامجها النووي المثير للجدل. وكذلك التركيز على ايديولوجيتها التي تعتمد التطرف الإسلامي كعقيدة لسياستها منذ نجاح الثورة الإيرانية عام 1979. وحذر رئيس الوزراء الإسرائيلي قادة الكونغرس والرئاسة الأمريكية من أي مغامرة في عقد اتفاق نووي مع إيران بما سيؤهلها لأن تصبح دولة نووية في أكبر منطقة حساسة من العالم، وبالتالي الدخول في سباق تسلح نووي أو برميل بارود نووي قابل للاشتعال في أي لحظة، بما سيشكل تهديدا حقيقيا، ليس على إسرائيل فحسب، بل على العالم أجمع، وبالخصوص العالم الحر.
حاول المسؤول الإسرائيلي التركيز على التحالف الذي تقيمه الولايات المتحدة مع ايران لمحاربة الدولة الإسلامية. وأوضح أنه تحالف مغلوط ومليء بالخداع لأنه ليس هناك فرق بين الجمهورية الإسلامية و»الدولة الإسلامية». إنه صراع بين رؤيتين مختلفتين من الإسلام المتطرف، من المؤهل منهما في قيادة العالم الإسلامي نحو التطرف والقضاء على كل من يخالفهما الرأي؟ واعتماد نهج القتل الجماعي للمسيحيين واليهود والمسلمين المعتدلين. إنها سياسة التخويف وزرع الرعب في قلوب وعقول النخبة الأمريكية، والاستعداد لما هو أسوأ، وتحضير جميع الأوراق لخوض حرب عالمية ثالثة ضد الجمهورية الإسلامية في إيران على المدى القريب أو المتوسط أو البعيد. فقد قوبل خطاب نتنياهو في الكونغرس بـ 26 وقفة تصفيق، بما يعكس حماسة الكونغرس الذي يسيطر عليه الجمهوريون في عدم تفويت الفرصة لمواجهة المشروع الإيراني و»قطع رأس الأفعى» على حد تعبير الملك السعودي الراحل عبد الله بن عبد العزيز.
بعيدا عن الخطاب الإستهلاكي، الدعائي، الانتخابي والديماغوجي لنتنياهو الذي ستنتهي ولايته الرئاسية بتاريخ 17 مارس/آذار الجاري فقد ورث الرئيس الأمريكي بارك أوباما منذ توليه مهامه كرئيس للولايات المتحدة سنة 2008 ، وضعا داخليا غاية في التعقيد والصعوبة، بسبب تباطؤ النمو الاقتصادي الأمريكي، وأزمة مالية خانقة بعد انهيار مصرف ليهمان براذرز سنة 2008، وركود اقتصادي هو الأسوأ من نوعه منذ أزمة 1929، أو ما يصطلح عليه بالكساد الكبير، بما له من انعكاسات سلبية على مستوى الدخل الفردي للمواطن الأمريكي، وارتفاع معدلات البطالة، وانهيار أسعار العقار، وانهيار البورصات…الخ. كلها مؤشرات تعكس حالة الإفلاس التي تعرضت لها الولايات المتحدة بعدما تورطت في حربين خاسرتين في كل من العراق وأفغانستان، في ولايتي الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش الابن، خسرت فيها الولايات المتحدة أكثر من 9 تريليونات دولار وخسائر باهضة في الأرواح.
لقد اعتمد الرئيس الأمريكي الجديد سياسة الاحتواء والدبلوماسية في سياسته الخارجية، أو ما يسمى بالقوة الناعمة، خصوصا مع الملف النووي الإيراني، واعتمد سياسة العقوبات الاقتصادية والمالية لكبح طموحات إيران النووية. وقد أتت تلك العقوبات بالفعل ثمارها في إضعاف الاقتصاد الإيراني وسقوط العملة الوطنية المحلية إلى أدنى مستوى لها، وانتشار معدل البطالة بين الشباب، مما دفع بالقيادة الإيرانية إلى الجلوس إلى طاولة المفاوضات وتقديم تنازلات للقوى العظمى، مجموعة 5+1، والظهور بمنطق الدولة المسؤولة في التعاطي بجدية مع ملفها النووي على أنه سلمي، وتبديد المخاوف الدولية من خلال السماح للمفتشين الدوليين بالقيام بتفتيش دقيق ومفاجئ لمنشأتها النووية، في مقابل رفع العقوبات الاقتصادية عليها. فإيران تسعى إلى كسر العزلة الدولية، خصوصا بعدما جاءت برئيس معتدل، حسن روحاني، لتفادي التصعيد مع الغرب.
إلا أن احراز أي تقدم بين الدول العظمى وإيران لم يقنع إسرئيل، التي تطالب بتفكيك المنشآت النووية الإيرانية أو قصفها. فإسرائيل، بطبيعتها، تعادي أي نظام ممانع، مقاوم لسياستها التوسعية الاستيطانية في المنطقة، وتسعى إلى تدميره، سواء كان نظاما دينيا أو علمانيا. فهي التي سخرت آلتها الإعلامية للإطاحة بنظام صدام حسين، وهي التي تسخر اليوم آلتها الإعلامية للتصدي للمشروع النووي الإيراني.
فالرأي العام العربي، عموما، وطبقته السياسية على وجه الخصوص، ليست مع التسابق النووي، أو الدخول إلى النادي النووي الدولي، سواء في المنطقة العربية أو العالم، لأنه ليس الحل المثالي، بل هو حل تدميري، لهذا فالأصوات العربية المعتدلة كانت دائما تدعو إلى شرق أوسط خال من أسلحة الدمار الشامل يشمل إسرائيل، من دون التفريط في الحقوق العربية، فاسرائيل تعرقل كل المحاولات الجادة لحل الدولتين، والاعتراف بفلسطين كدولة مستقلة وذات سيادة، بل تتجاهل وتتحدى إدارة أوباما وتقوم بتوسيع مستوطناتها في الضفة الغربية، وتفرض حصارا خانقا على الشعب الفلسطيني في قطاع غزة، وتسعى إلى تقويض وتقزيم مشروع الدولة الفلسطينية.
فالبرغم من كل الضغوط التي تمارسها إسرئيل على الإدارة الأمريكية، يبدو أن عقارب الزمن لا ترجع إلى الوراء، وأن إيران قد قطعت أشواطا كبيرة في برنامجها النووي، وحتى القصف الأمريكي أو الإسرائيلي للمنشآت النووية الإيرانية لم ولن يمنع إيران من دخول النادي النووي، وذلك باعتراف أجهزة المخابرات الأمريكية والإسرائيلية معا.
لقد حاول رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو تصوير الدولة الإيرانية على أنها إمبراطورية الشر، تتوسع على حساب جيرانها العرب المستضعفين، وتستعمر أربع عواصم عربية منها دمشق، بيروت، بغداد وصنعاء، وطالب المجتمع الدولي والرأي العام الأمريكي بالتحرك والعمل سريعا من أجل كبح جماح الهيمنة الإيرانية.

ناصر الدين جعفر

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية