لندن ـ «القدس العربي»: في يوم الثلاثاء نشرت صحيفة «دايلي تلغراف» مقالاً لوزير الخارجية البريطانية السابق وليم هيغ دعا فيه دول الإتحاد الأوروبي للتدخل في منطقة الشرق الأوسط التي تعيش فوضى واضطرابات يرى أنها بداية طرف كرة الثلج.
ودافع في هذا السياق عن التجربة الليبية مبرراً العملية قائلاً إن الغرب تدخل من أجل حماية سكان مدينة بنغازي من أزلام نظام معمر القذافي وتحقق الهدف.
ورغم اعتراف هيغ بالفوضى التي شهدتها ليبيا وسطوة المتطرفين على البلاد وتغول تنظيم «الدولة» الذي أقام منطقة نفوذ له على الساحل ليس بعيداً عن أوروبا وانتقاد الرئيس الأمريكي باراك أوباما لرئيس الوزراء ديفيد كاميرون لانشغاله بعد سقوط الديكتاتور عن ليبيا إلا أن هذا يجب أن لا يكون مدعاة لغض الطرف عن واقع البلاد اليوم.
ويكتب هيغ في ضوء التقارير التي تحدثت عن خطط بريطانية للتدخل العسكري في ليبيا وإرسال قوات تقوم بتدريب قوات حكومة الوفاق الوطني.
ويناقش هيغ أن تاريخ ليبيا الأخير فيما بعد الثورة والفوضى التي عاشتها يجب أن لا تكون حاجزاً من المحاولة من جديد ومساعدتها عسكرياً إن اقتضى الأمر. بل يجب أن لا تثنينا دروس العراق بعد عام 2003 عن التدخل في حروب الشرق الأوسط خاصة أن «الفوضى والحرب الأهلية الدائرة في الشرق الأوسط ربما تكون في بدايتها ولا تقترب من النهاية. فالكراهية الدينية وسوء الحكم والفشل الإقتصادي وزيادة نسب الشباب لم تتغير وكانت هي العوامل التي أشعلت الأحداث المأساوية».
ويقول إن هناك بوادر هجرة جماعية لم يشهد تاريخ العالم مثيلاً لها . فالزيادة السكانية في أفريقيا والشرق الأوسط تعني أنهما مصدر هذه الهجرات التي ستتجه بالطبع نحو أوروبا. ويعتقد هيغ أن عدم التدخل في شؤون المنطقة سيؤدي إلى «حركة إنسانية» لا يمكن لأوروبا منعها. ومن هنا «فالتدخل لمنع الصراعات وإنهاء الحروب والعمل على استقرار الحكومات ودعم الإقتصاد هو ضرورة لا يمكن للدول الغربية تجنبها». وإزاء هذا علينا تجاوز اللوم المتعلق بأخطاء الماضي والتركيز على كيفية التدخل بطريقة صحيحة.
ويرى أن العراق وليبيا حدثت فيهما أخطاء جراء التدخل وفي الوقت نفسه حدثت أخطاء في سوريا بسبب عدم التدخل. وتساءل «ماذا كان سيحدث لو لم نرسل نحن وحلفاؤنا الطائرات لوقف دبابات القذافي عام 2011؟». ويقول إن التدخل الغربي في ليبيا لم يكن سبب الفوضى «بل تدخلنا لأن الفوضى كانت قد بدأت».
خططنا أم لم نخطط
ويعترف وزير الخارجية السابق أن التخطيط لما بعد الحرب كان ضرورياً كما كشف الدرس العراقي، لكنه يدافع أن الحكومة البريطانية قامت بالتخطيط لمستقبل ليبيا «كان هناك تخطيط كثير للمستقبل في حالة ليبيا».
وكانت هناك مجموعات عمل واتصال متخصصة ظلت تعمل بشكل دائم وقدمت خططاً لكل فرع من فروع الحكومة. و»المشكلة أنه لم يتم تطبيق الخطط لأن القذافي لم يخلف وراءه آليات للعمل». ويعتقد أن الشخصيات التي قادت البلاد في مرحلة ما بعد الثورة كانت شخصيات محترمة لكن التسرع بعقد الانتخابات أسهم بالفوضى. ومن هنا فتفعيل الدور الأوروبي في القضايا الخارجية أمر مهم لأن «إدارة ظهرنا لمشاكل نعتقد أنها يائسة سيفاقمها» وبالتالي يستعصي حلها.
وفي الوقت الذي يطلب فيه هيغ تفعيل الدور البريطاني بشكل خاص والأوروبي بشكل عام في قضايا المنطقة يرى سايمون ميال، مستشار شؤون الشرق الأوسط السابق في وزارة الدفاع البريطانية أن بريطانيا أدارت ظهرها لحلفائها من دول الخليج. ويقول إن هؤلاء يشعرون بأن بريطانيا خيبت آمالهم. وفي مقال نشرته صحيفة «دايلي تلغراف» يوم الأربعاء جاء فيه أن الشرق الأوسط يواجه واحدة من أكثر مراحل تاريخه اضطراباً حيث تتواصل الفوضى في العراق وتفاعلات ما بعد الربيع العربي وصعود تنظيم الدولة الإسلامية. فيما انهارت بنى الدولة في المنطقة وأدت لموجة من اللاجئين بدأت تضع ضغوطاً على حدود ومؤسسات أوروبا وحتى تسامحها.
و»لا عجب أن تشعر دول الخليج بالخوف» و»لكننا في الغرب لا نساعد». واتهم ميال الرئيس أوباما بتبني سياسة الإنحراف نحو آسيا والتي قادت لفك علاقة أمريكا تدريجياً مع المنطقة. ويقول إنه لم يلق ترحيباً دائفاً في زيارته الأخيرة للرياض بسبب موقفه الفاتر من سوريا والمنطقة بشكل عام. ويضيف أن الاتفاق النووي الذي وقعته مجموعة «الخمسة + واحد» مع إيران لم يؤدِ لردع التدخلات الإيرانية في شؤون المنطقة. فلا تزال طهران تعمل على تعميق الخلافات في العراق وسوريا ولبنان واليمن والبحرين. ويرى أن التدخل الإيراني في الشؤون الداخلية لهذه الدول لا يهدد المصالح الغربية ولكن منطقة الخليج التي تعتبر مستقرة بشكل نسبي.
الحاجة لأصدقاء
ويرى أن بريطانيا تلعب دوراً مهماً في الحرب الدولية ضد الإرهاب وفي جهود بناء الإستقرار في الشرق الأوسط. وهي بحاجة لإصدقاء وهؤلاء يريدون معرفة ما إذا كانت بريطانيا حليفاً يمكن الوثوق به.
ويشير لتصريحات رئيس الوزراء ديفيد كاميرون الذي تحدث في أكثرمن مناسبة عن الدور الذي لعبه التعاون الإستخباراتي بين بريطانيا والسعودية في إحباط وحماية أرواح المدنيين البريطانيين من هجمات إرهابية. ويذكر ميال بالتاريخ البريطاني في منطقة الخليج والعلاقة مع السعودية التي تعود إلى الحرب العالمية الثانية.
ورغم الثروة التي تتمتع بها هذه الدول إلا أنها بكثافة سكانية قليلة. ويشعر هؤلاء بعدم الأمان وينظرون في الفضاء الذي يعيشون فيه «لكل هذا فإنهم يقومون بالتدقيق في كل كلمة أو حركة تنبع من أصدقائهم الدوليين. وذلك لفحص قوة ومتانة التحالف». ومن هنا ينتقد ميال التحقيق البرلماني حول مبيعات السلاح البريطانية إلى السعودية التي تستخدم فيما بعد في الحرب اليمن. ويصفه بأنه تحرك «لا يرحب به ومضر».
تحقيقات
ويجد ميال العذر للدول الخليجية ومساءلتها التزام الدول الغربية في قتال الإرهاب. ويتهم المستشار السابق جماعات مصالح صغيرة تقوم بملاحقة أجندة معادية للمصالح القومية البريطانية وهي حملة تجهل في العموم العلاقات مع هذه الدول وينم فهمها عن سذاجة. ويقول الكاتب هنا إن اليمن يعاني من تهديد القاعدة وأقلية حوثية تلقى دعماً خارجياً خاصة من إيران، وتحاول تقويض الحكومة التي تحظى بدعم دولي.
وهو ما أدى إلى خلق منطقة غير مستقرة على الحدود مع السعودية وخلق كارثة إنسانية. ويعلق ميال قائلاً «مهما كان موقفنا من الطريقة التي قاد فيها التحالف الذي تقوده السعودية عملياته فعلينا معرفة السبب الذي جعل السعودية والدول المتحالفة معها تقوم بشن الحملة التي تحظى بشرعية من الأمم المتحدة» وبالتالي فهم صعوبة القيام بهذه العمليات. ويقول إن «السعودية تفهم أنها عرضة للمراقبة وهي حساسة لها». ويضيف أن منطقة الخليج هي «غرفة رنين» كبيرة وعبر حلفاؤنا في العقود الماضية عن فقدان صبر من استعدادنا لمحاباة جماعات الضغط وتقديم مطالبها على مصالحنا القومية. ومن هنا ستترك الطريقة التي تقوم بها الدول الحليفة، أي الخليجية انتقاد الحلفاء الغربيين لها مع أنها تحاول تحقيق الإستقرار في مناطق تعتبر حيوية لها وللغرب أيضاً، تداعيات خطيرة على العلاقات.
ومن ذلك فتح الباب أمام المنافسين لكي يملأوا الفراغ الأمني والاقتصادي الذي سيفرغ بسبب أفعال بريطانيا. وستعبر الأطراف التي ترغب بتسيب الضرر لبريطانيا عن فرحتها لتحطم إلتزامات الغرب نحو استقرار المنطقة والكفاح ضد الإرهاب.
ومن هنا يرى ضرورة البحث عن طرق للتعاون مع الحلفاء والأصدقاء في الغرب بناء على المصالح المتبادلة خاصة عندما يتعلق الأمر بحماية المواطنين وتوفير الأمن والمساعدة في تحقيق الإستقرار. ويرى أن هناك مجموعة من الإصلاحات الإقتصادية والسياسية الضرروية للمنطقة ويفهمها قادة هذه الدول.
وتبدو بعض هذه الإصلاحات في ضوء ما تمر به المنطقة أموراً كمالية. وفي النتيجة لن يحدث الإصلاح طالما لم تشعر دول الخليج بالأمان. ويتساءل ميال في نهاية مقالته فيما كان النواب في البرلمان والحكومة البريطانية يريدون الإسهام في استقرار أو فوضى الشرق الأوسط.
لكل هذا تعاملت صحف بريطانية مع إصلاحات الأمير محمد بن سلمان، ولي ولي العهد بنوع من التفاؤل. وذهبت صحيفة «التايمز» أبعد للمطالبة بدعم الأمير الذي تقول إنه «بلا حدود».
وعلقت هنا على خطة «التحول الوطني» التي تتضمن إصلاحات وإجراءات تهدف على المدى البعيد لفطم أكبر منتج للنفط في العالم عن النفط بحلول عام 2030. وترى الصحيفة أن المعوقات أمام تطبيق الخطة كبيرة جداً لكن حقيقة مناقشتها أمر مثير للإعجاب ونقطة تحول مهمة في تاريخ السعودية.
وربطت الصحيفة بين الخطة الجديدة وبين ثورة النفط المستخرج من الصخر الزيتي الأمريكي وهو ما دفع السعودية لزيادة معدل انتاجها اليومي للحفاظ على حصتها في السوق العالمي.
ولم يتغير موقف السعودية بعد، فقد صوت الأمير نفسه ضد خطة تثبيت إنتاج النفط في لقاء الدوحة عندما رفضت إيران الموافقة عليه. وأكد الأمير في سلسلة من اللقاءات أن خطته هي لإنهاء «إدمان» السعودية على النفط ستنفذ.
وفي حالة نفذت فستترك أثراً على الأسواق العالمية واستقرار المنطقة. ويتحدث الأمير عن تخصيص جزء من أسهم شركة النفط السعودية (أرامكو) أكبر شركة نفط في العالم. وسيتم وضع الموارد منها في صندوق سيادي بقيمة تريليوني دولار، تستخدم لاحقاً في عمليات استثمار. وأعلن الأمير عن نهاية الدعم على المياه والوقود ومحاربة الفساد وقبل بقيادة المرأة للسيارة.
وكان قد أعلن في السابق عن إصلاحات ولكنها وضعت على الرف بعدما ارتفعت أو استقرت أسعار النفط إلا أن الخطة الحالية مختلفة لأن انخفاض أسعار النفط بنيوي هذه المرة وليس دورياً. فالنفط المستخرج من الصخر الزيتي والصناعة الذي تدور حوله أثبت قدرة على النجاة في ظل أسعار للبرميل بـ 40 دولاراً.
واكتشفت السعودية أنها عرضة لمخاطر الوضع الجديد حيث سجلت عجزاً في الميزانية العام الماضي بقيمة 200 مليار دولار بعدما أنفقت 30 مليار دولار من الإحتياطي المالي كل شهر. ورغم قدرة السعودية على تحمل النفقات إلا أن الديموغرافيا تدعم موقف الأمير، فهناك زيادة سكانية ومعظم سكان السعودية هم من الشباب تحت سن الـ 30 عاماً. كما أن نسبة البطالة بينهم تصل إلى 30% واقتصاد يعتمد على نفط أسعاره في تراجع مستمر لن يكون قادراً على توفير الوظائف لهم.
وتشير الصحيفة إلى نقطتين لم تردا في خطة الأمير وهما أولاً الطريقة التي سيتم فيها التعامل مع سلطة الشرطة الدينية ـ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أما الثانية فإن الخطة لم تتطرق إلى إجراءات ديمقراطية على الطريقة الغربية. وفي النهاية تعتقد أن «خطة التحول الوطني» قد تحتاج إلى استفتاء شعبي حتى يستطيع الأمير تحقيق أهدافه.
قضايا صحيحة
وفي السياق نفسه ترى صحيفة «فايننشال تايمز» أن ما يدعو إليه الأمير محمد بن سلمان- تخفيض النفقات وتطوير القطاع غير النفطي وتعزيز القطاع الخاص هي الأمور الصحيحة. مع أن حكام السعودية يتحدثون عن تنويع الإقتصاد منذ عقود بدون نتيجة.
ومن هنا فالسؤال يظل قائما إن كانت خطة محمد بن سلمان لها حظ من النجاح وتستطيع تجاوز البيروقراطية والتنافس داخل العائلة المالكة ورفض المؤسسة الدينية المحافظة لها. وترى أن ما يدفع باتجاه نجاح الخطة الحالية هو تراجع أسعار النفط الذي كشف عن مظاهر الضعف في المالية السعودية والعجز في الميزانية المتوقع وصوله إلى 19%.
وتشير الصحيفة إلى العوامل الجديدة في سوق النفط مثل الصخر الزيتي. ومن هنا تقوم الخطة السعودية على 30 دولاراً كمعدل لسعر البرميل الواحد من النفط.
ومن العوامل التي تدعو للتفاؤل حول إمكانية تطبيق الخطة هي السلطات التي يتمتع بها الأمير. فبدعم من والده الملك سلمان يدير الأمير مجلس الشؤون الإقتصادية بالإضافة إلى وزارة الدفاع والديوان الملكي. وأشارت إلى موقفه في اجتماع منظمة الدول المنتجة والمصدرة للنفط (أوبك) في العاصمة القطرية الدوحة.
ورأت في موقفه الرافض تثبيت معدل إنتاج النفط بدون مواقفة إيران على فعل الأمر نفسه مدخلاً يعبر عن «إما كل شيء أو لا شيء» وهو لا يصلح في السياسة الخارجية لكنه ينفع في السياسة المحلية. وتعترف الصحيفة أن إعادة تشكيل اقتصاد السعودية لن يتم بدون إصلاحات عميقة في المجتمع السعودي المحافظ. ومن أجل ترتيب المالية العامة والنفقات فهناك حاجة لقطع الدعم على المواد الأساسية وفرض ضرائب جديدة وهو ما يعني تغيراً رئيسياً في طبيعة «العقد الإجتماعي» الذي قايض فيه النظام الشعب بمنحه الوظيفة والمنافع مقابل الولاء.
وفي الوقت الذي قبل فيه السعوديون مستوى من التقشف إلا أن تخفيضاً جديداً في النفقات سيزيد الضغوط على السكان حتى وإن كانت السياسات الجديدة توفر حماية للفقراء. ومن أجل أن يحظى الإصلاح بمصداقية فيجب أن تكون هناك شفافية في نفقات العائلة الحاكمة. ويظل توسيع القطاع الخاص من أهم التحديات التي ستواجه خطة الأمير.
فهو يحتاج للإستثمار الخارجي ولهذا فنظام البطاقة الخضراء صمم لتشجيعه. ومع مرور الزمن فيجب وقف اعتماد المملكة على العمالة الرخيصة وهذا يعني تركيزاً جديداً على التعليم ودور المرأة في سوق العمل.
وترى الصحيفة أهمية أن تقود خطة التحول الإقتصادي لتحقيق آمال الشباب الذين يشكلون غالبية سكان المملكة. فخيبة أملهم ستجلب المصاعب على المملكة، فبدون وظائف سيجد الشباب المحرومون أنفسهم ينجرون شيئاً فشيئاً نحو الأفكار المتطرفة.
وتختم بالقول «نأمل بنجاح خطة الأمير محمد بن سلمان، ومع ذلك فهي رهن قبول النظام بالحاجة لإصلاحات سياسية واجتماعية لتتواءم مع طموحات الإصلاح الإقتصادي».
إبراهيم درويش