وضعت النائبة من الليكود عنات باركو، على طاولة رئيس الوزراء خطة جديدة جريئة لتقسيم القدس. ثلاث مشاكل جوهرية في هذه الجملة: الخطة ليست جديدة، وهي ليست جريئة وعلى الإطلاق ليس واضحا ما الذي تفعله باركو في صفوف الليكود.
المشكلة الديمغرافية في القدس معروفة جيدا. فالبروفيسور سيرجيو دي لا فرغولا يقول إنه يوجد اليوم 62 من مئة فقط يهود في القدس، وبعد 15 سنة سيكونون 58 من مئة فقط. وعلى فرض (مدحوض) أن هذا التحليل الديمغرافي صحيح ـ فهو يعتبر وجع رأس غير صغير. فقد سمحت إسرائيل لعشرات آلاف العرب بالدخول والإقامة الدائمة في نطاق القدس. لا «الزيادة الطبيعية» لعرب القدس هي ضعف الزيادة اليهودية (وسجلات الولادة تثبت)؛ وحتى البروفيسور دي لا فرغولا يعرف بأن الزيادة الطبيعية العربية آخذة في التناقص وتلك اليهودية آخذة بالتزايد.
ولِمَ؛ برغم ذلك تتقلص الأغلبية اليهودية في المدينة؟ لأن عشرات آلاف اليهود يغادرون المدينة لنقص الشقق. أما العرب فيبنون آلاف البيوت غير القانونية وحكومة إسرائيل لا تفرض القانون عليهم. كما أنهم مستعدون لأن يكتظوا في ظروف صعبة، اليهود ليسوا مستعدين لها. إذا بنى اليهودي بشكل غير قانوني ـ يهدم بيته، والبناء القانوني يكاد لا يكون موجودا لأن حكومة نتنياهو لا تبني في القدس. الاحتياط من الأراضي للبناء في غرب المدينة استغل تقريبا حتى النهاية. ومن شرق المدينة هناك أراض واسعة فارغة. ضم معاليه أدوميم إلى المدينة والبناء لطوابق عالية في المنطقة التي بين معاليه أدوميم والقدس مثلا، وكذا في ارمون هنتسيف وهار حوما وجفعات همتوس ـ سيخلق عشرات آلاف وحدات السكن في المدينة، غيابها يتسبب بهجرة اليهود من المدينة. بيتار عيليت، بيت شيمش وكريات سيفر بنيت بوتيرة مذهلة فقط لأنه لا توجد شقق في القدس. ولكن ضم معاليه أدوميم والبناء في المنطقة E1 أو في شرق القدس يستدعي قرارا سياسيا. وإن كان «سياسيا»، أقل بكثير من تقسيم القدس الذي توصي به د. باركو، عضوة الليكود.
ليست الخطة لتقسيم القدس بجديدة. فبيرس، باراك وأولمرت كانوا مستعدين لتنفيذها. حاييم رامون يروج لها منذ زمن بعيد. هذيان بيلين وخيالات عامي أيالون تضمنت تقسيم المدينة. ولكن التاريخ يسير في الاتجاه المعاكس. القدس، التي كانت مقسمة، وحدت. تماما مثل بلفاست وبرلين. وبالذات باركو تريد العودة إلى أيام المدينة المقسمة، المقطعة. حين كان القناصة العرب يتمترسون على أسوارها. وفقط من لم يترب، مثلي، في الواقع إياه، يمكنه أن يتطلع إليه.
الخطة ليست جريئة، بل العكس. هي جبانة. هي هروب من المشكلة الحقيقية ـ عدم تنمية القدس وتجميد البناء فيها. الديمغرافيا في القدس هي وجع رأس. د. باركو توصي قطع نصف الرأس كعلاج. لقد أقام أريئيل شارون سور فصل وقطع عن المدينة مخيم شعفاط للاجئين، كفر عقب وقلنديا فخلق في هذه المناطق جحيما على الأرض من حكم العصابات الإجرامية وغيا خدمات بلدية كلها. وحسب خطة د. باركو، تنقل الأحياء العربية كلها إلى السلطة الفلسطينية، تلك التي هي اليوم لا تزال تحت سيطرة فتح، وغدا قد تكون تحت سيطرة حماس. وهكذا تخاطر إسرائيل في خلق واقع قطاع غزة على مسافة 2000 متر عن الكنيست ـ مدى قذائف الهاون الخفيفة. وإذا ما استخدمت قاذفات كهذه، سيتعين على الجيش الإسرائيلي أن يعود ليحتل المنطقة ويحتفظ بها وذلك لأن سيطرة الشرطة في القدس والمخابرات والجيش في يهودا والسامرة، تمنعها من أن تصبح قطاع غزة أو جنوب لبنان. د. باركو تقترح حل المشكلة الديمغرافية من خلال خلق مشكلة أمنية أخطر منها. ولم أفهم بعد أين ستجد د. باركو محكمة عليا توافق على سحب مكان الإقامة من 300 ألف شخص فقط لأنهم عرب.
لقد طرحت للمشكلة الديمغرافية في القدس حلول إبداعية أكثر بكثير وخطيرة أقل بكثير. أحدها هو إقامة مجلس إقليمي للأحياء العربية بسيادة إسرائيلية كاملة، وتنظيمها في إطار بلدي ليس بلدية القدس، لإرضاء أولئك الذين يخافون من أن يقوم عرب القدس ذات يوم كرجل واحد ويتحدوا حول مرشحهم لرئاسة البلدية.
وفي النهاية ملحوظة عن انتماء د. باركو السياسي. خطط كهذه ميزت في الخمسين سنة الأخيرة الجناح اليساري المتطرف في السياسة الإسرائيلية واستهدفت بشكل عام إقامة «دولة فلسطينية في حدود 1967 عاصمتها القدس». لا تقلقوا: لن يوافق أي عربي على مثل هذه الخطة من دون البلدة القديمة. باركو (لا تزال؟) غير مستعدة للتنازل عن القلب التاريخي للشعب اليهودي، ولكن خطتها تخدم بالتأكيد اليسار الإسرائيلي الذي سيأتي الآن ليدعي: «ها هم، في الليكود أيضا يريدون تقسيم القدس أيضا». باركو هي «لاعب تعزيز» جلبه نتنياهو إلى الليكود. إذا كان قصد بالفعل تعزيز اليسار الإسرائيلي بمثل هذا التعيين، فإن خطته نجحت. أما إذا كان قصد شيئا آخر وهو لا يقصد تقسيم المدينة، من الأفضل له أن يعلن على الفور رفضه التام لخطة باركو بتقسيم القدس واستبدالها بخطة بناء يهودي متسارع.
معاريف 3/10/2017
آريه الداد