خطة هوليوود للسيطرة على العقل العربي: العنف صناعة أمريكية… شهادات سينمائية موثقة بالصوت والصورة

حجم الخط
0

القاهرة ـ «القدس العربي»: في تطور تحسد عليه الإدارة العامة للسينما في وزارة الثقافة، جاء برنامجها الشامل للعرض والتحليل متضمنا لنوعيات مهمة من الأفلام الأمريكية، سبق عرضها في سنوات ماضية وأحدثت آن ذاك ضجة نتيجة ما ورد فيها من محاور تتصل بقضايا العنف، ومن تسبب فيه وسبل ووسائل رواجه في العالم، بخطة منظمة استخدمت فيها السينما كأداة ونفذتها هوليوود كلاعب رئيسي بمساعدة وكلائها في مصر ومنطقة الشرق الأوسط.
وقد اختير فيلم جران تورينو كنموذج للتدليل على تورط آلة الإنتاج الأمريكية في إشعال نار الإرهاب، وفق سياسة محكمة لعبت بأوراق الفن والإبداع والثقافة، لتخريب المجتمعات العربية بالتسلل الخفي لعقل ووجدان الجماهير، وبث الأفكار المسمومة لإحداث تغييرات نفسية وإنسانية وأيديولوجية عبر أزمان طويلة لضمان الانقياد والسير في اتجاه الهدف.
ولم تكن الأفلام صاحبة الرسالة الجهنمية كلها تتبني خطابا موحدا، ولكنها تلونت في لغتها وعرجت على أفكار وقضايا مغرية لتتمكن من هيمنتها على العقول فناقشت مشاكل التمييز العنصري والحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان كنوع من التمهيد لما هو آت.
وقد شهدت السينما الأمريكية بعض التحولات على مدار تاريخها، ولكن بدت رسالتها واضحة في ما بعد 11 سبتمبر/أيلول حيث تخلت هوليوود عن حريتها المزعومة في طرح ما تريد من قضايا وركزت على قضية واحدة، هي العنف عبر مئات الأفلام وحصدت مليارات الدولارات تحولت عن ذلك بعد الاعتداء عليها وتوقفت عن إنتاج هذه النوعية، بل أنها حاولت إلزام بعض الدول المنافسة بقانونها الجديد، اعتقادا منها أو يقينا، بأن العنف في السينما يساهم في ترويج العنف على مستوى الواقع، وقد وجهت إنذارا إلى كبرى المؤسسات الإنتاجية في العالم محذرة من إعادة إنتاج الأفلام ذات الصلة بالإرهاب. وفي هذا الإطار لجأت إلى تغيير نهايات بعض الأفلام التي أنتجت بالتزامن مع التاريخ الأسود 11 سبتمبر، ومنها فيلما «العنكبوت» و«يوم الاستقلال» على سبيل المثال.
ويزيد على ذلك أن الإدارة الأمريكية هددت بفرض عقوبات على الشركات الإنتاجية التي لم تلتزم بالنظام السينمائي العالمي الجديد، وأوعزت بعدم توزيع أفلامها المنتجة حديثا داخل الولايات المتحدة، وبالفعل خشيت بعض الدول من إنزال العقوبات وتوقفت عن إنتاج أفلام العنف لفترة تجاوزت الثلاث سنوات.
وتدلنا هذه الإجراءات القمعية إلى أن الادعاء بالحرية المطلقة في هوليوود محض وهم ويتم تصديره لشعوب الدول النامية كي يعلق في أذهانهم أن أمريكا هي النموذج الأمثل للحرية، وأن تمثالها الشهير يعبر عن واقع لحياة الشعب المتميز المفطور على الديمقراطية.
وقد نشرت دراسات مطولة في عدد من مراكز الدراسات السينمائية حينئذ على خلفية التحولات الطارئة تعرضت إلى الشيزوفرينيا الأمريكية، أي أن رصد الخلل الفني والسياسي ليس وليد اللحظة ولم يكن الأمر مقصورا على السينما فقط وإنما طالت الأوامر الصارمة مؤسسات الإنتاج في الدراما التلفزيونية على نطاق واسع، فشملت العديد من الدول التابعة التي خشيت من الإرهاب الأمريكي والتزمت فورا بالقرار الفوقي.
ونحن إذ نرصد التناقض الواضح في سياسة الدولة العظمى التي تكيل بمكيالين، فبعد أن كانت تحارب الإرهاب وتحذر منه باتت تشجعه وتدعمه بالمال والعتاد، وهو ما يثير الريبة ويعمق الشك في نية الإدارة الأمريكية تجاه ما تدعيه من خطاب ثقافي سياسي متوازن يهدف إلى ترسيخ الاستقرار وتعميق أواصر التعاون بينها وبين الدول الصديقة، على حد قولها.
لم يخرج فيلم «جران تورينو» الذي أنتج عام 2008 عن قاعدة استخدام الفن كأداة توجيه تعمل مع أو ضد، حسب مقتضيات المرحلة والظروف، المهم أن يصب كله في صالح المجتمع الأمريكي، حيث يناقش الفيلم الحاصل على جائزة سيزر لأفضل فيلم أجنبي وجائزة الأكاديمية اليابانية وجائزة ديفيد دي دوناتيلو ما نتج عن الحرب الكورية من مآس إنسانية دفع ثمنها البسطاء والأبرياء، ممن لا ناقة لهم ولا جمل في صراع الدول وأطماعها، فالبطل كلينت إيستوود جندي شارك في الحرب وعاد منها بائسا يعيش حياة مؤلمة، خاصة بعد أن فقد زوجته التي تركها وحيدة طوال فترة الحرب وهو تلميح إلى البعد المأساوي الآخر للحرب والمتمثل في أنها لا تؤذي فقط المحاربين ولكنها تترك بصماتها وآثارها التدميرية على أهالي الجنود وذويهم وهو نوع من التعبئة لترسيخ فكرة الدمار الناتج عنها لدى الجنسين.
وتعود قصة الفيلم إلى أحداث حقيقية وقعت في الشمال الكوري وقد تم تشجيع الإنتاج للاستفادة من الدعم الحكومي الذي تمنحه أجهزة الدولة للأفلام الموجهة.
الفيلم تم تصوير أغلب مشاهده في استوديوهات ويعتمد مخرجه كلينت إيستوود على الرؤية المزدوجة بين الدرامي والوثائقي، وقد اعتبر ضمن أهم عشرة أفلام أنتجت عام 2008 ومع ذلك تم تجاهله من أكاديمية العلوم والفنون للرسوم المتحركة المعنية بتقييم الأفلام الروائية الطويلة، وأيضا تجاهلته جائزة الأوسكار للاعتراض على فكرة التوجيه.
حاز الفيلم تأييد النقاد بيد أن البعض منهم توقف عند التفاصيل الصغيرة التي توحي بأنه يهدف إلى الدمج بين الثقافات في إشارة إلى البعد الأعمق وهو محاولة الفيلم تقديم صورة إيجابية للأمريكيين الآسيويين للتأكيد على أنهم صالحون لعملية الدمج والانخراط في المجتمع الأمريكي كمواطنين أمريكيين لهم كافة الحقوق السياسية والاجتماعية والإنسانية.
هذه دلالات التعبئة والتوجيه في فيلم مقتبس عنوانه من ماركة السيارة الشهيرة «تورنيو» وهو حسب القراءة الانطباعية عنوان دعائي وضع للفت النظر وسهولة الترويج أو أنه مجرد مرجعية تاريخية عن الأصالة.

كمال القاضي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية