جعلني تأليف كتاب حول الفترة التي عملت فيها مستشارا لشمعون بيريز، أتعمق في خطوات نتنياهو التي شاهدت عددا منها عن قرب. عززت هذه التجربة لدي الوعي بأن من يفسر الطريق السياسي لنتنياهو كتعبير عن الانتهازية وضعف الشخصية، يتعامل مع الأمور بسطحية. حسب تقديري، يتمسك نتنياهو باستراتيجية، لكن عليه أن يغطيها. نجح حتى الآن في المناورة أمام الضغط الذي استخدم ضده من اليمين واليسار، لكن بعد توصيات الشرطة، وحين سيقف أمام معركة مصيرية لحياته السياسية، يزداد احتمال أن قوته ستتضاءل ،وأنه لن يستطيع البقاء مخلصا لطريقه السياسي.
من قرارات نتنياهو على مدى السنين ومن خطواته وأقواله التي قالها حين كانت لديه حرية التعبير عما يدور في قلبه، يمكننا إدراك أنه غير معني بإقامة دولة فلسطينية مستقلة في المناطق (الفلسطينية)، وهو أيضا غير معني بضمها الفوري. يركز نتنياهو اهتمامه على تأجيل الحسم. وحسب رأيه هو يعمل لصالح إسرائيل، لأن واقعا جيوسياسيا مفضلا سينشأ في المستقبل،وفيه تستطيع إسرائيل أن تقضم أكبر مساحة من المناطق. وحسب رأيه: أكبر مساحة من الأرض مع أقل عدد من الفلسطينيين.
نتنياهو غير قلق من أن انتظار هذه الظروف، يقتضي مواصلة السيطرة على شعب آخر. هو يعتقد أن خمسين سنة من سيطرة إسرائيل على المناطق (الفلسطينية) تدل على الاستقرار النسبي لهذا النظام، وقدرته على الاستمرار إلى حين وصول الوقت للحل الدائم.
رغم موجات الإرهاب والعنف، إلا أنه بالنسبة لنتنياهو يكتنف هذا الوضع أفضلية مهمة: إذ يمكّن إسرائيل من الادعاء بأن هذا الوضع مؤقت إلى حين التوصل إلى اتفاق. وهكذا يبرر حرمان الفلسطينيين من الحقوق السياسية. وحسب رأيه، فإن إعلان الرئيس ترامب الاعتراف بالقدس يدحض إدعاء اليسار القائل إن الوقت لا يعمل لصالح إسرائيل.
ما الحل الدائم الذي يعتقد نتنياهو أنه من الواجب إخفاء مضمونه، ومن أجله يجب إظهار «الصبر الاستراتيجي»؟ أحد الاحتمالات أن الفلسطينيين سيضعفون إلى درجة أنهم سيكتفون بالحكم الذاتي على جزء معين من المناطق (الفلسطينية) وسيتنازلون عن السيطرة الأمنية لإسرائيل (دولة مصغرة). احتمال آخر هو الحل الأردني، الذي له نموذجان: الأول هو أن تضم المملكة الأردنية الفلسطينيين تحت علمها، والثاني أن يسيطر الفلسطينيون على الأردن. يفضل نتنياهو التوصل إلى تسوية في المناطق (الفلسطينية) مع دولة قائمة؛ الأردن. هذا يسهّل المفاوضات التي سيكون أساسها النقاش حول الأراضي، لا حول تقرير المصير. ستضم إسرائيل تحت سيادتها المناطق الفارغة، وستنقل المناطق المأهولة بالفلسطينيين إلى سيادة الأردن.
في حين أن الحل الذي يقضي بأن يتحمل الأردن المسؤولية عن مصير الفلسطينيين، ظهر خلال سنوات بصيغ مختلفة؛ فالحل الذي يقضي أن الأردن هو فلسطين اختفى من الخطاب السياسي. وإظهاره كحل مفضّل سيدهور العلاقات مع عمان وسيجر معارضة دولية. يذكر قدماء في وزارة الخارجية الورقة الدعائية التي نشروها بعد الانقلاب السياسي عام 1977، التي تقول إن الاردن جزء من فلسطين الانتدابية. ومعظم المواطنين في الأردن هم فلسطينيون. لذلك قيل إن الدولة الفلسطينية قائمة في الأردن.
كان نتنياهو أحد المتحدثين المتحمسين الذي شجع هذا الإدعاء. أيضا عندما أجرى نقاشا علنيا حين كان طالبا شابا في الولايات المتحدة مع البروفيسور فؤاد عجمي (1978)، وأيضا بعد أكثر من عقد، حين شرح في الكنيست كنائب وزير الخارجية (1989) بأن الهوية الفلسطينية مشتركة للعرب في الأردن والمناطق (الفلسطينية) وبذا ليس هناك أي سبب كي يحظى الفلسطينيون بدولتين. صحيح أن الأوراق الإعلامية التي عنوانها «الأردن هو فلسطين» أزيلت عن رفوف وزارة الخارجية، لكن حسب تخميني الهدف نفسه لم تتم إزالته من عقيدة نتنياهو السياسية.
نظرية «الصبر الاستراتيجي» لنتنياهو تلزمه المناورة بين قوى خارجية وداخلية تهدد بحرفه عن الهدف. عليه الدفاع عن المناطق من ظهور دولة فلسطينية ستطالب بها كاملة، ولكن أيضا عليه الدفاع عنها من المطالبين بضمها من اليمين. «الضم الآن» مرفوض في نظر نتنياهو مثل «السلام الآن». الضم، وحتى الضم الجزئي، سيثير علينا العالم ويؤدي إلى اتفاق دائم قبل نضوج الظروف المناسبة لإسرائيل. ولأنه يدرك خطر «الدولة الواحدة» فإن نتنياهو غير متسرع لتوسيع البناء في المستوطنات خارج الكتل الاستيطانية. لكنه يمتنع كما هو معروف عن الإعلان عن ذلك، خوفا من ردود زملائه في الليكود وشركائه من اليمين. معسكر اليسار الذي يسارع إلى انتقاد نتنياهو في كل مرة يخضع فيها لضغط المستوطنين ويصادق على البناء خارج الكتل، يميل إلى تجاهل أن هذه ليست استراتيجية نتنياهو، بل انحراف عنها.
حسب رأيي، طريق نتنياهو هي مخاطرة كارثية على مستقبل إسرائيل كدولة يهودية وديمقراطية. في الوقت الذي ينتظر فيه الظروف الجيوسياسية المفضلة، تجري خطوات تقود إسرائيل إلى واقع عنيف لا رجعة عنه وهو الدولة ثنائية القومية. وكلما تأخرنا ستزداد أضرار الاحتلال، وستتجذر المستوطنات في المناطق وستتضاءل إمكانية تقسيم البلاد وسيحل الخراب على الحلم الصهيوني.
لم تصل هذه الإدعاءات إلى قلوب الجمهور الإسرائيلي، لكن مهمة اليسار سيقوم بها بقدر أقل من النجاح رجال «الضم الآن». هؤلاء يزيدون الضغط على نتنياهو من أجل استغلال ضعفه وهو يناضل لحياته السياسية. كلما ضعفت قوة نتنياهو في مواصلة صد قوى اليمين التي تطالب بالضم، ستنهار نظرية الصبر الاستراتيجي. ليس معسكر السلام بل اليمين المتطرف هو الذي سيقرر حسم مستقبل المناطق قبل الأوان، حسب رأي نتنياهو. إن خداع التاريخ الاحتيالي من شأنه أن يجسد الكابوس السياسي لنتنياهو، ويحول موعد الحسم غير الناضج إلى موعد سيفرض فيه على إسرائيل التنازل عن المناطق (الفلسطينية).
هآرتس 15/2/2018
آفي غيل