خطيئة العالم تجاه حماس والفلسطينيين

حجم الخط
1

اعتراف رئيس الوزراء البريطاني السابق توني بلير بأنه ومعه زعماء العالم، أخطأوا بمقاطعة حركة حماس طوال السنوات العشر الماضية، يمثل مناسبة مهمة لنبش الكثير من الأخطاء التي ارتكبها العالم بحق الشعب الفلسطيني والتي ربما كان آخرها حصار الحركة التي فازت بانتخابات ديمقراطية شهد العالم بأكمله على نزاهتها عام 2006، وهي انتخابات كانت تسجل حدثاً مهماً في التاريخ العربي الحديث، الذي طالما اقترنت الانتخابات عنده بالتزوير وبالنتائج ذات التسعات الأربع.
كان الفلسطينيون عام 2006 يسجلون تجربة ديمقراطية فريدة على المستوى العربي، وهي التجربة التي تستدعي الإشادة والثناء، فيومها كانت السلطة الفلسطينية التي هي أقل من دولة تُقدم مثالاً رائعاً على انتخابات نزيهة وتجربة ديمقراطية تستحق الاحترام. كما كانت حركة فتح (الحزب الحاكم) تُقدم هي الأخرى مثالاً على تداول السلطة والقبول بالآخر، وسط عالم عربي غارق بالاستبداد والحكم الفردي المتسلط. أما حركة حماس فدخلت في دورة الحياة السياسية، واقتنعت بمبدأ المشاركة السياسية ولو في سلطة كانت حتى الأمس القريب بالنسبة لهم غير مقنعة.
التجربة السياسية الفريدة والنوعية قاطعها العالم، بل عاقبت دول العالم ومعها اسرائيل والدول العربية الفلسطينيين على أدائهم الديمقراطي، وأنزلوا عقوبة جماعية على الناخبين الذين منحوا أصواتهم لحركة حماس، وانتهى الأمر بالفلسطينيين إلى عشر سنوات عجاف، يعترف بعدها بلير بأن «حصار حركة حماس كان خطأ ارتكبه العالم، وأن الخطأ تم ارتكابه استجابة للضغوط الإسرائيلية ليس أكثر».
الخطايا التي ارتكبها العالم بحق الشعب الفلسطيني لا تتوقف عند حصار الحركة المنتخبة، وممارسة الضغوط غير المشروعة على السلطة التي نشأت بموجب اتفاق دولي رعته أمريكا وأوروبا والأمم المتحدة وشهد عليه العالم (أوسلو)، وإنما تمتد هذه الأخطاء إلى أبعد من ذلك بكثير، فقبل 100 عام منحت بريطانيا اليهود أرض فلسطين، وأتاحت لهم أن يطردوا السكان الأصليين، بموجب «وعد بلفور» لينتج اليوم عن هذه الخطيئة الكبرى أكثر من ستة ملايين لاجئ فلسطيني مشردين في مختلف أنحاء العالم، نصفهم ما زالوا في مخيمات بائسة في دول الجوار بانتظار أن يعودوا إلى فلسطين.
وقبل حصار حماس بسنواته العشر، كان الرئيس الفلسطيني المنتخب بأصوات شعبه أيضاً، الشهيد ياسر عرفات، قد حوصر في مكتبه في رام الله لثلاث سنوات متواصلة، قبل أن تتمكن إسرائيل من تسميمه وقتله بفضل ذلك الحصار، بينما كان العالم بأكمله يتفرج على الرئيس المنتخب وهو يموت موتاً بطيئاً، بل لم يتلقَ عرفات خلال حصاره، أي مكالمة هاتفية من زعيم عربي، اللهم إلا من أمير قطر السابق الذي كان الوحيد طوال السنوات الثلاث، الذي اخترق الحصار الاسرائيلي وتحدث إلى الرئيس قبل استشهاده.
أخطأ العالم وأخطأت بريطانيا عندما منحت فلسطين لغير شعبها الأصلي، وقررت أن تنتج ستة ملايين لاجئ يتلوون على جمر الغربة في كل مكان، وأخطأ العالم عندما اعترف بإسرائيل وقبل بعضويتها في الأمم المتحدة، وهي الدولة التي قامت على ضعف المساحة المخصصة لها بموجب قرار التقسيم الصادر عام 1947، وأخطأ العالم بإغراق الاسرائيليين بالسلاح لتمكينهم من احتلال الضفة الغربية وقطاع غزة وشن العدوان على الدول العربية المجاورة، ومن ثم أخطأ العالم بالسكوت على الجرائم الاسرائيلية، وأخطأ عندما اعتبر المقاومة إرهاباً بينما لم يعتبر العدوان الأصلي ارهاباً!
ارتكب العالم العديد من الأخطاء بحق الشعب الفلسطيني، التي يتوجب الاعتراف بها الآن بشجاعة، كما يتوجب تصحيح ما يمكن تصحيحه، وكما أن بلير اعترف بأن حصار حركة حماس كان خطأ، فعليه أيضاً أن يعترف بكل شجاعة بأن «وعد بلفور» كان خطيئة كبرى، وأنه كان السبب الأساس في الصراع الذي ما زلنا ندفع ثمنه حتى اليوم.
خلاصة القول، إن العالم مطالب بالاعتذار عن حصار حركة حماس ومعها الشعب الفلسطيني لعشر سنوات، لكنه قبل ذلك مطالب أيضاً بالاعتذار عن «وعد بلفور» وتشريد ستة ملايين فلسطيني في المنافي والتسبب بمعاناة لا توصف للملايين التي تمسكت بأرضها.
كاتب فلسطيني

خطيئة العالم تجاه حماس والفلسطينيين

محمد عايش

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية