تزف عناوين الصحف لي كمواطن أخبار زيارة الرئيس السيسي لموسكو، ذلك الفتح المبين، كما تصوره باستفاضة تتاخم الملل…
لن يتوقف الأمر عند الاتفاق على الشراكة في مجال تطوير الطاقة النووية والاستفادة منها، وإنما سيمتد ليطال مناحي شتى، بدءاً من التسليح والتعاون الاستراتيجي والتنسيق في الملف السوري، وصولاً إلى مجال الاستثمار والاقتصاد، الذي يشمل تطوير مصانع أنشأها الاتحاد السوفييتي السابق في خمسينيات القرن الماضي، كالحديد والصلب مثلاً، بالإضافة إلى إبداء شركاتٍ روسية عدة وصل بعضها إلى زهاء الثلاثمئة، اهتمامها بالاستثمار في مصر. ليس لديّ تعليق على العدد، فهو رقم مجاني لا يعني شيئاً، «ببلاش»، كما نقول في مصر، ولن أتطرق للتساؤل عن حصة الشريك المصري بفرض وجوده ولا عن ما سيتبقى للمصريين في الأساس، أمام هجمةٍ كتلك لو صدقت (أشك في ذلك بالطبع).
المهم أنه في اليوم نفسه، تطالعني الصحيفة نفسها (بدون احتفاءٍ بطبيعة الحال وفي مكانٍ منزو نسبياً) بتصريحٍ لمحافظ كفر الشيخ بأن «مصرف كتشنر» الذي سماه بمصرف الموت، يعرقل التنمية ويؤثر سلباً على الإنتاج الزراعي والثروة السمكية في المحافظة المنوط به إدراتها. المذهل حقيقةً هو ذلك الرقم الذي يورده لمرضى الفشل الكلوي وأمراض الــكــبد، حيث يصل به إلى أربعين بالمئة.
العنوانان، بتزامنهما وتفاوت طريقة تقديمهما يقولان الكثير… ربما كل شيء… أنت لست بحاجةٍ للنظر بعيداً أو البحث طويلاً، فكل ما تحتاج إليه لفهم الصورة موجودٌ فيهما مع بعض الاستدعاء من الذاكرة لأحداث الأربعة أعوامٍ السابقة، خاصةٍ العام الماضي. لن أمل من ترديد أننا بصدد سرديةٍ تتشكل: سردية الإنجاز والمشروعات القومية الكبيرة على غرار التفريعة الجديدة لقناة السويس والاختراقات العلمية كـ»جهاز الكفتة» الرهيب، وهي سردية جديدة- قديمة حيث أنك لست بحاجةٍ إلى قوة ملاحظة أو ذاكرة لتدرك الاستدعاء والمحاكاة للتجربة الناصرية، لكن كأي إعادة تقريباً، تأتي هذه النسخة أبهت وأثقل ظلاً… بمراحل، فلا الزمن هو الزمن ولا الرجل هو الرجل، فالراحل توفرت له من الكاريزما الحقيقية (لا المتخيلة والمسقطة عليه قسراً) وقوة الشخصية والذكاء الفطري، ما لا يتوفر للرئيس الحالي، ولئن اختلفنا في ما إذا كانت مصادرة المجال العام والتقييد على الحريات نتيجةً أم غرضاً من مشروعية الإنجازات في حقبة الستينيات؟ فإن الحال تختلف الآن، حيث تدل كل المؤشرات إلى كون ذلك هو المقصد بغرض شراء الوقت وترميم أجهزة الدولة، الأمنية بالأساس، الجريحة والمرتبكة، خاصةً أن ذلك يتأكد مع غياب أي خطة أو رؤية تنموية كالتي كانت لدى التجربة الناصرية، بغض النظر عن آرائنا فيها.
تبقى الأسئلة الأساسية، كما كانت دائماً، يتيمة، لا تجد من يجيب عليها، ناهيك عن كون الأصوات التي تطرحها تبقى خافتةً نسبياً في تيار الضجيج العام من احتفاءٍ عام وطبلٍ وزمر يطغى على ما سواه: ما هي الرؤية طويلة الأمد والـجــدوى؟ والأهم من ذلك من المستفيد من زيادات الدخل المزعومة والمرتقبة؟
الثابت أن دخل قناة السويس الحالي لا يزيد عن الثلاثة في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، وجل التحليلات لا يرى ذلك الرقم عرضةً للزيادة، بأي صورةٍ قد تقلب الموازين الاقتصادية بما قد ينعكس إيجاباً، ناهيك عن ثورياً، على حياة المواطنين. كان في استطاعة النظام أن ينفق ويستثمر في الصحة والتعليم، أي في موارده البشرية، بغرض إحداث تحسنٍ (أو طفرة ربما؟) تصلح قاعدةً لتأسيس تنميةٍ حقيقية؛ ولكن لأنه ليس معنياً بـ»هؤلاء» من الأساس، ولأنه لا مجد ظاهر في إصلاح البنية التحتية والعلاج والتعليم، فقد اتجه إلى الغرض الأساسي من المشروع وباقي مساعيه: البريق الذي يخطف الأبصار.. قناة جديدة.. هرم يراه القاصي والداني، وليتوارى ساكنو العشوائيات المقدرون بعشرات الملايين ومن تنهش الأمراض أبدانهم. إن رقماً كالذي صرح به المحافظ لمصابي الفشل الكلوي والكبدي مرعبٌ بأي معيارٍ أو مقياس (إن صح)، وهو إذا ما قرن بعدد منكوبي السرطانات يغدو أبلغ دليل إدانة للنظام برمته.
التناقض بين ظاهرٍ مبهر وحديثٍ عن المعجزات وواقعٍ رث تماماً ومهترئ تتخبط فيه الغالبية الساحقة من المصريين مؤسس على تنام في العنف، بات السمة الرئيسية للحقبة، وهو مرشح للتزايد المستمر. اللافت أيضاً في هذا السياق هو بداية ظهور نوعٍ من انعدام الانسجام والتململ والنقد (لن أذهب بها لحد التمرد) من قبل شرائح لصيقة عضوياً، على الأقل وفق تصورنا، من السلطة، كاحتجاجات أمناء الشرطة وتعليقات حمدي وهيبة، رئيس أركان القوات المسلحة السابق، الناقدة والجارحة في بعض الأحيان للسيسي، حيث يقلل من شأن خبرته وقدراته ويرى نفسه «أجدع» من السيسي بمئة مرة. بغض النظر عن وجودٍ محرضٍ وراء ذلك من عدمه وتحديد هويته، فإن ذلك ينذر بشروخٍ في هيكل الدولة ذاتها، ربما يشي وينذر بصراع أجنحةٍ سبقت عليه مؤشرات بما قد يؤدي إلى تنامي العنف الممنهج للقضاء على الخصوم داخل النظام نفسه، ناهيك عن دخول عنصر «التصفية» للمناوئين وأعداء النظام، تسمية وممارسة، إلى حيز العادي والمقبول الفضفاض.
الحقيقة نحن أمام نظامٍ ودولته وطبقة حاكمة يعيشون أزمةً وجوديةً بشعة، لا يضاهيها بشاعةً إلا ما وصلوا هم إليه من ترهلٍ وقبح. لقد باغتتهم الثورة أثناءٍ نوبة نعاسٍ، بل بياتٍ شتوي عميق. لقد استبعدوا وصول ثورة تونس إليهم، ولا يدل ذلك سوى على عمى بصيرةٍ وإدراك لواقعهم. كان الأسهل أمامهم الانسياق وراء نظريات المؤامرة الفائقة الإتقان، التي اقتاتوا عليها طيلة الستة عقودٍ الماضية، حتى بقيت الثابت الوحيد، على الرغم من تغير البوصلة من الشرق والغرب، وفي محاولةٍ يائسة للملمة نثار الهيبة المهشمة وإحكام القبضة الأمنية انساق النظام وإعلامه في التدليس والتلفيق. يكفيك دليلاً على حالة العصاب المهجوس بتضميد الذات الجريحة على وقع اكتشتافات مدى التردي والفشل، أن تراقب الإعلام المرئي الأكبر جمهوراً وبالتالي الأبعد تأثيراً، وضيوفه المنتقين بعناية ليوصلوا رسالةً محددة. لتجدن خلطاً مدهشاً بغرض الشحن والتعبئة من قبل هؤلاء الإعلاميين بين الوطن والمشاعر الوطنية والدولة القومية الحديثة والـ»إنجاز الهندسي» بالجدوى الاقتصادية، بعلاقة الجيش بالدولة (اكتشفنا والحمد لله على سبيل المثال أن الجيش أوجد مصر، أي هو أسبق من الشعب المصري) والاقتصاد، النمو والتنمية. باستثناء بعض الأكاديميين الذين أحسبهم يمررون الخلط لغرض ٍ في نفوسهم، فإن هؤلاء الإعلاميين لا يخلطون عن عمد للتشويش وإنما ببساطة لأن مفاهيمهم مشوشة من الأساس؛ فعلى طريق خلق واقعٍ خياليٍ مواز، تطفو الطبقة الحاكمة وإعلامها على سطح أوهام القوة والإنجاز والتحقق، ويتم النقاش والتداول لأكاذيب مختلقة اكتسبت حياتها الخاصة، ترفدها بالطبع مفاهيم من الانطباعات والثقافة الدارجة «السماعي نهاوند» التي تخلق المزيد من الأكاذيب والانطباعات وهلم جرا.
فقاعة كبيرة… أجل فقاعة كبيرة تحاكي الفقاعة الاقتصادية، ما تني تتضخم هي الأخرى، والمشكلة أنها حين تنفجر، وحده الله يعلم مدى الكارثة والضرر.
«طريق الموت» هو التسمية التي أطلقت على الطريق الذي يصل بين الكويت والعراق، بعد أن دمرت قوات التحالف بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية الجيش العراقي، أثناء انسحابه عام 91 في عملٍ إجراميٍ قل أن تجد له مثيلاً. وتبقى الرمزية للأبد؛ فقد عودنا القادة العرب الأشاوس أن يترك كلٌ منهم وراءه طريقاً مشابهاً يتفاوت في طوله ومدى دماره من المشاريع العظمى التي تحولت خرائب تنعق فيها الغربان والفقر المدقع والبؤس وانكسار الروح.. ترى، كم من الخسائر سنحصي بعد عقدٍ من الزمان؟
٭ كاتب مصري
د. يحيى مصطفى كامل