خلافات الأحزاب الكردية والشيعية في العراق تدعم تنظيم «الدولة الإسلامية»

حجم الخط
4

مصائب قوم عند قوم فوائد، فالنزاعات الداخلية بين أحزاب التحالف الكردي والشيعي الحاكم في العراق ساهمت في تخفيف الضغط السياسي والعسكري على عدوهم المشترك «تنظيم الدولة».
فأي قوة متمردة ناشئة قد تسعفها خلافات الخصوم في بعض المراحل لتثبيت نفسها، وهذا ما يحدث مع «تنظيم الدولة الاسلامية في العراق والشام». صحيح أنه يقاوم منفردا الحملة العسكرية الغربية العربية، وقوات وميليشيات الحكومة العراقية والنظام السوري والميليشيات الموالية لهم، لكن تصدع بعض التحالفات او تفككها هو أمر قد يحدث مستقبلا، إذا واصل هذا التنظيم قدرته على سباق الزمن في تحدي هذه الحملة العسكرية عليه.
ظلت إيران قادرة على لجم التباينات والنزاعات بين الفرقاء الشيعة في العراق، بوصفها الراعي الرسمي للتشيع السياسي العربي، والاب الروحي لكل احزابه، ولكن بعض هذه الخلافات بدأ يتسع شيئا فشيئا، ورغم أنه ما يزال تحت السيطرة، إلا أنه أثر بشكل كبير على أداء وكفاءة الحملة العسكرية التي تشنها الميليشيات الشيعية على «تنظيم الدولة»، خصوصا في بيجي والأنبار. 
فهذه الميليشيات منقسمة ايضا حسب القوى الشيعية، فمنها ما هو تابع للتيار الصدري، ومنها ما هو تابع للخزعلي المنشق عن مقتدى الصدر، وكذلك بالنسبة للفصيلين الأبرز وهما، حزب الدعوة والمجلس الاعلى بقيادة الحكيم.
وكلها تيارات سبق ان اقتتلت في ما بينها بعد دخولها للعراق، خصوصا ما حصل بين التيار الصدري المتمرد على الحكومة العراقية في العامين الاولين لاحتلال العراق، الذي كان ينظر لنفسه كممثل للتيار الشيعي العروبي الأكثر التصاقا بالفقراء، وبين تياري حزب الدعوة والمجلس الاعلى اللذين احتكرا العمل الشيعي المعارض لنظام صدام منذ نشأته.   
ولعل المظاهرات التي وقعت في جنوب العراق وبغداد هي أحد وجوه هذه الخلافات، وما نتج عنها من قرارات للعبادي همشت الدور المؤثر للمالكي، وهو ما أغضب المالكي وجعله يتوجه لإيران،، كما يشتكي الاخوة بعضهم بعضا  لوالدهم وقت الخلاف، ولعل المالكي أراد استفزاز طهران بأن العبادي يلعب بورقة الدعم الامريكي المتنامي له، هذا الزعم الذي أدى اصلا للاطاحة بالمالكي والاتيان بالعبادي في توافق امريكي ايراني على رئيس للحكومة العراقية.
وهذا هادي العامري يصرح علنا بان المظاهرات والتوترات في جنوب العراق اضعفت من زخم الحشد الشيعي في بيجي وسط العراق، التي استعاد التنظيم معظمها في الايام الاخيرة. 
وعلى الجانب الاخر فان خلافات بين الحزبين الكرديين قد تطفو اكثر على السطح في الفترة المقبلة، فالبارازاني والطالباني بينهما ايضا تنافس قديم ونزاعات مسلحة على زعامة كردستان العراق، بل لعلها دفعت بالبارزاني يوما ما للاستعانة بصدام حسين وقواته ضد الطالباني اواسط التسعينيات في اربيل.
هذا التنافس يطرق ابواب كردستان بقوة مجددا، ويذكيه استقطاب اقليمي ايضا، فطالباني اكثر قربا امنيا واستخباراتيا من ايران والنظام السوري، والبارزاني اكثر قربا سياسيا من تركيا والولايات المتحدة، وكانت التوليفة السابقة تقضي باستحواذ البارزاني ابن الزعيم التاريخي للاكراد الملا مصطفى البارزاني للقيادة في اقليم كردستان، بينما تذهب رئاسة الجمهورية لطالباني، وهي تقسيمة قد نجحت في لجم التناحرات لعشر سنوات سابقة، لكن الآن ومع نهاية ولاية بارزاني الثانية في اقليم كردستان، بدا حزب  الطالباني بالمطالبة بقيادة الاقليم، وهو ما صعّد اللهجة ووتر العلاقات بينهما، في وقت بدأت في احزاب وقوى جديدة تقضم من حصة الحزبين التاريخيين في كردستان، وعلى رأسها حزب «التغيير» الصاعد بقوة، وكذلك احزاب اسلامية بدأت تجد رواجا في الشارع الكردي في الفترة الاخيرة.
هذه الخلافات الكردية الكردية ايضا ستنعكس بلا شك، وفي حال تنامت أكثر، على تماسك قوات البيشمركة التي تقاتل «تنظيم الدولة» في جبهات كركوك والموصل وسنجار وتلعفر، وصولا إلى ربيعة على الحدود السورية العراقية.
وهكذا فإن فرصة «تنظيم الدولة» في الاستمرار محتفظا على الاقل بمواقعه لا ترتبط فقط بحسن ادارته للمعركة العسكرية لقواته، بل ايضـــا بتخلخل خصومه المحليين مع مرور الزمن، وهــــم الذين تميزوا دائما بوحدتهم كممثلـــــين على طوائف وعرقيات بقيادة منضبطة يواجهون في المقابل قوى ســـنية متنازعة في ما بينها جعلتها تبدو كأقلية مهزومة رغم تفــوقها العددي في أعنف صراع أهلي يعيشه المشرق العربي منذ قرون. 

٭ كاتب فلسطيني من أسرة «القدس العربي»

وائل عصام

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية