لندن ـ «القدس العربي»: أشارت صحيفة «التايمز» البريطانية إلى خلافات بين فصائل تعول عليها الولايات المتحدة لمواجهة تنظيم الدولة الإسلامية ، وهي تعني هنا ما جرى قبل أيام من تبادل إطلاق النار بين مقاتلي ميليشيا بدر الشيعية وقوات البيشمركة الأكراد قرب بلدة ينكيجة التي تبعد 30 ميلا جنوب تكريت.
وأدت الخلافات لمقتل قيادي عسكري شيعي وجرح آخرين من الطرفين. وتقول الصحيفة إن رايات البيشمركة ربما تداخلت مع رايات قوات بدر في الطريق المؤدي إلى العاصمة بغداد لكن هناك شكوك عميقة بين الطرفين اللذين يفترض أنهما حلفاء في القتال ضد «داعش». وكانت قوات بدر قد ألقت القبض على تسعة من المقاتلين الأكراد واحتجزتهم كرهائن فيما احتجز الأكراد اثنين من قواتها.
وتقول الصحيفة إن الميليشيات الشيعية ومعظمها تلقى تدريبا من الحرس الثوري الإيراني ولعبت دورا في الحرب الأهلية في العراق ما بين 2004- 2010 تلعب اليوم دورا جديدا في مواجهة التنظيم بعد انهيار الجيش العراقي في حزيران/يونيو، حيث عادت هذه القوى الطائفية للساحة من جديد وباتت حكومة بغداد تعتمد على هذه الميليشيات لمواجهة خطر الجهاديين.
ويخشى الشيعة والأكراد من بعضهم البعض حيث جاء كل منهما إلى الحملة ضد «داعش» بأجندته الخاصة. ونقلت الصحيفة عن أحد قيادات البيشمركة في داقوق قوله «هناك توتر دائم وهو ليس جديدا».
وتضيف الصحيفة إلى أن القوات الشيعية ساعدت على فك الحصار الذي فرضه «داعش» على بلدة إيمرلي التركمانية بعد أن اشتكى سكانها الشيعة من عدم اهتمام المقاتلين الأكراد بمساعدتهم. وظهر قائد فيلق القدس، الجنرال قاسم سليماني في صور وهو يرقص مبتسما مع المقاتلين الشيعة في اليوم الذي سقطت فيه البلدة.
واعترف ضابط من البيشمركة بقدرات المقاتلين الشيعة القتالية لكنه وصفهم بأنهم «حفنة من المهابيل، فعندما سننتهي من عدونا الرئيسي سيبدأوا بقتالنا».
وفي المقابل يتهم القادة الشيعة الأكراد بأنهم مهتمون فقط بتحقيق مصالحهم وتعزيز فرص الإستقلال عن بقية العراق.
وعبر مقاتلو البيشمركة عن غضبهم مما يرونه من ممارسات طائفية يقوم بها المقاتلون الشيعة ضد المجتمعات السنية. وبحسب ضابط بارز «يقومون بتفجير وحرق البيوت».
دمار شامل
وقالت الصحيفة إن حجم الدمار مثير للدهشة فقد اضطر معظم سكان بلدة ينكيجة للهروب، وهناك حي كامل تمت تسويته بالتراب بعد زرعه بالديناميت. وما تبقى من بيوت البلدة حرقت ولا يزال الدخان ينبعث منها.
ولا توجد أدلة عن إصابة بيوت بإطلاق رصاص مما يؤكد عدم حدوث معارك شوارع. وترتفع أعلام الجماعات الشيعية فوق البيوت التي تتخذها الميليشيات كمقرات.
وشهدت منطقة تكريت حالة نزوج جماعية لمناطق الأكراد خشية من تعرض السكان لحملات انتقامية من الميليشيات الشيعية. وعبرت عائلات عن مخاوفها من قيام هذه بمجازر انتقاما لما قام به «داعش» ضد الجنود الشيعة في قاعدة سبايكر العسكرية حيث اختفى فيها 1.000 جندي.
بلدة أزوية
ويعبر الإقتتال الحاصل بين حلفاء الولايات المتحدة في الحملة ضد «داعش» عن مدى الصعوبة التي تعتري الولايات المتحدة بناء قوة ذات مصداقية ومنسجمة قادرة على مواجهة الجهاديين واستعادة ما سيطروا عليه من مدن كبيرة وبلدات بعد أن تبين عدم نجاعة الغارات الجوية في إضعافه وهزيمته. فلم تمنع الغارات الجوية الجهاديين من التقدم واحتلال بلدات جديدة في العراق رغم انشغالهم وتراجعهم في بلدة عين العرب.
فقد سيطر «داعش» على بلدة ازوية في محافظة هيت وانسحاب قبيلة البونمر منها. وفي السياق نفسه كتب ديفيد إغناطيوس المعلق الأمريكي في صحيفة «واشنطن بوست» تحت عنوان «العراق والولايات المتحدة يخسران أمام تنظيم الدولة الإسلامية».
وقال إغناطيوس إنه التقى بجلال القعود أحد قادة العشائر العراقية اللذين تقوم الولايات المتحدة بمساعدتهم على أمل ان يكونوا قادرين في يوم على صد تقدم «داعش». ويشير بدلا من ذلك إلى زحف المتشددين نحو بلدة ازوية التي تعتبر معقل عشيرة البونمر. وتشكلت القوة المهاجمة من 200 مسلح و30 عربة عسكرية، في وقت كانت الذخيرة والطعام تنفذ لدى المدافعين الذين فكروا في عقد صفقة مع الجهاديين.
ويقول الكاتب إن القعود، رجل الأعمال البالغ 53 عاما حاول من عمان الإتصال مع قادة العشيرة وحاول أكثر من مرة الإتصال مع منسق استراتيجية الرئيس باراك أوباما للعراق وسوريا، الجنرال المتقاعد جون ألن، كي يطلب منه المساعدة، ومع وصول الرسالة للجنرال كان الوقت قد تأخر للقيام بشيء. كما ووصلت رسائل تحذيرية مبكرة عن قرب سقوط البلدة للجيش العراقي المرابط في قاعدة الأسد الجوية القريبة، لكن بدون رد حيث قامت مروحية بالتقاط صور استطلاعية وعادت.
ويؤكد الجنرال ألن أنه قام حالة تلقيه رسالة القعود بإرسالها إلى القيادة المركزية للقوات الأمريكية ومركز العمليات في بغداد وتم تأكيد وصولهما. وأكد ألن أنه يدعو وبشكل مستمر لدعم القبائل في العراق وأنه يحاول البحث عن طرق لتوسيع الدعم.
قد نتخلى عن القتال
ويذكر إغناطيوس إن القعود أخبره عن سقوط البلدة في الصباح مؤكدا أنها اصبحت بيد «داعش»، مما يعني أن سيطرة «المتطرفين» على محافظة الأنبار بشكل كامل صارت قاب قوسين أو أدنى.
ويعتقد الكاتب إن القصة التي تحدث عنها القعود مثيرة لأنه كان واحدا من قادة القبائل السنية كانت تعول الولايات المتحدة عليهم تنظيم المقاومة ضد التنظيم. وكان واحدا من عشرات العشائر العراقية الذين قابلهم الجنرال ألن في بداية الشهر الحالي تشرين الأول/اكتوبر. وأكد القعود إنه بدون مساعدة عاجلة «فسنتخلى عن القتال».
ويضيف «قال لي إنه سيقوم بربطي مع شخص في القيادة المركزية: ولكن هذا لم يحدث أبدا».
ويرى القعود إن طريقة عرض الولايات المتحدة للإستراتيجية ضد «داعش» كانت غامضة، وهم يركزون أكثر على أخذ ملاحظات.
وأشار إلى أن الشيخ زيدان الجبوري من العشيرة المعروفة، كان حاضرا اللقاء في مكتب القعود.
واعترف الجبوري إن بعض مقاتلي القبيلة انضموا للبعثيين السابقين وضباط الجيش العراقي ودعموا «داعش»، وتساءل «لماذا تلوموننا في الأنبار لانضمامنا لهم»، فمن دعموا التنظيم هذا دعموه بسبب «الإضطهاد» الذي مارسته عليهم حكومة نوري المالكي، رئيس الوزراء العراقي السابق.
ويقول إن السنة كان أمامهم خياران «قتال داعش والسماح لإيران وميليشياتها حكمنا أو العكس، لقد اخترنا «داعش» لسبب واحد وهو أنه يقتلك لوحدك أما الحكومة العراقية فتقتلك وتغتصب إمرأتك».
ويقول الجبوري إن «داعش» كان قادرا على حشد الدعم لأنه زرع «خلايا نائمة» في كل المناطق السنية. ومعظم أفراد هذه الخلايا هم من الشباب الذين نشأوا في ظل الإحتلال الأمريكي وشاهدوا كيف قتل آباؤهم وأفراد عائلاتهم «كلهم نشأوا في ظل ثقافة الثأر والإنتقام».
ويوافق القعود على هذا قائلا إنه عندما زحف «داعش» نحو هيت خرج أكثر من 1.000 مقاتل كانوا مختفين. ويعلق إغناطيوس على شهادتي القعود والجبوري أن ضوء الأمل الوحيد هي استعداد رجل دعم «داعش»للتعاون مع الأمريكيين طالما سيؤدي هذا لحماية السنة.
ويؤكد الجبوري إن السنة يريدون تحالفا استراتيجيا مع الولايات المتحدة وأن هناك ضوءا في نهاية النفق.
وعن خطط الولايات المتحدة لإنشاء قوات حرس وطني سني سخر من الفكرة وقال هذه «أماني» لأن الشيعة والأكراد لن يوافقوا على الخطة. ويقول الجبوري «حتى تتم حماية حقوق السنة» «فسنظل نقض مضجع العالم».
مالية «داعش»
يشير ما نقله إغناطيوس عن الشيخين العراقيين للدوافع التي دفعت بعض السنة دعم «داعش» ولغياب التنسيق في إدارة المعركة ضده.
مما يعني أن مهمة إضعاف التنظيم شاقة، وهنا نشير لملمح آخر في الإستراتيجية يبدو أنه لم يحقق نجاحات وهو متعلق بنشاطات التنظيم المالية فحسب أكبر مسؤول أمريكي في ملاحقة مال الإرهاب يحصل «داعش» على عشرات الملايين شهريا من نشاطاته الإرهابية.
وتقول صحيفة «لوس إنجليس تايمز» إن «داعش» يحصل على ملايين الدولارات من نشاطات غير مشروعة على الرغم من الجهود الأمريكية إضعاف مصادر دخله. فقد شملت الغارات الأمريكية على سوريا حقول نفط وغاز ومخازن حبوب وما إلى ذلك.
ويقول مسؤول أمريكي في مكافحة الإرهاب إن البنوك المحلية في العراق لا تزال تقوم بتحويل أموال من داخل البلدات والمدن الواقعة تحت سيطرته.
وقال ديفيد كوهين، الوزير المساعد لشؤون الإرهاب و الأمن المالي في الخزانة الأمريكية إن تنظيم الدولة الإسلامية «راكم كميات كبيرة من المال وبسرعة غير مسبوقة» بما فيها 20 مليون من تبادل رهائن.
واعتبر الوزير «داعش» «من أفضل التنظيمات الإرهابية التي واجهناها». مما يعني أن وقف التنظيم يحتاج إلى وقت طويل «ليس لدينا حلا سحريا، او سلاحا سريا لإفراغ خزينته في ليلة وضحاها»، مؤكدا ان قتاله يحتاج لجهود مستمرة «ونحن في المراحل الأولى».
وتضيف تصريحات كوهين حول البطء في وقف مصادره المالية في وقت أجبرت فيه إدارة أوباما على الدفاع عن استراتيجيتها التي مضى على بدايتها 10 أسابيع وشنت فيها الطائرات الأمريكية 600 غارة، ولم تكن كافية على إخراج الجهاديين من أي من المدن. وكان كوهين يتحدث في مؤسسة كارنيجي للسلام العالمي وقال إن الدولة الإسلامية تحصل على ملايين الدولارات من النفط المسروق ومن الفدية التي تدفعها عائلات الرهائن، السرقة والأتاوات ومن بعض المتبرعين والممولين الأفراد في دول الخليج. ومنذ بروز «داعش» كقوة أثارت المخاوف في المنطقة جرى الحديث عن تقديرات حول ميزانيته التي قدرها البعض بمليار دولار.
ويقول المحققون الأمريكيون إن «داعش» حصل يوميا على مليون دولار من عائدات النفط الذي باعه مهربا وذلك في منتصف حزيران/يونيو.
ولكن الغارات الجوية في آب/اغسطس قللت من قدرته على استخراج وتصفية وتهريب النفط بحسب تقرير لوكالة الطاقة الدولية صدر الأسبوع الماضي.
وكان مسؤولون في الخزانة والخارجية قد التقوا في 17 تشرين الأول/اكتوبر مع ممثل 20 دولة ومنظمة في محاولة لعزل مالية الدولة الإسلامية والجماعات الأخرى مثل تنظيم «القاعدة» «وجبهة النصرة لأهل الشام».
وتقول الصحيفة إن «داعش» لم يبع النفط فقط عبر وسطاء لتجار في تركيا بل لتجار أكراد. وأضاف كوهين إن هناك «إشارات أخرى عن انحراف نظام الأسد، ويبدو أن الحكومة السورية اتفقت لشراء نفط من داعش».
وتقول الصحيفة إن المخططين الأمريكيين العسكريين تجنبوا استهداف أنابيب النفط ومصافي البترول لأن الحكومة في بغداد تأمل باستعادة المدن الواقعة تحت سيطرة الجهاديين ولهذا لا تريد انفاق أموال طائلة على إصلاحها.
ونقلت عن السفير العراقي في الولايات المتحدة، لقمان الفيلي في اتصال هاتفي إن حكومة بلاده تريد المحافظة على البنية التحتية «لسيناريو اليوم التالي».
لا نريد تدمير البنية التحتية
ويمثل «داعش» تحد للإدارة الأمريكية من الناحية المالية لأنه على خلاف «القاعدة» لا يعتمد كثيرا على التمويل الخارجي، ولا يمكن والحالة هذه ملاحقة حسابات أفراد وغلقها. فمعظم ماليته تأتي من مجرمين محليين ونشاطات إرهابية. فالتنظيم يحصل شهريا على ملايين الدولارات من خلال «شبكة معقدة من الإبتزاز».
ففي مدينة الموصل التي تعتبر ثاني كبرى المدن العراقية ذهب المقاتلون من بيت إلى بيت ومحل إلى محل يطالبون بالمال. ويرى كوهين أن ما يحصل عليه التنظيم ليس ضريبة مقابل خدمات أو حماية وإنما «سرقة، بشكل واضح وبسيط».
ولا يمكن مواجهة النشاطات هذه بشكل كامل لأن الحكومة العراقية مترددة في إغلاق البنوك والمصارف المحلية حتى لا تتعطل الحياة اليومية للسكان الخاضعين لسيطرة «داعش».
وهو وضع يصعب فيه التفريق بين ما هو عقد مالي أو تعامل شرعي وآخر له علاقة ب «داعش».
وتقوم الإدارة بمناقشة الوضع مع الحكومة العراقية وكيفية حله حسب كوهين. والمشكلة كما يراها السيناتور الديمقراطي وعضو لجنة الأمن آدم شيف هي كيفية اتخاذ إجراءات بدون تهميش السكان السنة، مضيفا «يجب أن نكون واقعيين حول ما نريد استهدافه من مصادر دخلهم- داعش- طالما ظلوا يسيطرون على تلك المنطقة المنتجة للنفط»، ويعتقد أنه من الصعب وقف عمليات الإبتزاز والإختطاف والضرائب التي يفرضونها على السكان.
ويقول خوان زاراتي، نائب مستشار الأمن القومي في عهد جورج بوش 2005- 2009 إن «تنظيم الدولة الإسلامية لم يقم بإنشاء مناطق آمنة بل وقرر إدارة اقتصاد حرب وعدم تدمير البنى التحتية المالية».
وهو ما يمثل تعقيدا لوزارة المالية «لأنها بشكل واضح تريد حرمان داعش من استخدام فروع المصارف والمؤسسات المالية ولكنها في الوقت نفسه لا تريد خنق النشاطات المالية للذين يعيشون في ظل الإرهابيين».
إبراهيم درويش