تونس – «القدس العربي»: مع اقتراب موعد الإنتخابات في تونس تزداد الصراعات داخل الأحزاب السياسية حدة، خصوصا وأن أغلب هذه الأحزاب «غير ديمقراطية». فبعضها لم يعرف منذ تأسيسه تداولا على منصب رئيس الحزب وبعضها الآخر لم يعقد مؤتمره التأسيسي ويتم تسييره من قبل هيئات غير منتخبة، وتتخذ قياداته القرارات دون العودة إلى القواعد.
وقد انعكس ذلك على طريقة اختيار المترشحين للإنتخابات التشريعية التي لم يبق على موعدها سوى شهرين إثنين، حيث طغت المحسوبية والولاءات على عملية اختيار المرشحين لهذا الموعد التاريخي الحاسم الذي سيختار من خلاله التونسيون مؤسساتهم الدائمة ويخرجون من المرحلة الإنتقالية التي دامت قرابة الأربع سنوات.
كما أن المال السياسي لعب دوره بشكل بارز من خلال ظاهرة رجال الأعمال الذين ترأسوا القوائم الإنتخابية في كبرى الأحزاب السياسية، وهو ما أصاب الكثيرين بالإحباط، حتى أن البعض خشي من إمكانية ولادة ما أسماها «الديمقراطية الفاسدة».
نداء تونس
ولعل أكثر الأحزاب التونسية التي تشهد صراعات داخلية في الآونة الأخيرة هي حركة نداء تونس التي يتزعمها مؤسسها رئيس الحكومة الأسبق الباجي قائد السبسي.
فهذا الحزب الذي نشأ بغاية إحداث «التوازن» داخل الساحة السياسية التونسية مع حركة النهضة، يتشكل من خليط من الدساترة (أبناء المنظومة السابقة) واليساريين والليبراليين والمستقلين والنقابيين وحتى بعض الوجوه «الإسلامية»، وهو ما جعله باستمرار عرضة للهزات وعدم الإستقرار لغياب التجانس بين مكوناته، إذ يصعب إيجاد صيغة لجمع هؤلاء جميعا تحت مظلة واحدة.
وقد برزت الخلافات أكثر داخل هذا الحزب في عملية تشكيل القوائم التي ستخوض سباق الوصول إلى قصر باردو (مقر البرلمان) في مختلف الدوائر، حيث يسعى كل شق إلى فرض أنصاره والمقربين منه كمرشحين رغبة في الهيمنة على الحزب الذي يرشحه كثر لحكم البلاد مع حركة النهضة خلال السنوات المقبلة.
ولعل أبرز المتضررين من هذه الصراعات التي احتدمت بشكل لافت في الآونة الأخيرة هو نجل رئيس الحزب حافظ قائد السبسي الذي كان من المفروض أن يكون رئيس قائمة الحزب التي ستخوض السباق الإنتخابي في دائرة تونس 1 (الدائرة الأولى للعاصمة التي توجد بها دائرتان)، لكن الضغوط التي مورست على والده من داخل الحزب وخارجه جعلته يتراجع عن ترشيحه، وقد تحدث البعض عن أن قائد السبسي الصغير دفع ثمن خلافاته مع التيار اليساري داخل النداء المدعوم من النقابيين، والذي رغب في الصدام المستمر مع حركة النهضة بخلاف إرادة «سي الباجي» ونجله.
الشعور بالضيم
ويشعر كثير من «المناضلين» القاعديين لحزب حركة نداء تونس بالضيم من عملية اختيار المرشحين للإنتخابات.
فكثير من هؤلاء انتموا إلى الحزب منذ أيام نشأته الأولى حين كانت تشن عليه الحملات من أنصار الترويكا (النهضة، المؤتمر، التكتل) واصفين إياه بأنه حزب الأزلام والثورة المضادة، وتعرض بعض «الندائيين» لعنف ما تسمى «رابطات حماية الثورة» وتمت مضايقتهم بصورة لافتة، لكن حين اشتد عود الحزب وفرض نفسه في الساحة السياسية التونسية وبرز للعيان كحزب كبير مرشح ليشارك في الحكم، تم استثناء بعض هؤلاء، من أن يكونوا مرشحين للإنتخابات أو مشاركين في عملية إختيار المرشحين.
لقد تقاطرت على حركة نداء تونس شخصيات سياسية ورجال أعمال ومستقلين كانوا يقفون على الحياد طيلة السنوات الثلاث الماضية بانتظار «الحسم»، وتقدم هؤلاء على أبناء الحزب الذين انتموا إليه منذ بداياته.
ونتيجة لهذا الوضع بدأ الحزب يشهد موجة استقالات، فقد غادرته على سبيل المثال المفكرة المثيرة للجدل ألفة يوسف، وتم الحديث عن انسحاب مكتب محلي بجهة الساحل العــــريقة سياسيا وبكامل أعضائه.
ويرى كثير من المراقبين بأن الحركة تدفع ضريبة غياب الديمقراطية داخل هـــياكلها وأنه لو استجاب الباجي قائد السبسي لدعاة عقـــد مؤتمر الحزب قبل الإنتخابات ما كان حصل ما حصل، خاصة وأن سي الباجي انسحب من الحياة الســـياسية سنة 1971 احتجاجا على رضوخ بورقيبة لمطـــالب «شــق الصقور» داخل الحزب الإشتراكي الدســـتوري الذي لم يكن راغبا في الديمقراطية داخل الحـــزب الحاكم آنذاك.
حالة عامة
ولا يقتصر الشعور بالضيم على قواعد حركة نداء تونس، فأغلب الأحـــزاب الســـياسية التونســـية تشهد هذه الظاهرة. فحركة النهضة على ســــبيل المثال، قامت بترشـــيح رجال أعمال في دوائر إنتخـــابية لا علاقة لهم من قريـــب أو من بعـــيد بالـــحركة، وذلك على حساب أبنائها ومناضليها. ففي دائرة سوسة سيترأس قائمة حركة النهضة رئيس النجم الرياضي الساحلي الأسبق رجل الأعمـــال معـــز إدريس. كما سيمثل النهضـــة بإحدى دائرتي مدينة صفاقس رجل الأعمال محمد الفريخـــة صاحب شركة الطيران «سيفاكس آرلاينز» الذي لم تعرف عنه انتماءات نهضوية سابقة.
تجانس
إن أهم ما يميز حزب حركة النهضة على حركة نداء تونس، هو التجانس الفكري، فالنهضويون محافظون مرجعيتهم إسلامية إخوانية ولهم امتداداتهم خارج البلاد، فيما النداء يضم مشارب فكرية متعددة بعضها متضاد ولا يتصور أن يلتــــقي مع نقيـــضه حول مشروع ما. والأحزاب العقائدية على غرار حركة النهضة عادة ما تكون منضبطة وملتزمة بقرارات القيادة ولا تطفو خلافاتها على السطح مثلما هو حاصل مع نداء تونس.
فالنهضويون على سبيل المثال لم يعارضوا في وقت سابق ترشيح الشيخ راشد الغنوشي لصهره رفيق عبد السلام وزيرا للخارجية في حكومة حمادي الجبالي، فيما كثير من الندائيين لم يقبلوا بقرار «سي الباجي» ترشيح نجله على رأس قائمة تونس 1 للإنتخابات التشريعية.
وبالتالي فإن السؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح لدى جل المراقبين والمهتمين بالشأن التونسي، يتعلق بما مدى تأثير هذه الخلافات الداخلية على حظوظ الأحزاب السياسية التونسية في حصد أكبر عدد من الأصوات في هذه الإنتخابات التاريخية التي ستشهدها تونس، خاصة وأن البعض تحدث عن إمكانية تراجع قائد السبسي الأب حتى عن ترشحه إلى الإنتخابات الرئاسية، نتيجة لهذه الخلافات.
روعة قاسم