خلافات داخل هيئة «العدالة الإنتقالية» في تونس

حجم الخط
2

تونس ـ «القدس العربي»:تشهد هيئة الحقيقة والكرامة المكلفة بملف العدالة الإنتقالية في تونس مشاكل وضغوطات بالجملة وأيضا انشقاقات قد تؤثر سلبا على عملها في المستقبل وربما وجودها مع المطالبات من بعض الأطراف بحلها. فبعد المقال الذي توجهت فيه رئيسة اللجنة العربية لحقوق الإنسان اللبنانية فيوليت داغر بالنقد لأداء الهيئة ورئيستها سهام بن سدرين، بعث نائب الأخيرة، المناضل الحقوقي زهير مخلوف برسالة مطولة إلى رئيس مجلس نواب الشعب التونسي محمد الناصر يشتكي فيه أيضا من زميلته ومن أدائها ويتهمها تهما خطيرة يرى البعض أنه يجب أن يفتح بشأنها تحقيق لمعرفة الصواب من الخطأ.
كما قدم القاضي الإداري محمد العيادي عضو الهيئة استقالته يوم الثلاثاء الماضي في خطوة فاجأت الجميع والسبب بحسب العيادي هو عدم توفر المناخ الملائم لإتمام المهمة التي انتخب من أجلها. وهو تفسير لم يقنع البعض الذين أكدوا على وجود ضغوط ما وأشياء تحصل وراء الكواليس أجبرت العيادي بالنهاية على تقديم استقالته بصورة مفاجئة بالتزامن مع الرسالة التي بعث بها نائب رئيسة الهيئة إلى رئيس مجلس نواب الشعب ولقيت صدى إعلاميا واسعا.

قانون المصالحة

ويرى بعض المحللين أن الداعمين لقانون المصالحة الاقتصادية مع رجال الأعمال الذين تورطوا في العهد السابق هم من يستهدفون هيئة الحقيقة والكرامة لإنقاذ البعض من المحاسبة. وتدعم هذا القانون رئاسة الجمهورية وأطراف أخرى تنتمي إلى المنظومة السابقة وتحرص على التطبيع مع الحكم الجديد في تونس بدعم من منظمة الأعراف (الاتحاد التونسي للصناعة والتجارة والصناعات التقليدية) وحتى الاتحاد العام التونسي للشغل (أعرق التجمعات النقابية في تونس) الذي لم يبد معارضة صريحة لمشروع القانون هذا رغم تململ بعض قياداته اليسارية مما تتضمنه بنود هذا القانون الذي ينتظر أن يطرحه مجلس نواب الشعب قريبا للنقاش.
ولعل السؤال الذي يطرح نفسه هو لماذا هذا التزامن الآن بين قرب طرح قانون المصالحة للنقاش داخل قبة البرلمان وبين الأزمة، التي يراها البعض مفتعلة، داخل هيئة الحقيقة والكرامة؟ ألم يكن من الأجدى طرح هذه الاخلالات والتجاوزات لرئيسة الهيئة، على فرض صحتها، في وقت سابق درءا للشبهات؟ ألا يعتبر هذا استهدافا، بحسب أصحاب هذا الرأي، لمسار العدالة الانتقالية برمته واصابته في مقتل من قبل، من يعتبرهم البعض، «أنصار الثورة المضادة» الذين يخشون المحاسبة وفتح الملفات والأرشيفات التي تدينهم وتفضح ممارساتهم خلال العهد السابق؟

خلل حقيقي

في المقابل يرى آخرون بأن ما يحصل داخل هيئة الحقيقة والكرامة لا علاقة له بقانون المصالحة ولا بأنصاره بل هناك فعلا خلل ما في تركيبة هذه الهيئة وفي عمل أعضائها. فزهير مخلوف نائب الرئيسة رجل مناضل ضد الاستبداد مشهود له بالكفاءة ورفعة الأخلاق والحرص على الدفاع على القيم والمبادئ ويصعب بنظر هؤلاء أن تشترى ذمته وأن يتورط في مؤامرة ضد رئيسة هيئة الحقيقة والكرامة مع أنصار قانون المصالحة. كما أن فيوليت داغر رئيسة اللجنة العربية لحقوق الإنسان لبنانية ومحايدة، بحسب هؤلاء، ويصعب تصور تورطها مع فريق تونسي لاستهداف فريق آخر وخدمة لمصلحة قد تؤثر على مصداقية منظمتها. وبالتالي وجب التعجيل بنظرهم إلى استجلاء الحقيقة ومعرفة الخيط الأبيض من الخيط الأسود من خلال لجنة تحقيق برلمانية تنظر في التهم الخطيرة التي تم توجيهها للهيئة ورئيستها.

إعفاء من المهمة

ويشار إلى أن هيئة الحقيقة والكرامة اجتمعت يوم الخميس الماضي برئاسة سهام بن سدرين وقررت إعفاء نائب الرئيس زهير مخلوف من مهامه ردا على رسالته إلى رئيس البرلمان التونسي. واعتبر الأخير أن قرار الإعفاء باطل لأنه مخالف لقانون العدالة الانتقالية والسبب برأيه أن ثمانية أعضاء فقط من أصل 13 حضروا الإجتماع وهو نصاب غير قانوني لا يخول اتخاذ القرارات.
فطبق قانون 2013 المنظم للعدالة الانتقالية في تونس لا يمكن إعفاء عضو من مهامه إلا إذا صوت عشرة أعضاء على الإعفاء وهو ما لم يحصل بحسب مخلوف. لذلك فإن ما حصل في رأيه هو جريمة في حق الهيئة وقانون العدالة الانتقالية بحسب تصريحه لوكالة الأنباء التونسية الرسمية مباشرة إثر الإعلان عن قرار الإعفاء الذي أثار جدلا واسعا وأعتبره البعض هروبا إلى الأمام من رئيسة الهيئة والمقربين منها.

قناعات راسخة

إن ماهو أكيد أن هذا الملف سيشهد تطورات في قادم الأيام وسجالات بين أنصار المحاسبة وأنصار المصالحة في تونس الذين لكل منهم وجهة نظره وقناعاته الراسخة التي أثبتت التجربة أنه يصعب التنازل عنها. ويبدو أن أنصار الترويكا الحاكمة السابقة وخصوصا ما يسمى «حراك شعب المواطنين» الذي يقوده الرئيس السابق المنصف المرزوقي والأحزاب التي تفرعت عن حزب المؤتمر من أجل الجمهورية الذي يرأسه المرزوقي شرفيا، تساند رئيسة هيئة الحقيقة والكرامة سهام بن سدرين وتعتبر أن الانتقادات التي توجه للمعارضة السابقة لنظام بن علي هي حملة شرسة الهدف منها غلق الملفات وعدم كشف الحقائق.
في المقابل فإن أنصار الفريق الحاكم الحالي، من حركة نداء تونس وحلفائها، هم الذين يساندون بالأساس قانون المصالحة إضافة لرجال الأعمال ومنظمتهم الجامعة. ويرى هؤلاء أنه آن الأوان للمصالحة بين أبناء الوطن الواحد من خلال إجراءات هامة منها تسوية ملفات رجال الأعمال لأن الاقتصاد التونسي بحاجة إلى ذلك لاستعادة عافيته، ويتهم هؤلاء من معارضيهم بأنهم يرون في هيئة سهام بن سدرين عائقا يحول دون إفلات المقربين منهم من رجال الأعمال من المحاسبة.

أربع مراحل

وتقتضي العدالة الانتقالية تحقق أربع مراحل، أولها كشف الحقائق من خلال فتح الأرشيفات السرية والاستماع إلى ضحايا الحقبة الإستبدادية. ثم تتم محاسبة المذنبين عن الانتهاكات فالتعويض للضحايا وأخيرا المصالحة بعد تطهير أجهزة الدولة المسؤولة عن الانتهاكات لضمان عدم عودتها إلى تلك الممارسات. لكن يبدو أن معارضي العدالة الانتقالية في تونس يرغبون في المرور مباشرة إلى المصالحة دون كشف للحقائق ودون محاسبة للمذنبين عما اقترفوه بحق ضحاياهم. كما أن بعض أنصار الترويكا الحاكمة السابقة أصروا على التعويض مباشرة دون انتظار انطلاق مسار العدالة الانتقالية لفتح الملفات لمعرفة الحقائق ودون انتظار أن يعتذر المذنبون لتحصل المصالحة بين أبناء الوطن الواحد.

روعة قاسم

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية