خلاف الصدريين والفرقاء الشيعة أقر به الخزعلي ومقتدى منذ احتلال العراق  

حجم الخط
0

تمتد خلافات الصدريين والفصائل الشيعية الأخرى في العراق لعقود طويلة، تمحورت حول الزعامة السياسية للقوى الشيعية في البلاد.
في بعض المراحل لعب الانتماء العربي لقادة ومرجعية التيار الصدري دورا كعامل تمايز في النزاع مع فصيلي الدعوة والمجلس الأعلى. ورغم ان أبرز زعماء الصدريين ومؤسس حزب الدعوة محمد باقر الصدر أعلن تاييده لثورة الخميني الإيرانية مبكرا ودفع حياته ثمنا لذلك، إلا ان اتباعه انقسموا بعد ذلك لتيارين، تيار مقرب من مؤسسات إيران الأمنية ممثلا بحزب الدعوة والمجلس الأعلى الذي تفرع عنه بقيادة الحكيم، وتيار أقل ارتباطا تنظيميا على الأقل بالمؤسسات الإيرانية ممثلا بالتيار الصدري المتمركز في العراق بزعامة محمد صادق الصدر ووالد مقتدى الصدر. وفي ظل سيطرة مراجع غير عربية على الحوزات العلمية الشيعية، كالإيراني السيستاني والنجفي والفياض الأفغاني والباكستاني، برز محمد الصدر بالتسعينيات كمرجع شيعي عربي في العراق له ملايين المقلدين في أوساط الطبقات الشعبية الفقيرة كمدينة الصدر في بغداد. وفي أواخر التسعينيات أتخذ قرارا جريئا بإقامة صلاة الجمعة في مدن العراق الشيعية في ظل حكم الرئيس السابق صدام حسين، ما أذكى حالة العداء مع المراجع والقوى الشيعية الموالية لإيران والتي كانت ترى انه لا يجوز إقامة صلاة الجمعة إلا في ظل حكم إمام شيعي، وأشعل حرب اتهامات شيعية شيعية نالت من الصدريين لدرجة وصفهم بحلفاء نظام صدام حسين الذي كان بدوره يريد إيجاد وتقوية مرجعية شيعية عربية ظنا منه انها قد تعادي نظيرتها المقربة من إيران، في وقت توفي فيه المرجع الشيعي الخوئي وأراد علماء النجف الشيعة (غير العرب في معظمهم) أرادوا إبعاد وإضعاف مكانة محمد صادق الصدر. 
في ظل هذا الصراع اغتيل محمد صادق الصدر في أواخر التسعينيات، وكالعادة اتهم النظام العراقي باغتياله. رغم ان نظام صدام لم يكن يخشى من إعلان إعدام أي من معارضيه علنا كما فعل بجده محمد باقر الصدر وشقيقته، ولكن اتهامات أخرى وجهت لخصوم الصدر الموالين لإيران، الذين وجدوا فيه منافسا على زعامة الشيعة السياسية في العراق وخارجا عن بيت الطاعة الإيراني. وفي جميع الأحوال لا يمكن حسم الطرف الضالع باغتيال الصدر ان كان النظام العراقي أو خصومه الشيعة.
لكن الاتهام بضلوع إيران باغتيال محمد الصدر كان متداولا على لسان عدد من قيادات الصدريين، الذين يكنون عداء لبعض رموز القوى الشيعية خارج العراق، وبالذات للحكيم وللخوئي، وبعد سقوط بغداد بيوم واحد فقط، وصل عبد المجيد الخوئي أحد أحفاد المرجع الشيعي الذي كان يسيطر على حوزة النجف منافسا محمد صادق الصدر، ولم ينتظر أتباع مقدى الصدر سوى ساعات حتى هاجموه وقتلوه مع الكليدار في النجف، في عملية تبدو ثأرية لدور الخوئي بالتحريض على قتل محمد الصادق الصدر.
بعدها بيوم واحد وصلت إلى الكوفة للقاء مقتدى الصدر، وظهر يومها على شاشة فضائية عربية لأول مرة، وألقى خطابا تحريضيا ضد القوات الأمريكية، خارجا عن الأسلوب الذي اعتمدته باقي القوى الشيعية التي آثرت التعاون مع الأمريكيين واستخدمتهم كرافعة لهم في العراق الجديد، كونهم من حقق أهدافهم باسقاط عدوهم صدام حسين. 
بعدها بعام، كانت حمى الخلافات الشيعية الشيعية تتصاعد، وصولا لمعركة النجف، التي كادت ان تفجر نزاعا مسلحا بين الصدريين وتيار الحكيم، شهدت حينها النجف مظاهرات واضطرابات حادة بين الصدريين الذين كانوا يسيطرون على مرقد الإمام علي وباقي الفصائل الشيعية وخصوصا تيار الحكيم، قبل ان تنجز تسوية أمنت حلا وسطا بين الفرقاء الشيعة، تدخل فيها حتى العلمانيون منهم كأحمد الجلبي الذي أسس حينها ما يعرف بالبيت الشيعي. بعد سلسلة لقاءات حضرها بمرقد الإمام علي مع ممثلي القوى الشيعية، لتنتهي المعركة الأولى للنجف بتسوية اضطرت حتى الأمريكيين للقبول بها بعد ان توغلت قواتهم في مقبرة النجف واشتبكت مع مقاتلي جيش المهدي حديث التكوين حينها.
التقيت حينها بقيس الخزعلي، القائد الحالي لعصائب أهل الحق في العراق، كان المساعد الأقرب لمقتدى الصدر، والناطق الإعلامي باسمه، قبل ان ينشق عنه ويؤسس عصائب الحق الموالية لإيران، في دائرة خلاف داخلية شيعية جديدة، وهذه المرة صدرية صدرية. تحدث الخزعلي عن الأوصاف التي كان يطلقها تيار الحكيم على الصدريين واتهامهم بالبعثية، في حديث لم يتم عرضه تلفزيونيا حتى الآن، ولعل أبرز ما قاله قيس الخزعلي حينذاك أوضح لي بلا شك الموقف العدائي الذي يحمله التيار الصدري ضد باقي القوى الشيعية المقربة من إيران، وبالذات المجلس الأعلى الذين ميز تياره عنهم بما وصفه حينها بالشيعية العروبية. طبعا قيس الخزعلي وثق تحالفاته لاحقا مع إيران وأصبح من أفضل حلفائها وصاحب أحدى أقوى الميليشيات الشيعية في الحشد الشعبي، تماما كما فعل مقتدى الصدر الذي احتوته إيران وضمته لوصايتها، خاصة ان مرجعه الديني بات في قم الإيرانية وليس النجف وهو آية الله كاظم الحائري.
ولكن العلاقة الوطيدة للتيار الصدري مع إيران لم تعن في أي حال من الأحوال خفوت الحساسيات الشيعية الشيعية، ليس فقط على مستوى الخلافات السياسية، ان كان مع حكومة العبادي أو حتى ضمن الحشد الشعبي بين فصيل الصدر وباقي فصائل الحشد كقوات بدر والعصائب، بل نتحدث هنا على المستوى الشعبي. فحتى اليوم تشيع المناوشات والتجمات بين أنصار الفصيلين، وقبل أيام كانت أحدى الصفحات التابعة لمؤيدي الحكيم تستشهد بفيديو قديم للمرجع الشيعي محمد سعيد الحكيم وهو يصف مقتدى الصدر بـ»الطفل الجاهل المخربط، ما اله فصل ولا أصل»!.
وحتى اليوم فان الحوادث والخلافات السياسية بين الصدريين والفرقاء الشيعة في الحكومة العراقية ترجع لما أسلفنا من خلفيات وتاريخ مليء بنزاعات لم يفلح سوى الإيرانيين بلجمه، بصفتها الراعي والأب الذي يفصل في مشاجرات أبنائه في الفصائل الشيعية في العراق، ومن الواضح ان خطوات الصدر ولهجة التصعيد الحادة ضد رئيس الحكومة العراقية العبادي المنتمي لحزب الدعوة، ما كانت لتتم لولا الضوء الأخضر الممنوح له من إيران. 

وائل عصام 

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية