«خليل صويلح» إذ يقوّض جنّة مصمّمة بمزاج البرابرة!

حجم الخط
0

لا يمكن لأي سارد أن يروي وقائع القيامة. لأنها لا تنتظم وفق إيقاع بقدر ما تتبدى على شكل مشاهد مفزعة. وهو أمر يعترف به خليل صويلح – ضمنياً – في روايته «جنة البرابرة» الصادرة حديثاً عن دار العين. وهي من منظوره رواية ناقصة، غير خاضعة لمعايير الرواية المدرسية. فما أن يمسك بمبتدأ الحكاية حتى ينفرط منه خيطها، نظراً لفجائعية المشاهد وكثافتها وتتاليها السريع. وهو الأمر الذي يضع الراوي في حيرة، لأن الرواة الذين يُفترض أن يكتبوا الرواية معه «غادروا المكان باكراً، إلى قبور مجهولة».
وهو لا يقدر على الثبات في مختبر صلب وآمن ليحدّد رؤيته، بقدر ما يلهث وراء التسجيل بحس توثيقي. وهو أمر طبيعي لمن يحاول أن يروي وقائع القيامة السورية، التي يمفصل مشهديتها ما بين أول تظاهرة سلمية، منتصف مارس/آذار 2011، ومشهد أحد المقاتلين وهو يقضم قلب جندي قتله للتو. فالمسلخ العمومي، حسب تعبيره، مفتوح على مصراعيه لكل الذبائح، والوليمة السورية باذخة إلى حد يفوق الوصف.
منذ أول لقطة في الرواية، أي الجُملة الرحمية التي تعادل عنوان الرواية، يفصح خليل صويلح عن مراده، فما يعد به المتقاتلون في سوريا، ليس سوى جنة مصمّمة بمزاج البرابرة، وهو هنا إذ يؤرخ ليوميات الخراب، التي يسميها (سرديات الشهود) يرتد إلى الوراء ليتماهى مع ما سجّله الحلاق والمؤرخ الشعبي الدمشقي شهاب الدين بن أحمد البديري الحلاّق، الذي روى في القرن الثامن عشر في مخطوطة «حوادث دمشق اليومية»، ليكتب بروح تسجيلية جارحة عن «حوادث، وآلام، وانتهاكات عشتها يوماً بيوم، لجهة اختلاط الخرائط، وتعدد الهويات، واشتباك الرواة».
هكذا يروي وكأن القيامة قيد الحدوث، يكتب كأحد الناجين من المجزرة برثائية داكنة.. يسرد الوقائع بدون أن ينسى كونه مثقفاً. وهذه هي الزاوية التي يبدو فيها رائياً وشاهداً وراوياً ومستأنساً بزاوية تأمُّله للخراب، حيث لن يغادر مربع الصالحية لشهور، فهو لا يقدر على استيعاب الحدث إلا بصحبة المثقفين، الذين قرأ لهم أو ارتبط معهم بعلاقات على أرض الوقائع. وفي كل مفصل من الرواية يرتطم إما برمز ثقافي أو بعبارة ذات رنين. فمنذ أول لقطة يستنير بالـ(العمى) الذي بدّده ساراماغو في روايته التي تحمل العنوان نفسه. يتلمس «كأعمى تضاريس الكيبورد، على ضوء شمعة، وموسيقى صاخبة، لتعطيل أصوات القذائف، والألم بجرعات كبيرة».
إنها يوميات مثقف يبحث عن أقرانه في الشارع الملطخ هواؤه «برائحة الحرب والضجر والخوف».. ويخاف أن يتلوث معجمه «برائحة البارود، والقتلى، والمخطوفين، والأنفاق، والمعتقلات، وشبهات الهوية، وحواجز الطرق إلى الضواحي، وريبة أصدقاء الأمس». وربما لهذا السبب يستنجد بطيف محمود درويش وهو يقول «في دمشق تسير السماء على الطرقات القديمة حافية… فما حاجة الشعراء إلى الوحي والوزن والقافية». ويتوقف عند مقالة لأتين لا بوسييه، وهو يتحدث عن العبودية المختارة.. يستدعي ابن خلدون وهو يتدلى بحبل من سور قلعة دمشق لمقابلة قائد المغول تيمورلنك، ويلاحظ سيبويه وهو يقف مشدوهاً في مهبات هباء المعنى، وعاجزاً عن «إعراب جملة سورية واحدة».
في سياق الرواية يتجول كافكا وابن عساكر وديستوفسكي وإدوارد سعيد وميلان كونديرا وسعد الله ونوس ولوقيانوس السميساطي.. يتأملون الرصاص المنهمر على ساحة يوسف العظمة، المختلط برائحة القهوة.. يتأملون (إثاكا الأنقاض). لتطل صورة نزار قباني، الذي لا ينصت أحد إلى نصوصه الآن في تمجيد دمشق وياسمينها «الياسمين ملطخ بالأحمر»، فيما يغيب (سارتر السوري) في ظل الحضور الطاغي للمحارب الفيسبوكي. مع استغاثات ثقافية هامسة ويائسة يطلقها الراوي «تعال يا رولان بارت إلى ساحة الحرب، على عجل، لتفكيك شفرات ما حدث ويحدث في خريطة الزئبق السوري». في الوقت الذي يفر فيه المتنبي من قاعة العرش في قلعة حلب إثر انفجار قذيفة. وكأن الأزمنة والفضاءات صارت تمتزج بغرائبية في هذا النص القيامي الذي يكتب على إيقاع القذائف.
هذا ما تفعله الحرب العبثية، فالمقاتلون في معرة النعمان لم يجدوا مكاناً للاختباء أصلح من المتحف، على مقربة من التماثيل الرومانية القديمة، وفسيفساء أفاميا، في الوقت الذي انهمك فيه أبو العلاء المعري في كتابة نسخة جديدة من «رسالة الغفران»، في مشهد سوريالي مدوّخ، حيث تنهمر عليه المشاهد والعبارات الهاجعة في التاريخ والكتب.
يخرج له البرابرة من رواية ج. م. كوتزي «في انتظار البرابرة» فيرعبونه بعبارة «هناك جريمة لا تحتمل»، فيما تنبت له من «الأرض الخراب» عبارة أشد وطأة يلوح بها ت. س. اليوت «لسوف أريك الخوف في حفنة تراب»، ليحقن نص «جنة البرابرة» الموعودة بصعقة مضاعفة من قسطنطين كافافيس «عندما يأتي البرابرة سوف يضعون القوانين» وكأن الإنسان السوري قد اصطف منذ زمن «في انتظار البرابرة».
هكذا يهندس خليل صويلح روايته باقتباسات ذات دلالة، وبمحاورة أسماء مقدودة من البنية التاريخية للمكان، ليشهدوا على الدم المتخثر في جسد وطنه، يعيد تأمل (جرنيكا) بيكاسو.. ويعيد تدوير صرخة بابلو نيرودا بأوركسترالية حزينة «تعالوا انظروا الدم في الشوارع»، فقد اعتقل صديقه السينمائي، واختفى علي بربندي، أشهر بائعي الدخان المهرب في دمشق.. وصارت حياة السوري تشبه القدر المضروب لبطل قصة «على قطيفة» للألماني هاينس ريتسه، الذي يعبر جسراً ضيقاً للقطارات فوق بحيرة، فإما أن يدهسه القطار، أو يرمي نفسه في بحيرة مليئة بالتماسيح.
لهذا السبب يتمنى لو أن عمر إميرلاي ينهض من نومته الأبدية على سفح جبل قاسيون، كي لا يفوته المشهد كاملاً. ليدير حواراً مع محيي الدين بن عربي، الذي ينام إلى جانبه على بعد أمتار، حول معنى التصوّف، فالمشهد الدامي فيه من المادة الخام ما يصلح لإنتاج فيلم استثنائي «ليفضح الخزي، وطبقات العار، وأفعال البرابرة»، ولكن كيف يمكن ذلك والنّحات عاصم الباشا، يغادر محترفه في يبرود، إثر اشتداد القصف. ويوزع منحوتاته على أصدقائه. ويدفن ما تبقى منها تحت الأرض، في مقبرة نادرة لمنحوتات معدنية على هيئة طيور وبشر ومسوخ. في الوقت الذي بدأ فيه البرابرة الحرب على التماثيل، فتم تفجير تمثال (أبي تمام).. في الوقت الذي كان يودع فيه صالح علماني.
وفيما تبدو محاولة لفهم أعمق لمغزى تلك القيامة، صار يحدق في نبوءات يوسف عبدلكي، المجسّدة بقلم الفحم مع لطخات متقشفة بالأحمر، حيث تترّسب تراجيديا الموت وراء تلك الخطوط.. وكانت تلك الخربشات الصاخبة سبباً لاعتقاله. كما استدعى عمل تمّام عزّام، الذي استنسخ (قُبلة) غوستاف كليمت الشهيرة، ليفرشها في لوحة هائلة على مبنى مهدم وسط حطام هائل لبيوت مهدّمة في حمص، في كولاج مرعب للقبلة الذهبية والخرائب الشاهدة على القيامة. ومن المنطلق ذاته يستذكر محمد ملص وهو يكتب «سُلّم إلى دمشق» باللقطة المتخيّلة، فيما يستبقي اللحظة المعاشة خارج الكادر، عندما كانت رائحة البارود تلتصق بثياب الممثلين.
هكذا تبدو له دمشق اليوم فهي «جنّة البرابرة. والأرض الخراب. ومنجم الألم»، أو هي حكاية حزينة يتم تداولها على موائد العشاء أو يُتنادم بها على طاولة شبه خاوية في (مقهى الروضة)، إذ لا يكف عن ارتياده بصحبة أمل دنقل ومناجاة نفسه هناك، فهو مأوى المثقفين «أعد أيام الوحدة بمقياس سلحفاة هرمة.. أخلط القهوة المرّة بالحنين.. أفكر بقوائم التحريم التي تتراكم يومياً، وهل سيأتي يوم تُمنع فيه أسباب البهجة أو أن يقتحم مسلح المقهى ويطلق النار عشوائياً على رواد المكان»، وكأنه يريد القول، بأنه يرفض الدخول في جنّة البرابرة، حيث اخترع كل سوري هويته المتخيّلة ليختبئ فيها.
بشيء من التسجيلية التشخيصية، أشبه ما تكون بالمدونة الشخصية وبدون أن تنسل ذاته من النص، أراد أن يقول خليل صويلح من خلال هذا النص الروائي، أنه يقيم في (المابين)، أي الذاتي والموضوعي، إذ لا يمكن لأناه أن تكون حاضرة في كل تلك المشاهد المفجعة في (أرض محتضرة).. إلا أن حواسه كانت مفتوحة لكل ذلك الخراب، حيث ارتد عمودياً داخل ذاته، وتاريخ بلاده. ومن خلال يوميات تحقيبية للحدث، بعد أن أهدته مريم، التي كانت تحاول تقشير جسدها القديم بفائض من الشبق، مفتاح روايته المؤسسة على عبارة في رواية «قلم النجار» لمانويل ريفاس «كل الناس صالحين للحرب.. إن لم يكن لكي يقتلوا، فلكي يموتوا».
* ناقد سعودي

محمد العباس*

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية