خمسة سيناريوهات لتشكيل الحكومة تبدأ بالنموذج الأمريكي ولا تنتهي بالوصفة السويسرية

حجم الخط
1

تونس – «القدس العربي»: يمكن القول إن تونس اليوم قطعت نصف الطريق نحو الديمقراطية بإنجازها الانتخابات التشريعية التي شكلت نتائجها مفاجأة كبيرة للبعض، غير أن الحديث عن القطع الكلي مع ممارسات المنظومة السابقة بات مثار تشكيك لدى عدد كبير من المراقبين وخاصة مع حصول حزب «نداء تونس» الذي يجمع بعض رموز بن علي على المركز الأول في الانتخابات، رغم أنه أكد مرارا أنه لا يسعى لإقصاء أي طرف سياسي في المستقبل.
غير أن الحديث يتمحور هذه الأيام حول هوية الحكومة المقبلة التي ينوي «نداء تونس» تشكيلها في ظل الحديث عن احتمال سعي الحزب لاستبعاد خصمه السياسي الأبرز «النهضة» الذي ما زال يحتفظ بثلث المقاعد في البرلمان وهو ما يجعله رقما صعبا في المعادلة السياسية التونسية.
ويشير المراقبون إلى وجود عدة سيناريوهات لتشكيل الحكومة التونسية المقبلة تبدأ بالاتفاق بين «نداء تونس» و»النهضة» ولا تنتهي بثورة شعبية أخرى نتيجة خيبة الأمل في السياسيين، مرورا بهيمنة «نداء تونس» على المشهد السياسي عبر اسئثاره بالسلطتين التنفيذية والتشريعية.
ويرى الباحث والمحلل السياسي التونسي د. رياض الصيداوي (مدير المركز العربي للدراسات السياسية والإجتماعية في جنيف) أن المشهد السياسي مفتوح على جميع الاحتمالات، مشيرا إلى وجود تردد بين قيادات «نداء تونس» حول إشراك «النهضة» في الحكومة والخوف من تراجع شعبية الحزب على غرار ما حدث مع شركاء النهضة السابقين «المؤتمر من أجل الجمهورية» و»التكتل الديمقراطي من أجل العمل والحريات» رغم أنه يشير في المقابل إلى وجود تشابه كبير بين البرامج الاقتصادية والإجتماعية للطرفين التي تتبنى النموذج الليبرالي والرأسمالي واقتصاد السوق.
ويضيف لـ»القدس العربي»: «ثمة عدة سيناريوهات لتشكيل الحكومة التونسية، تبدأ بالسيناريو أو «النموذج الأمريكي» الذي يعتمد على وجود حزبين مختلفين من الناحية الإيديولوجية (الحزب الديمقراطي الليبرالي والحزب الجمهوري المحافظ) وهذا يتشابه إلى حد كبير مع الحالة التونسية التي تضم حزبين كبيرين كـ«نداء تونس» العلماني وحركة «النهضة» الإسلامية.
ويشير إلى احتمال تطبيق هذا السيناريو في ظل التأثير الأمريكي الكبير على الحياة السياسية في تونس، والجهود التي قام بها السفير الأمريكي سابقا في تقريب وجهات النظر بين «نداء تونس» و»النهضة» فضلا عن «صولاته وجولاته على مكاتب الإقتراع خلال الانتخابات التشريعية الأخيرة».
وكان القيادي في حركة «النهضة» عبداللطيف المكي أكد في وقت سابق لـ»القدس العربي» أن الحركة «لديها خيارات مريحة جدا، فبإمكانها البقاء في المعارضة وإنجاز خيارات الشعب التونسي من ذلك الموقع، وبإمكانها المشاركة في الائتلاف الحكومي إذا رأت أنه يمتلك برنامجا يخدم الثورة ويحقق أهداف العدالة الإنتقالية ومن بينها فتح ملفات الفساد، فضلا عن الإصلاح والعدالة الإجتماعية، وما زال لدينا الوقت الكافي لنقرر بهذا الشأن، على اعتبار أن الحكومة المقبلة لن تتشكل قبل مطلع العام المقبل».
ويشير الصيداوي إلى وجود سيناريو ثانٍ لتشكيل الحكومة التونسية يتمثل بسعي «نداء تونس» للتحالف مع «الجبهة الشعبية» والأحزاب الصغيرة التي يختلف معها (إيديولوجيا واقتصاديا) لتحقيق النصاب الذي يمكنه من تشكيل الحكومة (51 في المئة) بعيدا عن حركة النهضة التي ستبقى في المعارضة.
وكان القيادي في «الجبهة الشعبية» الجيلاني الهمامي أكد لـ»القدس العربي» أن الجبهة ترفض المشاركة في حكومة مكونة من «نداء تونس» و»النهضة» على اعتبار أن برنامجهما السياسي لا يتوافق مع البرنامج الاقتصادي والإجتماعي الذي تسعى الجبهة الشعبية لتحقيقه، والذي يتضمن إجراءات إجتماعية واقتصادية عاجلة تسعى لتخفيف وطأة الأزمة على الشعب التونسي وخاصة الفئات الضعيفة والجهات المحرومة، مشيرا إلى أن الجــبهة تفضل البقاء في إطار البرلمان والمعارضة والعمل من أجل تفعيل دور المجتمع المدني ليساهم في ممارسة الضغط للخروج من الأزمة الاقتصادية الحالية.
غير أن الصيداوي يشير إلى سيناريو جديد لتشكيل الحكومة يعتمد على «الوصفة السحرية السويسرية» والتي جنبت السويسريين ويلات الصراع الداخلي منذ عام 1959 وحتى اليوم وتقضي بمشاركة اليمين واليسار في حكومة ائتلافية «أبدية»، مشيرا إلى أن تونس يمكن أن تلجأ إلى هذا الخيار في حال تصاعد التجاذبات السياسية وفشل الوفاق الوطني.
ويضيف «يمكن تشكيل حكومة ائتلافية طويلة المدى تجمع بين الأحزاب الخمسة الأولى الفائزة في الانتخابات (على اختلاف برامجها الاقتصادية والاجتماعية)، ويمكن أن تحكم لمدة 15 أو عشرين عاما يتم خلالها التركيز على إنعاش الاقتصاد بدل التمزق والشعارات السياسية (المُفرغة) على حساب التنمية ورفاهية المواطن والاقتصاد التونسي».
وكانت حركة «النهضة» دعت قبل أشهر من الانتخابات إلى تشكيل حكومة ائتلافية موسعة أو حكومة وحدة وطنية تضم جميع الأطراف السياسية الفائزة في الانتخابات فضلا عن ممثلين من المجتمع المدني، ولقي هذا الاقتراح تجاوبا من أغلب الأطراف السياسية في البلاد.
من جهة أخرى، بدأ «نداء تونس» بالتلميح إلى احتمال الهيمنة على المشهد السياسي عبر الاحتفاظ بالرئاسات الثلاث في حال فوز الباجي قائد السبسي في الانتخابات الرئاسية المقبلة، وهو ما باتت تروج له بعض القيادات «المتطرفة» في الحزب، مشيرة إلى أن «النداء» لن يتحالف سوى مع القوى السياسية «التقدمية» التي تتفق معه في البرامج والرؤى المستقبلية للبلاد، في إشارة إلى احتمال استبعاد النهضة بشكل كلي من الحكم.
ويقول الصيداوي «في حال فوز الباجي قائد السبسي في الرئاسة فسيحتكر نداء تونس السلطات الثلاث (رئاسة البرلمان والحكومة والجمهورية)، أما في حال فوز رئيس من حزب معارض للسبسي بالرئاسة فستتجه تونس لتطبيق النموذج الفرنسي الذي يتلخص بوجود صراع وتنافس بين رئاسة الدولة والحكومة في ظل وجود رئيس دولة اشتراكي ورئيس حكومة يميني أو العكس، وهذا ما قد يحدث في تونس أيضا».
وكان رئيس حركة النهضة الشيخ راشد الغنوشي حذر قبل أيام من عودة الإستبداد وحكم الحزب الواحد والهيمنة على الإدارة ومؤسسات الدولة، مؤكدا أن «النهضة» لن تسمح بعودة أصنام الحزب الواحد والزعيم الأوحد والانتخابات المزيفة والمال الفاسد إلى الأبد».
وأضاف خلال مؤتمر شعبي في العاصمة التونسية «المستقبل في تونس اليوم للحرية وللإسلام والوحدة الوطنية ورفض العنف والإقصاء والإرهاب».
وبعيدا عن السيناريوهات أو القوالب «الجاهزة» أو المستوردة من الخارج، يشير الصيداوي إلى وجود سيناريو قد يتخذ طابعا كارثيا ويتلخص في قيام ثورة شعبية جديدة ترفض جميع الأطراف السياسية وترفع شعارات اجتماعية تطالب بالقضاء على الفقر والبطالة وإنعاش التنمية وغيرها، ويقودها شباب بدأوا ينظرون بعين «الاحتقار» لأغلب النخب السياسية (يمينا ويسارا).
ويشير إلى أن مقاطعة الشباب للانتخابات التشريعية بشكل كبير تؤكد أن «الشباب الذين قاموا بالثورة وأغلبهم من العاطــلين عن العمل والعمال اليوميين وجدوا أنفـســهم أمام نخب سياسية محترفة لديها طاقات وأموال ومكاتب وسيارات في ظل تزايد تهميشهم على جميع المستويات».
ويضيف «إذا لم تقم تونس بدور «الدولة الراعية الإجتماعية» كما هو الحال في الدول الأوروبية التي تعتمد على وجود عقد إجتماعي بين المواطن والدولة التي تقدم له راتب شهري يكفي لتغطية حاجياته من مأكل وملبس وعلاج، فإن التوتر والإنفجار الإجتماعي من الممكن جدا أن يحدث، فالفقراء لا تهمهم الديمقراطية السياسية بقدر إهتمامهم بـ»الديمقراطية الاجتماعية» التي تؤمن احتياجاتهم، وخير دليل على ذلك رفض أهالي ولاية القصرين (وسط) الفقراء استقبال الرؤساء الثلاثة في وقت سابق».

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية