خمسة مقاعد خشبيّة وعودُ ثقابٍ رطبْ… ونافذة…!

إلى «جانكين حسن»

□ المقعد الخامس
أنا الآن.. أرمي حصاةً إلى جانبهِ وكأنّني أرجمُ الفراغَ وأبتسم
كمن يلهو مع القاعِ ويثقبُ ماءَ النهر بأحجيةٍ تغرق!
الغرقُ ضفّة…!

□ المقعد الثالث
.. لم يتّسع للأهازيج التي بيننا يا صديقي ولم
ندرِ أنّ الحربَ لها أردافُ الحكاياتِ الشريرة التي تأخذُ كلّ أوقاتنا
وكلّ الأمكنةِ والجثثِ الممهورة بختمِ الأوطان والمدنِ الجميلة كعيون بقرة،
وعشقِ قتيلٍ رأى عطرَ حبيبتهِ قبل أن يُغمضَ قلبه ويحلم بالأغاني الشاهقة!…
لم ندرِ.. أنّها أخذت حتى الفراغ الذي كنا نريد الجلوس فوقه.. مكتظينَ بالأصفاد والحرية.

□ المقعد الأول
للطفلِ الشقيّ.. الحنق.. المتهوّر…. الذي رمى عودَ ثقابٍ مضيء في حقلِ حنطة… ومضى يقفزُ كجندبٍ.. ضاحكاً إلى أمّه في أعلى التلّة!

□ المقعد الثاني
… في الحافلة؛
قليلاً أرجوكَ… أفسح مكاناً لي إلى جانبكَ…
سأجلسُ لنصفِ ساعة أو… دقيقة؛
أنتَ مسافرٌ إلى البلاد البعيدة…!
أريدُ أن أرسمَ دائرةً بسبّابتي على زجاج النافذة.. تشبه أحلامنا!
وأشيرُ إلى التلال القصيّة والجبال التي خلفها وطني!
وأحكي لكَ بعدها عن الحربِ التي ترقصُ وراء الجبال ذاتها…!
عن جثثٍ تضعُ بسواعدها ساعاتٍ معطلةً وتنتظرُ وقتَ الدفن…!
عن أمهاتٍ يجلسن على عتباتِ الأبواب ينتظرنَ التوابيت القادمة من السهول والشوارع العريضة!
عن الأبناء القتلى والعاشقات اللائي خسرنَ قلوبهنَ في ساحات المعارك والرسائل المتأخّرة!
… وأريد أيضاً أن أحدّثكَ عن سائق الحافلة الأحمق الذي خدعكَ بالوقتِ وقضمَ نصفَ ساعةٍ من حضوركَ بيننا..!
…. نصفُ ساعة يا جانكو..!
نصفُ ساعة تكفي لشربِ فنجان قهوة مع الأصدقاء..
ودقيقةٌ واحدة فقط… كفيلة بدمارِ حيٍّ بكامله حين يأمرُ الطاغية وجنرالات الحروب القذرون
نصفُ ساعة تكفي لعبورٍ جريحٍ عند الحدود!
ودقيقة واحدة… لا تكفي لقبلةِ عاشقةٍ تودّع حبيبها المسافر إلى النار!
وبعد كل هذا يا صديقي… أوقف الحافلة.. أريدُ
أريدُ أن أنزل هنا… عند هذا الحقل الفارغ الذي يشبه الحقلَ الذي أضاءه الطفل الشرير!
سوف أعود إلى منزلي وفي ظهري فأسُ وداعكَ وحزنٌ هرمٌ يزحفُ في قلبي
أمام الذكريات!

□ المقعد الرابع
أجلسُ عليه الآن… وأكتبُ هذه القصيدة…

□ نافذة؛
تطلّ منها والدةُ الطفلِ الذي أحرقَ الحقل وجاءها ضاحكاً!
تشاهدُ حافلتكَ كيف تمضي إلى البلاد البعيدة..
تشاهدُ الحربَ التي ترقصُ وراء الجبال
تشاهدُ الغرقَ وتسمعُ صدى الأهازيج وإيقاعَ الحصاةِ في القاع!
تشاهدني كيف أعود إلى منزلي….
تفركُّ قلبها بألمٍ كمن يشاهدُ حفلات الإعدام الجماعية!
وبعد كل هذا…
خمس صفعات على مؤخرة طفلها… بعددِ المقاعد!
عقاباً له!
لو أنّنا لم نزرعِ الحقلَ بالنبوءات والأحلام والملح!
ما اكتشفَ الطفلُ النارَ
ولم نرَ كل هذا الخراب الأنيق!
ولم تفتح الأمّ نافذتها وأخذت تعدُّ بشفتيها الجافتين المقاعد الخشبية!
كلّ هذا…. ولمّا يزل هنالكَ عودُ ثقابٍ رطب..
بين أصابعِ طفلٍ آخر!

شاعر سوري

أحمد بغدادي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية