في الأيام الأولى للثورة السورية وتظاهر مئات الآلاف من السوريين في المدن والأرياف، لوحظ أن هذه الثورة اتسمت بطرح هتافات لم يكن المواطن السوري يجرؤ على ترديدها لأربعة عقود ونيف من الحكم الأسدي لسوريا، من «سوريا بدها حرية»، و»واحد، واحد، واحد، الشعب السوري واحد» و»سلمية، سلمية» إلى «الشعب يريد إسقاط النظام».
هذه الهتافات كانت تعكس وعي الشباب السوري بالتركيز على سلمية الثورة، ووحدة الشعب السوري، ومطلب الحرية والتخلص من نظام قمعي طائفي، جثم فوق صدر السوريين زهاء نصف قرن. لكن ما يلفت الانتباه هو هتاف تردد في أكثر من مكان من شباب لا تتجاوز أعمارهم، عمر النكسة، بل معظمهم من جيل تسعينيات القرن الماضي: « باع الجولان ابن الحرام» (ويقصدون حافظ الأسد)، وهذا الكلام تردد على أكثر من لسان منذ نصف قرن، وخاصة بعد النكسة مباشرة، وما تلتها من أحداث، وعمليات اغتيال وتسريح مئات الضباط داخل الجيش السوري، لطمس معالم فضيحة أودت بسوريا وجيشها إلى أزمة لم يسبق لها مثيل في تاريخها، وطرحت أسئلة كثيرة حول حيثياتها.
وهذا ايضا يعكس أن جرح ما سمي بالنكسة مازال لم يندمل، طالما ان الجولان السوري بقي محتلا، ولم يجرؤ النظام الأسدي حتى على المطالبة بتحريره. إذ تبقى هذه الهزيمة علامة فارقة في تاريخ العرب بشكل عام، وسوريا بشكل خاص، كون هذه الهزيمة لم تكن لتحصل، أو لكانت أقل فداحة، لولا البلاغ رقم 66، وهذا البلاغ بقي لغزا محيرا في فكر كل سوري، من جيل النكسة، ومن جيل الثورة. لأن الهزيمة كانت مرتبطة بشكل أو بآخر بهذا البلاغ الذي صدر عن وزير دفاع سوريا آنئذ: حافظ الأسد.
ومن يعود إلى تلك الأيام يجد أن ما حصل في الجبهة السورية كان يثير علامة استفهام كبيرة بكبر الهزيمة. فالجبهة السورية على عكس الجبهتين الأخريين، المصرية والاردنية المكشوفتين، بحكم جغرافيتهما الصحراوية في سيناء، والمنبسطة في غور الأردن، فهي منطقة جبلية منيعة، تعلو حوالي 1000م عن سطح البحر، بطرق وعرة جدا ومنحدرة بشكل لولبي، لتصل إلى اراضي الحمة، أكبر وأفضل منتجع لحمامات كبريتية كانت تقع في الاراضي السورية قبل الاحتلال، وإضافة الى مناعة الجولان جغرافيا فقد تم تحصينه عسكريا، بحيث من الصعوبة بمكان أن يقتحم من أي جيش غاز مهما بلغت قوته. تبلغ مساحته 1800 كم مربع وهو من اخصب الاراضي الزراعية في سوريا، ومصدر مياه أساسي للأراضي الفلسطينية، فكيف تم احتلاله من قبل الجيش الإسرائيلي المنهك بعد انشغاله بالجبهة المصرية والجبهة الاردنية، بأقل من يومين، وقد استغرق تحصينه اكثر من عشر سنوات بأحدث الأسلحة؟ وكيف تخلى عنه الجيش السوري بهذه السرعة وهذه السهولة، لأن الجيش الاسرائيلي لم يحتله بانتصار عسكري، بل بكل سهولة!
كل المراقبين، والضباط السوريين الذين كانوا مرابضين على الجبهة، يؤكدون أن الجيش السوري كان بإمكانه صد أي هجوم اسرائيلي، بل والانتصار عليه، وأن يغطي على خسارة الجيش المصري ويخفف عنه عبء الهجوم الكاسح من قبل الطيران الاسرائيلي، في اولى ساعات الهجوم في الخامس من حزيران، لكن الأوامر لم تعط بالهجوم وتُركت الجبهتان المصرية والاردنية تصدان العدوان الاسرائيلي بمفردهما، دون دعم من الجيش السوري. كانت الضباط والجنود في خنادقهم ينتظرون أوامر وزير الدفاع آنئذ، حافظ الأسد. لكن الأوامر لم تأت وبقيت الجبهة السورية صامتة خلال الأيام الأربعة الأولى، عدا بعض المحاولات الفردية التي تخطت الأوامر، وقامت ببعض الهجمات التي توغلت فيها في الأراضي المحتلة، أو قصفت بعض المواقع، وتمت معاقبة البعض لمخالفة الأوامر. وقد استغرب الضباط السوريون المنتشرون في القطاعات المختلفة على الجبهة السورية من،
ـ عدم إعطاء أي أمر بمباشرة الهجوم على الجبهة السورية، أو حتى قصف مركز على بعض المواقع الاسرائيلية.
ـ اختفاء الطيران السوري فترة الحرب، ثم ظهوره بعد وقف إطلاق النار.
ـ هروب قائد الجيش اللواء أحمد سويداني إلى دمشق تاركا الجبهة بدون قيادة.
ـ هروب قائد الجبهة العقيد أحمد المير من الجولان على ظهر حمار خوفا من استهداف الطيران الاسرائيلي لأي آلية تتحرك في اليوم الرابع من الحرب.
ـ فرار اللواء سبعين مدرعات بقيادة عزت جديد (شقيق صلاح جديد حاكم سوريا الفعلي آنذاك)، والكتائب التي يقودها رفعت الأسد (شقيق وزير الدفاع حافظ الأسد). وتم تبرير ذلك فيما بعد بأن انسحاب اللواء سبعين كان بأمر وزير الدفاع لحماية دمشق، وفي واقع الأمر أن الخوف كان من تمرد بعض الضباط على القيادات، بسبب هذه الخيانة والزحف إلى دمشق واسقاط النظام.
ـ اختفاء آليات التموين، والتموين الجاف المعد سلفا في حال انقطاع الامدادات (تموين طوارئ)
ـ انقطاع الإمداد بالمحروقات للآليات العسكرية والدبابات.
ـ البلاغات المتتالية الصادرة عن إذاعة دمشق، التي تعلن عن سقوط عشرات الطائرات الاسرائيلية يوميا بسلاح الجو السوري، مع أن أحدا لم ير طائرة سورية في الاجواء، ولا حتى المدافع المضادة للطائرات.
مردخاي غور قائد سلاح الطيران صرح بأن ثلثي الطيران السوري قد دمر خلال ساعة واحدة والثلث الثالث نقل الى مناطق اخرى، أي ان الطيران السوري لم يشارك في المعركة اطلاقا فكيف سقطت كل الطائرات الاسرائيلية؟
بعد خمسة أيام من بداية الحرب، صدر البلاغ رقم 66 من الإذاعة السورية يعلن سقوط القنيطرة بيد قوات العدو، ويحمل توقيع وزير الدفاع حافظ الأسد: «ان القوات الاسرائيلية استولت على مدينة القنيطرة بعد قتال عنيف دار منذ الصباح الباكر في منطقة القنيطرة، ضمن ظروف غير متكافئة، وكان العدو يغطي سماء المعركة بامكانات لا تملكها غير دولة كبرى، وقد قذف العدو في المعركة بأعداد كبيرة من الدبابات، واستولى على مدينة القنيطرة، رغم صمود جنودنا البواسل، إن الجيش لا يزال يخوض معركة قاسية للدفاع عن كل شبر من أرض الوطن، كما أن وحدات لم تشترك في القتال بعد وقد اخذت مراكزها». هذا البلاغ المحير والمثير للدهشة جعل الجبهة السورية تهوج وتموج، من راغب بالانسحاب، ومن رافض له، وبما أن الانسحاب كان طوعيا فإن الكثير من القطعات التي بدأت الانسحاب تم قصفها وتدميرها، ثم تدمير كل الأليات السورية، حتى أن قطعات كاملة استولى عليها العدو بعد أن فر جنودها وضباطها.
في تصريح لأحمد سويداني قائد الجيش بعد الحرب: « ليس مهما أن يحتل العدو دمشق، أو حتى حمص وحلب، فهذه جميعا أراض يمكن تعويضها، أما إذا قضى على حزب البعث فكيف يمكن تعويضه وهو أمل الأمة العربية؟». كما صرح قائلا: « أنا كمسؤول لم أستشر في البلاغ الذي أعلن سقوط القنيطرة، وكمواطن سمعته من الإذاعة كغيري». وزير الصحة السوري عبد الرحمن الأكتع الذي كان في القنيطرة ساعة بث البلاغ، تفاجأ به واتصل بوزير الدفاع حافظ الأسد ليبلغه بأن هناك خطأ ما، فالقنيطرة لم تسقط ولا يوجد فيها جندي اسرائيلي واحد يقول: «عندما اتصلت به شتمني بأقذع الشتائم وطلب مني أن لا أتدخل بما لا يعنيني وأغلق الخط».
محمد الزعبي وزير الاعلام صرح في مؤتمر صحافي، «إن سوريا خسرت في المعركة عشرين ضابطا ومئة وخمسة وعشرين جنديا». هل هذه خسارة جيش خاض حربا مع اسرائيل؟ هذا العدد من القتلى يرتكبه يوميا الوريث بشار الأسد بحق الشعب السوري.
لقد اعلنت إسرائيل أنها ستفرج عن ملفات حرب النكسة، او الايام الستة كما تقول، فهل ستفرج عن سر البلاغ 66 الذي تم بموجبه تسليم الجولان، وحماية نظام حافظ الأسد ووريثه؟ بالانتظار لا يزال السوريون يهتفون «باع الجولان ابن الحرام».
كاتب سوري
رياض معسعس