خنساواتُنا أمامكنَّ تنحنِي البشرية

حجم الخط
0

كم أنتنّ عظيماتٌ يا خنساواتِ الشام وغزة، فبِكنَّ أصبحَ المحالُ مهزومًا، وأمامكُن تناثرت كلُّ بطولة، وأفعالكن جسّدت قول نبينا عليه الصلاة والسلام «لا يضرُّهم من خذلهم» فبوركت سيركن العَطرة، وبقيتن أيتها الخنساوات نبراسًا لبطولتنا في زمن النخاسة العالمي، نعم إنّكن أمهاتُنا وأخواتنا اللاتي نفخر بهن أمام الكون كلِّه ورحم الله من رحل منكنّ عن عالم القذارة إلى رحابة عالم الطهر، ومباركٌ لهن نجاحهن -بإذن الله- في امتحان الدنيا الذي سيصْبِحن فيه مدرسةً، لا ينتهي أثرٌها ولا يمل من ذكرها، مدرسة تهمس وتنادي العالم أن تعلموا معاني التضحية وادخلوا في مدرستِنا مدرسة الإيمان؛ لأنها هي التي تخرِّج أمثالنا.
فلمثلِ هاماتكن تنحني هاماتُ الرُّجولة، بل تنحني معاني الإنسانيةِ، فالصبر إلى مدرستكن يأملُ أن يصلَ بسبب، لعجزه عن اكتناه ما أريتموه، فالصبر تتلمذ على معنىً جديد ما ألفه؛ لأنّه صمودٌ من نوعٍ جديد يحتاج لقاموسٍ لاحتواء دلالته، والدمعةُ من عيونكن تأبى الفِراق، لكنَّ خدودًا تسرَّب إليها دمُ حزنٍ لخفقةِ قلبٍ جريحٍ، فكّت قيد أجفان عيونكن أمامَ الدمعة الحبيسة، فانسالتْ وانسالت خلفها أخواتُها وكلُّ دمعةٍ تبرُق بقصةٍ، فدمعةٌ تعرِض في سيرِها على خدودكن رحلةَ ألمٍ يتحداه الأمل، وأخرى تُرينا رحلةَ تشردٍ يصارعه سلاح العزة والكرامة، وثالثةٌ تروي هدمَ بيتٍ تتمسكُ الأرض ببقاياه، لتعلنَ أنّ طهارةَ أقدامكن وطئتها فعزّ عليها فراق أثرٍ من آثاركن ولو كان مهدّمًا، ورابعةٌ: تُطيل عرض ذكرى لضحكات أطفال أنهتها قذيفة، ولشهامة ونخوة أبٍ ذبحته يدٌ غادرة، ولشابٍ تنتظرن عرسه لم ترين منه إلا قطعًا متناثرة على مرأى أعينكن الذابلة. منكنّ تعلَّمتِ البشرية أنّ عدل الأرض وهمٌ، وأنّ وجودَنا وهمٌ، وأنّ بقاءنا بدون كرامة وهمٌ، وأنكن الحقيقةُ الوحيدةُ في أرض النفاقِ المزيلَة لكلِّ دلائل الإنسانية شرقًا وغربًا.
حُرقتكن لا شكّ أنها هاجَتْ لأجلها أمواجُ بحارٍ ومحيطات، وتساقطتْ مندهشةً بها أوراقُ أشجار معلنةً عجزها عن الثبات، فأرادت أن تدفن نفسها بتراب الأرض على أن تراكن ولا صريخ لَكُنَّ، وغيومُ السماء تلبدت وتفتّتت أمام صمت بشرية خرساء عن نصرتكن، صوركنَّ في العقول حُفرت ودمعاتُكن للأرواح أحرقت، ولكن ما نفعُ الكلامِ أمام هولِ النَّازلة وما نفعُ الكلمات وهي تكتفي بالوصف فهي لا دمعةً عن خدودكن تمسحُ، ولا ولدًا إلى حضنكن تعيد، ولا بيتًا تعيد إليه جدرانه وسقفه، ما نفعُ كلامِنا كلِّه أمامَ من غرسَتْ في الأرض فلذةَ كبدَها، وكتمت نزيفَ جرحِها، ما نفعنا كلِّنا ونحن نكتفي بالوصف والنّدب، عذرًا أمّنا إن جعلناك مادةً لكلماتنا، لكنَّ هاماتِكن تُنطق الكلماتِ فترسُمُ صورتكنّ على بياضِ الكون علّها تحرّك بشريةً خرساء تجمدّ الدم في عروقها، ولكن أنّى لأرٍض منافقوها أسيادها أن تُصغيَ بأذنها التي مُلئتْ بأنات الظلم والقهر والتجبر، أو تفتح عينًا اعتادت رؤية الذبح وألِفَت قِطَعَ الآلاف من أولاد وأحفاد البشرية، أمي أختي بنتي ألا إنّ كلَّ ما ترِين يدفعُكِ إلى أنْ تُرسليها وأنت واثقةٌ فأطلقيها من كلِّ مساماتك من روحكِ الطاهرة اللهم إليك المشتكى.
د. محمد خالد الفجر

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية