لا شك أن الجزائر تعيش شبه استثناءخلال السنوات الأخيرة تزامنا مع ما يحدث في العالم العربي. فكل الثورات والانتفاضات التي حدثت وتحدث في البلاد العربية وحتى الملاصقة والمجاورة للجزائر كتونس، على سبيل المثال، لم تهز عرش السلطة الحاكمة في الجزائر قيد أنملة ولم تحفز الجزائريين إلى الخروج للمطالبة بالتغيير رغم تشابه الدوافع أو تطابقها أحيانا.
ورهان النظام السائد كان دوما على خشية الشعب الجزائري من العودة لسنوات الجمر أو العشرية السوداء فلا تكاد تلمس أي رغبة حقيقية لدى السواد الأعظم من الجزائريين في تغيير النظام لأسباب عدة من أهمها:
خبرة الجزائريين الطويلة في الحراك السياسي والاجتماعي ومعرفتهم المتراكمة حول مايمكن أن تؤول إليه الأمور في حالة ما إذا عزموا على التغيير من جهة.
استثمار النظام في مأساة الجزائر التي دفع ثمنها الجميع بدون استثناء من جهة ثانية فكل المشاهد المروعة التي تشهدها بعض الأقطار العربية من قتل وذبح بالسكاكين وترويع ونزوح «داخلي» شهدته الجزائر على مدى عشر سنوات ولاتزال هذه الصورة المتوحشة حية وحاضرة بقوة في الذاكرة الجزائرية كونها ليست بالبعيدة زمنيا مما يدفع الجزائري إلى توخي الحذر في كل خطوة قد يدفع ثمنها باهظا لاحقا.
شراء السلم الاجتماعي بعائدات البترول وفتح باب خزينة الدولة للاستثمار بشتى الطرق مما خلق طبقة ثرية ثراء فاحشا.
لكن التوظيف المادي والمعنوي من قبل السلطة للحد من إمكانية الانتفاض على الوضع المزري الذي وصلت اليه البلاد والعباد لم يعد يجدي نفعا خاصة بعد إنهيار أسعار البترول المصدر الأساسي والوحيد تقريبا لقوت الجزائريين خاصة وإن الانهيار جاء متزامنا مع إنسداد سياسي بعد انتخاب الرئيس عبد العزيز بوتفليقة لعهدة رابعة!
وتمثل بشكل جلي في فشل السلطة في صياغة دستور توافقي تشارك فيه المعارضة بكل أطيافها لعدم ثقة المعارضة في السلطة الحالية، و فيما إذا كانت لديها رغبة حقيقية في التغيير. ولرغبة النظام من جهة أخرى في تطويع الدستور لخلوده في الحكم وحماية مصالحه.
وأيضا ارتباك السلطة في مواجهة الاحتجاجات التي يشهدها الجنوب الجزائري في مدينة عين صالح التي لم تهدأ فيها المظاهرات السلمية بعد أن قررت السلطة استخراج الغاز الصخري ما اعتبره سكان المنطقة خطرا جسيما على أنفسهم وعلى محيطهم وعشوائيتها في اتخاذ القرارت الملائمة للحراك يبين مدى محدودية الخيارات المطروحة التي تقدمها كبديل للمأزق الذي وضعت نفسها فيه.
كما أن المتابع لأوضاع المواطنين في الجنوب يعلم جيدا أن مسألة استخلاص الغاز الصخري لم تكن سوى القشة التي قصمت ظهر البعير فالمواطنون هناك يشكون التهميش والبطالة من سنين عديدة حالهم حال بقية الشعب الجزائري ولكن بشكل أكثر تعقيدا فحقول النفط موجودة تحت أرجلهم وقد شهدت ولايات الجنوب على مدى سنين إضرابات وتنديدات ووقفات تطالب الحكومات المتعاقبة بالإلتفات لمطالبهم وحقهم في العمل لكن دون جدوى.
يعتبر الثلاثاء 24 من أكتوبر/تشرين الأول 2015 يوما حاسما بالنسبة للمعارضة والسلطة والشارع الجزائري معا فقد عملت المعارضة الجزائرية خاصة التنسيقية الوطنية من أجل التغييرعلى إيصال صوتها للشارع الجزائري، وأعلنت عن هذا التاريخ في عدة مناسبات رغم التضييق الكبير من السلطة عليها حين يتعلق الأمر باجتماع ما للتشاور. ورغم شق الصف من طرف بعض من انتسبوا لها كعادتهم إلا أنها أصرت على هذا التاريخ وعلى وجوب التحرك الآن قبل فوات الأوان.
وستعمل الحكومة بطبيعة الحال على إحباط أي محاولة لشحذ الشارع ضدها بطرق الترغيب أو الترهيب ونسمع وسنسمع عن الأيادي الخارجية ومحاولة زعزعة الاستقرار والتخوين خاصة مع الحرب الطاحنة التي تشهدها الجارة ليبيا وعن إمكانية تسلل جماعات مسلحة إلى الجزائر والعبث بأمنها.
حساسية الوضع الجزائري وتشابك عدة عوامل فيما بينها لا يترك مجالا لكثير من التفاؤل أو التشاؤم فالوضع دقيق جدا والمشهد برمته ضبابي إذا ما حاولنا استشراف ما يمكن حدوثه.
فعبث النظام وتضييعه لفرص حقيقية تمثلت في الاستقرار الاجتماعي والبحبوحة المالية التي شهدتها الجزائر وعدم الاستفادة منهما وتكريس سياسة الأحادية واحتواء المعارضة وصمته المطبق حيال تهريب المال العام الذي يجري على قدم وساق والذي سبق وأن كشفت عنه تقارير مسربة نشرت في الصحف الجزائرية والحديث عن أرقام فلكية خاصة ببعض الجزائريين في البنوك السويسرية يشعرك بأن النظام السياسي مكبل اليدين حيال تغول المال واختراقه للدولة وهي شبه عاجزة عن مقاومته.
وفي نفس الوقت تلمس حنكة لدى المواطن الجزائري في التعامل مع الوضع برمته لكن دون معرفة مدى صبره عليه وفيما إذا كان كالنار تحت الرماد قد يشتعل في أي لحظة.
هي ساعات إذن تفصلنا عن المسيرة السلمية وسنرى مدى استجابة الشارع الجزائري لنداء المعارضة وكيف ستتعامل الداخلية مع هذا الوضع الاستثنائي إنْ حدث!
وكلنا ثقة في الشعب الجزائري وبعض رجالات الجزائر ممن لاتزال في أيديهم بعض الأوراق وقد يدفعون باتجاه التغيير السلمي وعدم السماح لأي خطرأن يهدد ما تبقى من هيبة الدولة.
منى مقراني – الجزائر