رياح سيئة ضد القيم الليبرالية تنتشر في كل العالم. ومفهوم ليبرالية هنا يعني حقوق الفرد، حرية التعبير، الانتظام والنظام الديمقراطي الذي لا يعني الانتخابات الحرة وسلطة الاغلبية فقط، بل تمكين الاقلية من أن تصبح اغلبية، الدفاع عن الاقليات، المساواة، استقلالية القضاء وقدرته على مراقبة باقي الاجهزة، السعي إلى حل الصراعات على اشكالها بطرق سلمية.
بعد انهيار الاتحاد السوفييتي كان يبدو أن القوى الليبرالية تسيطر بالتدريج على العالم، وقد تحول هذا الامر. في الصين تسيطر الامبريالية الاقتصادية التي تعتمد على ديكتاتورية الحزب الواحد، حيث أن الصلة بينه وبين الشيوعية قد اختفت منذ زمن. والانتخابات هناك تتم بشكل يشبه سلالة مينغ (1368 ـ 1644)، وتحاول الصين أن تثبت نجاح الرأسمالية الحديثة برعاية ديكتاتورية قومية.
في تايلالند هناك ديكتاتورية عسكرية، في روسيا تسيطر اوتوقراطية قومية ذات اشارات وكأنها ديمقراطية خارجية. في افريقيا توجد عدة دول مثل اثيوبيا واريتيريا وتوغو وغيرها تتحرك بين الاوتوقراطية والديكتاتورية. في أمريكا الجنوبية توجد انظمة غير ديمقراطية مثل فنزويلا وهندوراس ونيكاراغوا. ويمكن ذكر المزيد من القارات والدول.
في الوقت الحالي انتخب الملايين في الولايات المتحدة وبارادتهم الحرة شعبويا جاهلا وعنصريا للمنصب السياسي الاهم في العالم، الدور الذي يمنحه امكانية استخدام السلاح القادر على تدمير كل العالم.
في الشرق الاوسط، من باكستان وإيران ومرورا بالسعودية ودول الخليج وحتى مصر وسلطة حماس في غزة، غابت القيم التي تشبه الليبرالية. ولا توجد أي فرصة في الاماكن التي يتم فيها قتل الشعب من سوريا والعراق ومرورا باليمن وليبيا وحتى غرب افريقيا ونيجيريا، لأن تصبح ديمقراطية وليبرالية.
هناك دول تتطور فيها انظمة قومية محافظة غير ليبرالية تحافظ على هذا الشكل أو ذاك من الديمقراطية. وهذا ينطبق على الهند حيث يسيطر حزب هندي قومي يحاول الحاق الضرر بحقوق المسلمين. وهذا ايضا في ماليزيا حيث يسيطر الإسلام المتطرف في اطار ما زال ديمقراطيا. وهذا صحيح ايضا في شرق اوروبا، خصوصا بولندا وهنغاريا، فهناك صعدت قوى محافظة قومية.
وهذا صحيح ايضا في إسرائيل حيث أن النظام الديمقراطي يتعرض لخطر حقيقي بسبب السيطرة غير الليبرالية التي تعيش من السيطرة العسكرية على شعب آخر. هذا وضع استثنائي في كل العالم. وليس غريبا وجود تحالف بين المتشابهين: الولايات المتحدة الجديدة مع روسيا، ويمكن ايضا بولندا وهنغاريا ويمين قومي اوروبي مع إسرائيل ومع أمريكا.
خيبة الأمل من العولمة والوعود الليبرالية التي لم تنجح في حل المشكلات الوجودية للشعوب أدت إلى نوع من الفوضى، ليس يسارا مثلما كانت الفوضى الكلاسيكية، بل تمرد ضد أي مركز سلطوي. هذا الواقع دفع إلى البحث عن الحقائق المطلقة لقادة اقوياء واتحاد اجتماعي مفبرك. وهذه جذور السيطرة المتجددة للدين المتطرف على شكله الإسلامي الاصولي الذي يهدد الثقافة الإنسانية ككل.
ولكن نظرا لأن التطور الانساني ديالكتيكي، هناك عملية عكسية، أي محاولات للوقوف أمام الموجة غير الليبرالية. في جميع الاحوال، ما زال هناك معنى للمفاهيم القديمة التي تعودنا علينا لليسار واليمين، لكن اهميتها في تراجع. ايضا على رأس المعسكر الليبرالي في اوروبا تقف رئيسة حزب محافظة في المانيا. الفرق بينها وبين شركائها الاشتراكيين الديمقراطيين يمكن ملاحظته فقط بعدسة مكبرة. على رأس فرنسا الليبرالية يقف حزب اشتراكي ديمقراطي ضعيف.
وفي بريطانيا حزب محافظ. وفي استراليا توجد حكومة ليبرالية محافظة. أما محاولة فرض الديمقراطية المتقدمة في بورما فلا يمكن الحديث عنها بمفاهيم متعارف عليها. في المقابل، النظام الليبرالي في كندا يميل إلى اليسار بوضوح. أما اسكندنافيا ففيها دولة رفاه. وسؤال إذا كانت الحكومات محافظة أو اشتراكية ديمقراطية، لم يعد هاما.
العالم يعيش في صراع قوي حيث أن الايديولوجيا المعادية لليبرالية تتجسد في القومية المتطرفة أو التطرف الديني التدميري. يوجد لليبرالية العالمية فرصة رغم التراجع الكبير في الاونة الاخيرة.
أمام الولايات المتحدة العنصرية والقومية والعنيفة والرأسمالية هناك ولايات متحدة لـ لنكولن وروزفلت ومارتن لوثر كينغ. في روسيا هناك إرث الثورات. وفي الصين توجد ذكرى سان يك سن. وفي إسرائيل ايضا هناك ميراث آخر بعيد عن رئيس الحكومة ووزيرتي الثقافة والعدل، ميراث اهارون براك واسحق رابين وعاموس عوز. الخوف من المستقبل مبرر جدا ـ أما اليأس فليس مبررا.
هآرتس 15/11/2016