خيارات أمريكا محدودة في سوريا

حجم الخط
6

كان من المفترض توقع محدودية الضربة الامريكية لنظام الاسد منذ اليوم الذي اعلن فيه اوباما عن نية توجيه الضربة، فما بالكم ونحن بعد عدة سنوات، مالت فيها الكفة سياسيا وعسكريا لصالح الأسد وحلفه الإيراني الروسي في المنطقة.
منذ سنوات الثورة الاولى، فان السياسة الامريكية في سوريا بنت استراتيجيتها منذ البداية على محاولة اختراق الجماعات المعارضة المسلحة للثورة، وشراء ولاءاتها بالدعم، إن كان مباشرة أو من خلال الدول الحليفة لامريكا بالمنطقة، لضمان وجود سلطة في دمشق لا تختلف ولاءاتها عن باقي العواصم العربية المحمية امريكيا، وتمت خدمة هذا المشروع اعلاميا وثقافيا من الاجهزة التابعة للحكومات الداعمة، من خلال اشاعة خطاب ينتمي لادبيات غربية متصالحة مع سياسات الداعمين، أكثر منه انتماء لادبيات تعنى بقضايا العرب السنة وثوراتهم الغاضبة على الانظمة بالمنطقة.
ولما وجد الامريكيون أن الثورة السورية عصية على الهيمنة وان الجماعات السنية الرافضة للوصاية الغربية، أقوى عسكريا وشعبيا، من تلك القابلة بها، بدا أن زيادة قوة وسيطرة تلك الجماعات السنية الجهادية سيشكل تهديدا لمصالح الولايات المتحدة بالمنطقة، وتهديدا لحلفائها وعلى راسهم اسرائيل، التي قال مسؤولون فيها صراحة أنهم يخشون من هيمنة سنية معادية لهم في دمشق، وتفشي هذا التمرد في المنطقة، لذا تحولت الرؤية الامريكية للقبول ببقاء نظام الاسد بدلا من استمرار الدعم لمجموعات سنية غير منضبطة، وغير خاضعة للاجندة الغربية، خصوصا انه تكشف مع الايام أن بعض تلك التي تظهر انها معتدلة كجماعات الجيش الحر المرتبطة بغرف الدعم الغربي، إنما تحتفظ بعضها بروابط وعلاقات مع الجماعات الجهادية الاخرى.
وقد شرحتها اولبرايت في كتابها تحت عنوان «المعضلة الخبيثة»، موضحة صعوبة خيارات الامريكيين في سوريا بين رغبتهم برحيل الاسد وخوفهم من هيمنة سنية على دمشق، لا يمكن التفاهم معها لاحقا، لذلك دفع الامريكيون حلفائهم العرب لمحاولة تدجين كل الفصائل الرافضة للوصاية الغربية، والملتزمة بشعار الثورات العربية الداعي لاسقاط الانظمة، وليس التحالف معها كما فعلت الفصائل «المعتدلة» التي انتهى بها المطاف كقوات ضمن برنامج مكافحة الارهاب الامريكي، عاجزة عن خوض اي معركة فاعلة ضد الاسد الا بمعية النصرة وحلفائها الجهاديين.
وهكذا مع تصاعد خطر التمرد السني غير المنضبط غربيا بسوريا، وارتباطه بذاكرة الامريكيين بالمقاومة العراقية السنية، لم يجد الامريكيون من خيار امامهم لوقف هذا المارد السني الذي بدأ ينهض، سوى مزيد من التقارب مع ايران، التي تشاركهم العداء نفسه للتمرد السني بالعراق وسوريا، وكان هذا خيارا مناسبا ايضا لايران، التي استخدمت الامريكان كما قال السيستاني في عبارة نقلت عنه « كالثور الذي يحرثون عليه ارض السنة».
وهذا ما حصل فعلا، فمن يتساءل عن التدخل الامريكي عليه أن يتذكر أن الامريكيين يتدخلون فعلا في العراق وسوريا عسكريا، ولكنهم يقاتلون «مع» حكومة بغداد ودمشق والاكراد ضد اعدائهم في مدن العرب السنة، بالمقابل يقاتل الامريكيون «ب» السنة ومجموعاتهم الموالية لهم، لكن ضد مدن السنة الخارجة عن سيطرة حكومتي بغداد ودمشق والاكراد شمالا، ويعيدونها لسيطرة هذه الاطراف الثلاثة المعادية للعرب السنة، ولم يحدث أن هاجم الامريكيون بلدة أو جماعة جهادية شيعية أو ميليشيا تابعة للاسد أو الاكراد برفقة قوات تابعة لحكومتي بغداد ودمشق أو الاكراد.. فالتدخل الامريكي حاصل، ولكن من يستفيد منه حسب اجندته هو الطرف الكردي والايراني الذي يملك مشروعا ورؤية وتحالفا صلبا، اما بالنسبة للقوى السنية فانها تستخدم في التدخل الامريكي، ليس حسب اولويتها هي، بل حسب الاولوية والاجندة الامريكية، التي تكون ضد مدن السنة وحواضرهم، ليتم تدميرها وإخضاعها وتسليمها لخصومها في حكومات بغداد ودمشق والقوى الكردية في شمال العراق وسوريا.

اذن، الضربة المحدودة هي امتداد لسياسات امريكا المحدودة بسوريا وليس استثناء. امريكا التي أبلغت فصائل المعارضة الموالية لها قبل ثلاث سنوات انها أوقفت دعمها لهم في سبيل اسقاط الاسد، وامريكا التي تبنت سياسة فعلية على مدى السنوات الثلاث الماضية وبالتنسيق مع روسيا مؤخرا تحارب فيها خصوم الاسد وايران، وامريكا أبرمت اتفاقا استراتيجيا بتسوية الملف الايراني النووي، واضطرت لاغضاب اسرائيل في هذا الامر علنا، وأمريكا التي تنخرط قواتها بشراكة عسكرية منذ سنوات مع قوات الحكومة العراقية وميليشيا الحشد الشيعي، الذين يحظون بزيارات السفير الامريكي ببغداد، امريكا هذه لا يمكنها قلب كل سياساتها هذه مره واحدة، ولا تمتلك الارضية الملائمة لها في العراق وسوريا للانخراط في مشروع معاكس للحلف الايراني المستقوي بتحالف قطب دولي روسي، أعده الايرانيون كذخيرة لمثل هذا اليوم، بينما لا يملك العرب وحكوماتهم أي تحالف ذي قيمة يمكنه فرض اجندته، ولن يكون من السهل على امريكا تنفيذ سياسات مواجهة عسكرية ضد عدوين أو خصمين صلبين في الوقت نفسه بالمنطقة، الجهاديين السنة والجهاديين الشيعة، وهذا بالضبط ما حدا بها إلى استمالة ايران واحزابها الشيعية في العراق، لانها كانت غير قادرة على مواجهة التمرد السني، وأي تهديد لتمرد شيعي، كما بدا أن التيار الصدري يلوح به بدعم ايراني، وتنفيذا لسياستها البراغماتية التي لا غنى عنها في الواقع للتعامل بحالة متشابكة في العراق، لم تجد الولايات المتحدة بدا من التقارب مع القوى الاساسية والعسكرية المتماسكة في العراق، وهما القوتان الكردية والشيعية، اللتان امتلكتا ايضا قيادتين ومرجعيتين ذاتيتي السيادة نسبيا مكنتهما من الاستفادة من الامريكيين لمصلحة تثبيت سلطتيهما في العراق الجديد.
وهكذا رغم أن الولايات المتحدة تدخلت بالعراق باقصى اشكال التدخل، وهو العسكري، بما يزيد عن مئة الف جندي، فإنها عجزت عن منح أي نفوذ لحلفائها من الشيعة كاياد علاوي أو سياسيي السنة الذين طردوا واحدا تلو الاخر بطريقة مهينة، مقابل هيمنة كاملة لحلفاء ايران الشيعة على السلطة، لذلك علينا أن نفهم أن الولايات المتحدة لا تستطيع التدخل الا على ارضية مهيئة ، وان وجود قوى متماسكة محلية اخرى قد يعيق تحقيقها لاهدافها وان بدت كقوة عظمى، كما اعترف اوباما نصا في خطابه عندما قال «لقد تعلمنا درسا قاسيا في العراق.. القوة العسكرية لا يمكنها فعل كل شيء»، ولكن الوعي الشعبي العربي لا يرغب بتقديم اسباب وتفسيرات لكيفية النزاع بعيدا عن قوالب جاهزة يحفظها، واعتاد على الحلول الخارجية مقابل عجزه عن ايجاد اي حلول ذاتية، وألف تقديس القوى الدولية في تعبير عن عجزه الدائم عن القيام بأي جهد لمواجهة التحديات لانه غائب كعربي منذ قرون عن ادارة سياسات بلاده المنوطة للاخرين.
الدول والحكومات العربية الموالية للامريكيين، التي حولت بلادها لمحميات امريكية تريد أن ترى بقية البلدان العربية الثائرة خاضعة للامريكيين مثلها، وقد نجحت بالفعل في وأد عدد من ثورات الربيع العربي، وتواصل سياسية الخطف الممنهج لإرادة ووعي جمهور الثورات بالتخلص من الهيمنة، سواء كانت هيمنة ايرانية أو غربية، وهكذا فانها تطرح اسئلة مزيفة حول قدرة الدور الامريكي على تخليص البلاد من نظام الاسد، وتمجيد التدخل الامريكي وإن كان بلا جدوى في ظاهرة جديدة اطلق عليها «منحبكجية ترامب»، والخطير بالامر أن هذا الخطاب يصب في صالح دعاية نظام الاسد وايران تماما القائلة بان ثورات السنة هي حركات مدعومة من الغرب، بينما هي لم تتلقى من الغرب سوى مداهنة نظام الاسد، والقتال مع حليفته ايران بدعم عربي رسمي ضد التمرد السني منذ احتلال العراق، وكأن امريكا كانت يوما صديقة لنضال وتطلعات العرب ورفيقة كفاحهم ومناصرة قضاياهم، وكان المطلوب هو نشر ثقافة ترسخ القبول بالعبودية والخضوع لهيمنة شرقية فارسية أو غربية امريكية، ويبقى على العربي الاختيار بين السيدين الايراني أو الامريكي، كأنه تحويل من ثورة بمشروع تحرر عربي إلى عرض محدود لتحسين ظروف العبودية لا التحرر منها..
كاتب فلسطيني من أسرة «القدس العربي»

 

خيارات أمريكا محدودة في سوريا

وائل عصام

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية